تعثّر مفاوضات مدريد حول تعهدات الدول الأطراف في اتفاقية باريس

تعثّر مفاوضات مدريد حول تعهدات الدول الأطراف في اتفاقية باريس

دول «الممانعة المناخية» تصر على عدم رفع سقف التزاماتها
السبت - 17 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 14 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14991]
تيريزا ريبيرا وزيرة البيئة الإسبانية خلال الجلسة الأخيرة من قمة المناخ التي تقرر تأجيلها إلى يوم غد بسبب تعثر المباحثات (إ.ب.أ)
مدريد: شوقي الريّس

ما لم تحصل مفاجآت في اللحظات الأخيرة، بات من المؤكد أن قمّة المناخ سوف تمدّد أعمالها حتى مساء اليوم (السبت)، وربما حتى ظهر غد (الأحد)، بسبب تعثّر المرحلة الأخيرة من المفاوضات للتوصّل إلى اتفاق الحد الأدنى حول التزامات الدول الأطراف في اتفاقية باريس بخفض انبعاثاتها الغازية خلال السنوات العشر المقبلة. وكانت الأمانة العامة للأمم المتحدة قد اتخذت، منذ أكثر من شهر، الإجراءات اللوجيستية اللازمة لتمديد أعمال القمة لعلمها بصعوبة التوفيق بين ما تطالب به الوكالات العلمية المتخصصة ومراكز البحوث، مدعومة من غالبية الدول النامية ومعظم الدول الأوروبية، وما تبدي الدول الملوِّثة الرئيسية من استعداد للالتزام به من إجراءات لخفض الانبعاثات الصناعية من غاز الكربون. وتراوح المفاوضات أمام طريق مسدودة منذ الخميس الماضي حول نصّ المادة التي تنظّم «سوق الانبعاثات» في اتفاق باريس، حيث تحاول المنظمة الدولية، مدعومة بقوة من الاتحاد الأوروبي، دفع الدول الكبرى إلى رفع مستوى التزاماتها والتعهد بوضع خطط أكثر طموحاً للحد من تأثير قطاعاتها الصناعية على تغيّر المناخ، لكن من غير نتيجة تذكر حتى الآن. وفي حين تصرّ مجموعة دول «الممانعة المناخية»، التي تتزعّمها الصين والهند والبرازيل، على عدم رفع سقف التزاماتها خشية الخروج خاسرة في الصفقة النهائية، ظهرت بوادر واضحة للانشقاق داخل المعسكر الأوروبي عندما أصرّت بولندا على تحفظاتها بشأن «الميثاق الأخضر» الذي أقرته القمة الأوروبية أمس، في العاصمة البلجيكية.

وكان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال قد أعلن في ساعة مبكرة من فجر أمس (الجمعة) عن موافقة الدول الأوروبية بالإجماع على «الميثاق الأخضر» بعد يوم طويل من المفاوضات الشائكة، مشيراً إلى أن «إحدى الدول الأعضاء، بولندا، ليست في ظروف تسمح لها حالياً بضمان تحقيق الأهداف الملحوظة في الميثاق».

وتقرّر أن تعود القمّة الأوروبية إلى مناقشة الحالة البولندية في يونيو (حزيران) المقبل، بعد الموافقة النهائية على إطار الموازنة الأوروبية للفترة 2021 - 2027، لتحديد المساعدات والتنازلات المالية التي ينتظر بولندا أن تحصل عليها مقابل تنفيذ بنود «الميثاق الأخضر» بشأن إنجاز مرحلة الانتقال بقطاعها الصناعي من الفحم إلى مصادر أكثر استدامة.

وكان رئيس المجلس الأوروبي قد قلّل من شأن التحفظات البولندية على الميثاق الأخضر، وقال إن المهمّ كان تحديد الهدف المشترك لدول الاتحاد الأوروبي، وهو التوصّل إلى ما يسمّيه الخبراء «الحياد المناخي» بحلول عام 2030، أي أن تكون الانبعاثات الغازية الناشئة عن الأنشطة الصناعية، دون المستوى الذي تستوعبه الطبيعة.

وفي مدريد، أعربت أوساط فريق خبراء الأمم المتحدة عن أملها في أن يساعد الاتفاق الذي توصّلت إليه دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل إلى دفع المفاوضات الجارية خلال الساعات الأخيرة من قمّة المناخ نحو أهداف أكثر طموحاً. وقالت: «بعد قرار الإدارة الأميركية الانسحاب من اتفاق باريس، اكتسب الموقف الأوروبي أهمية حيوية بالنسبة لنجاعة الالتزامات الدولية وتدابير مكافحة تغيّر المناخ، ودفع الدول الملوِّثة الرئيسية إلى رفع مستوى التزاماتها».

لكن تجدر الإشارة إلى أن الموافقة الأوروبية على «الميثاق الأخضر»، لا تعدو كونها، في الوقت الحاضر، سوى رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي الذي ما زال يتعثّر في اعتماد سياسة شاملة وملزمة تحول دون وقوع الكارثة المناخية قبل فوات الأوان. ويعود ذلك إلى أن الاستراتيجية التي يتضمنها هذا الميثاق، لن ترى النور قبل منتصف عام 2021، كما أن الخطط التي ينتظر أن تتفرّع عنها لن تدخل حيّز التنفيذ قبل عام 2022. يضاف إلى ذلك أن ثمّة تفاوتاً كبيراً في مستويات التطور الصناعي بين الدول الأعضاء في الاتحاد، ما يجعل من الصعب جداً وضع خطط ومشاريع مشتركة في الأمد القريب، لا سيّما أن هذا الميثاق البيئي، الذي تريده الرئيسة الجديدة للمفوّضية أورسولا فون ديو لاين عنواناً رئيسياً لولايتها، يقتضي إعادة نظر جذرية في معظم التوجيهات الأوروبية السارية في مجال البيئة ومكافحة تغيّر المناخ.

ويقول خبراء أوروبيون يشاركون في قمة مدريد إن الميثاق الأخضر خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح على الدول الصناعية الأخرى الاقتداء به، لكن دون تنفيذه عقبات تشريعية وعملية كثيرة لن يكون من السهل تذليلها في الآجال المحددة. ويضيفون أن بولندا ليست الدولة الوحيدة التي تواجه صعوبات في الانتقال السريع إلى الصناعة المستديمة بيئياً، بل إن معظم دول أوروبا الشرقية تواجه هذه المعضلة التي تثير القلق أيضاً في ألمانيا، القاطرة الصناعية الأولى في الاتحاد، خصوصاً في قطاع صناعة السيارات الذي يعدّ من الركائز الأساسية للاقتصاد الألماني.


اسبانيا أخبار اسبانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة