فيرغسون وكارول... الطراز القديم من المهاجمين لم ينقرض بعد

المدير الفني المؤقت لإيفرتون ومهاجم نيوكاسل انتصرا الأسبوع الماضي بطريقتهما التقليدية

TT

فيرغسون وكارول... الطراز القديم من المهاجمين لم ينقرض بعد

شهد الأسبوع الماضي تألقاً لافتاً من جانب عدد من المهاجمين التقليديين ممن ينتمون إلى ما يمكن أن نطلق عليه اسم «الطراز القديم»، سواء خارج حدود الملعب، مثل المهاجم الأسكتلندي السابق دونكان فيرغسون، الذي يشغل حالياً منصب المدير الفني المؤقت لنادي إيفرتون، والذي قاد الفريق للفوز والعودة إلى المسار الصحيح بعد فترة من التخبط تحت قيادة المدير الفني السابق ماركو سيلفا، أم داخل حدود الملعب مثل المهاجم آندي كارول، الذي قاد نيوكاسل يونايتد للفوز على ساوثهامبتون بهدفين مقابل هدف وحيد.
ويعد كارول حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص، لأنه عندما كان يتم الاعتماد عليه بديلاً في نادي وستهام يونايتد، كان جمهور النادي يشعر بمزيد من السخط على المدير الفني لعدم قدرته على الاستفادة من لاعب بهذه القدرات والإمكانات على النحو الأمثل. لكن المدير الفني لنادي نيوكاسل يونايتد، ستيف بروس، نال قدراً كبيراً من الثناء والمديح عندما دفع بكارول أمام ساوثهامبتون، وقدم اللاعب أداء مميزاً. وقال بروس: «لقد ساعدنا آندي كثيراً، وأظهر لمحات من المهارات التي كان يمتعنا بها قبل 10 سنوات».
وإذا كانت هذه مجرد «لمحات» من إمكانات كارول، فمن السهل أن نقول إن المدير الفني لساوثهامبتون، رالف هاسينهول، لم يكن قادراً على إيقاف خطورة اللاعب خلال المباراة. وقال هاسينهول، الذي يبدو أنه كان لا يزال في حالة صدمة بسبب خسارة فريقه للمباراة: «لكي أكون صادقاً، كنت أرى أن فريقي كان في طريقه للفوز بتلك المباراة، قبل أن يدخل آندي كارول، وهو من نوعية اللاعبين الذين لا يسهل الدفاع أمامهم. إنه لاعب قوي البنية، ويصل طوله إلى 1.93 متر».
ومن قبيل الصدفة الغريبة أن المدير الفني المؤقت لنادي إيفرتون، دونكان فيرغسون، يصل طوله أيضاً إلى 1.93 متر، وكان مهاجماً قوي البنية، وبعدما تولى قيادة الفريق خلفاً لماركو سيلفا، قاد النادي للفوز على تشيلسي بـ3 أهداف مقابل هدف وحيد. ولو واصل فيرغسون قيادته للفريق بهذه الطريقة، فإن جمهور إيفرتون لن يكون مضطراً للتفكير في ضرورة تعاقد النادي مع مدير فني جديد، لكن من المؤكد أنه سيكون من الصعب للغاية على إيفرتون أن يلعب بنفس القوة التي لعب بها أمام تشيلسي كل أسبوع.
وعادة ما ينجح المديرون الفنيون الذين يعتمدون على تحفيز اللاعبين دائماً، مثل فيرغسون أو كيفين كيغان، لفترة معينة من الوقت، ثم تبدأ الأمور في التأزم عند نقطة معينة. وغالباً ما يتم الوصول إلى هذه النقطة عندما يكون المدير الفني للفريق المنافس أقوى من الناحية الخططية والتكتيكية، ويعتمد على خطة أكثر دقة، ويهتم بأدق التفاصيل. وعندما استقال كيغان من منصب المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، اعترف بأنه يمكنه تحسين أداء الفريق حتى نقطة معينة، لكنه يفشل في نقله إلى المستوى التالي. لقد كان هذا اعترافاً صريحاً من القلب، وهو الاعتراف الذي ينطبق بصورة كبيرة أيضاً على تجاربه المختلفة على مستوى الأندية التي تولى تدريبها.
ويعتقد المرء أن فيرغسون سوف يلاحظ نفس الشيء إذا تولى قيادة إيفرتون لفترة أطول. وتجب الإشارة إلى أن النجاح في تجميع مجموعة مختلفة من اللاعبين من أجل العمل بشكل جماعي لمصلحة الفريق هو مهارة كبيرة في حد ذاتها، وهو الشيء الذي نجح فيه فيرغسون، الذي بات يحظى بتقدير كبير من جانب جمهور إيفرتون في منتصف موسم آخر لم يلعب فيه الفريق بشكل جيد.
وفي الحقيقة، لا يمكن للاعبي إيفرتون أن يلعبوا بالشكل الذي لعبوا به أمام تشيلسي كل أسبوع، وربما لا يمكن لأي فريق آخر أن يلعب بهذا المستوى دائماً. وربما تكون هناك طرق علمية للفوز بالمباريات في كرة القدم، ومن المؤكد أن بعض المديرين الفنيين، مثل الإسباني جوسيب غوارديولا ويورغن كلوب، يحظون باحترام كبير لأن أساليبهم وطرقهم التدريبية تقود فرقهم إلى تحقيق الانتصارات بشكل متواصل من دون التضحية بعنصري الإثارة والمتعة.
ربما يمتلك فيرغسون ما هو أكثر من مجرد الاعتماد على طريقة 4 - 4 - 2 في اللعب ودفع الحماس في نفوس اللاعبين والجمهور، بالشكل الذي رأيناه أمام تشيلسي على ملعب «غوديسون بارك»، وربما نرى براعة تكتيكية أكبر عندما يلعب أمام مانشستر يونايتد على ملعب «أولد ترافورد» غداً (الأحد)، خاصة أن مانشستر يونايتد، بقيادة مديره الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير، يمر بفترة جيدة بعد الفوز على كل من توتنهام هوتسبر ومانشستر سيتي.
حتى سولسكاير نفسه قد واجه كثيراً من الصعوبات في رحلته مع مانشستر يونايتد هذا الموسم، وتعرض لانتقادات من قبل جمهور النادي، لكن بعد نجاحه في الفوز على كل من جوزيه مورينيو وجوسيب غوارديولا في غضون أسبوع فقط، أصبح يتعين على أقوى منتقديه أن يعترفوا أنه ربما يعرف تماماً ما يفعله في «أولد ترافورد».
وقدّم مانشستر يونايتد أفضل مستوياته خلال الموسم الحالي أمام الأندية الكبرى، لكنه تعثر أمام أندية من المستوى المتوسط أو الضعيف مثل بورنموث ونيوكاسل يونايتد وشيفيلد يونايتد. ويؤكد هذا الأمر على أن مانشستر يونايتد لا يواجه أي مشكلة فيما يتعلق بالثقة في النفس، لكن المشكلة التي يواجهها تتمثل في عدم القدرة على المحافظة على نفس المستوى القوي لفترة طويلة من الوقت. وسيأمل فيرغسون أن يتجاوز نفس المشكلة مع إيفرتون خلال المباريات المقبلة. ربما يكون فيرغسون قد استفاد من أن أول مباراة لإيفرتون تحت قيادته كانت أمام أحد الأندية الأربعة الأولى في جدول الترتيب، وهو تشيلسي، لأن فيرغسون كان يعلم منذ البداية أنه لو فشل في تحقيق الفوز فلن يلومه أحد، أما لو فاز فسيحظى باحترام الجميع وينال إشادة كبيرة. وينطبق نفس الأمر أيضاً على مواجهة الفريق أمام مانشستر يونايتد غداً.
قد لا يستمر فيرغسون في قيادة الفريق لفترة طويلة، لكنه يسعى لتحقيق أكبر عدد ممكن من الانتصارات تحت قيادته، وسيكتسب ثقة كبيرة على المدى القصير بشأن كيفية القيام بذلك. ومن المؤكد أن فيرغسون قد نال ثقة كبيرة بالفعل بعد الفوز على تشيلسي، وينطبق نفس الأمر على آندي كارول بعد قيادته لنيوكاسل يونايتد للفوز على ساوثهامبتون، بعدما شكك كثيرون في جدوى إعادته للنادي.
وعلى الرغم من أن البعض ينظر إلى فيرغسون وكارول على أنهما من «الطراز القديم»، لكن الشيء المؤكد هو أنهما لم ينقرضا مثل الديناصورات. ومن المؤكد أن إيفرتون يسعى لتعيين مدير فني دائم بحلول نهاية العام، لكن أحد الأشياء الأولى التي سيتعين على المدير الفني الجديد القيام بها هو اللعب أمام ليفربول على ملعب «آنفيلد» في الجولة الثالثة من كأس الاتحاد الإنجليزي، ومن المؤكد أنها ستكون مواجهة صعبة للغاية على أي مدير فني جديد. لقد كان ديربي الميرسيسايد الأخير قاسياً جداً على المدير الفني السابق لإيفرتون ماركو سيلفا، وكلفه منصبه بعد الخسارة بـ5 أهداف مقابل هدفين أمام ليفربول، ومن المؤكد أنه سيكون اختباراً صعباً للغاية للمدير الفني الجديد، خاصة إذا كان جديداً على النادي وما زال يسعى لتثبيت أقدامه. أما بالنسبة لفيرغسون، فيشعر المرء بأنه قد يكون جاهزاً لهذا التحدي والاستمرار في قيادة إيفرتون بشكل دائم خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.