رؤية لوتشيانو فلوريدي لفلسفة عصر الثورة الرابعة

العالم مادة وطاقة... ومعلومات

رؤية لوتشيانو فلوريدي لفلسفة عصر الثورة الرابعة
TT

رؤية لوتشيانو فلوريدي لفلسفة عصر الثورة الرابعة

رؤية لوتشيانو فلوريدي لفلسفة عصر الثورة الرابعة

شهدت سنة 1948 حدثاً ثورياً عظيماً مثّل انعطافة جوهرية في تأريخ العلم عندما نشر كلود شانون، أستاذ «معهد ماساتشوستس للتقنية»، ورقة بحثية بعنوان: «النظرية الرياضياتية للمعلومات». كانت تلك الورقة البحثية الفريدة من نوعها أول معالجة رياضياتية أنيقة ومكتملة لموضوعة «المعلومات» التي تبدو عصية على الإخضاع لأي نوع من المعالجات الكمية، وإذا ما وضعنا في حسابنا أن نوربرت فينر، أستاذ الرياضيات في المعهد ذاته، نشر كتاباً في السنة ذاتها بعنوان: «السيبرنيتيكا: السيطرة والاتصال في الحيوان والآلة»، فسنعرف على وجه الدقة الأسباب الكامنة وراء اعتبار سنة 1948 سنة عجائبية بحقّ؛ إذ إنّ كلّ التطورات الحداثية التالية التي أفضت إلى عصر الحداثة الرقمية وصعود اقتصادات المعرفة إنما هي بعض الجوانب التقنية للتطبيقات التي تمثل المعلومات مادتها الأولية الخام، وليس أبلغ دلالة في هذا المقام من أن يذهب بعض العلماء ومنظّري فلسفة العلوم والتقنية لاعتبار المعلومات هي الجوهر الأساسي الذي تتأسس عليه كلّ الحضارة البشرية.
لعلّ مفردة «المعلومات»؛ سواءٌ جاءت مفردة أم بصيغة التوصيف الملحق بعبارة «الثورة المعلوماتية»، هي المفردة التقنية الأكثر تداولاً بين العامّة؛ ومع ذلك ثمة خلط مفاهيمي بينها وبين مفردات «البيانات» و«المعرفة» وحتى «الخبرة». يبدو أمراً محسوماً في المفهوم الجمعي أنّ من حاز معلومات كثيرة في ميدان معرفي؛ فقد صارت له خبرة - حتى ولو بقدر ما - في ذلك الميدان.

- من هو لوتشيانو فلوريدي؟
لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi«1964) هو أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد، ويعمل أيضاً مديراً لـ«مختبر الأخلاقيات الرقمية» في الجامعة ذاتها. يشغل البروفسور فلوريدي، بالإضافة إلى موقعه الأكاديمي هذا، مواقع أكاديمية ومهنية في جامعات ومراكز بحثية عدّة أخرى، ويُعرَفُ عنه تخصصه الأكاديمي البحثي في نطاق فلسفة المعلومات وأخلاقياتها وكذلك في أخلاقيات الكومبيوتر.
نشر البروفسور فلوريدي عدداً من الكتب المرجعية المهمة التي صارت تعدُّ مرجعيات في نطاقها الفلسفي وتُرجمت إلى لغات عدة، ومن هذه الكتب: «دليل راوتليدج المرجعي في فلسفة المعلومات (2016)»، و«أخلاقيات المعلومات (2015)»، و«فلسفة المعلومات (2013)»، و«المعلومات: مقدمة قصيرة جداً (2010)»، و«دليل بلاكويل إلى فلسفة الحوسبة والمعلومات (2003)»، و«الفلسفة والحوسبة: مقدّمة (1999)»، و«الإنترنت: مقالة إبستمولوجية (1997)»، و«الذكاء المُعزّز: دليل الفلاسفة إلى تقنية المعلومات (1996)».

- الانفجار المعلوماتي والتأريخ المكتظّ
يشهد الواقع البشري في أيامنا هذه طوفاناً غير مسبوق من المعلومات أقرب إلى أن يكون «تسونامي» جارفاً اختار له المؤلف توصيف «التأريخ المكتظّ» في إشارة إيحائية واضحة الدلالة على عدم القدرة المتزايدة للكائن البشري على التعامل مع هذا الطوفان المعلوماتي؛ ومن هنا ظهرت الدعوات لكائن «ما بعد الإنسان (post - human)» حيث لن يكون الكائن البشري بوسائله البيولوجية الطبيعية قادراً على معالجة هذا الطوفان، بل سيستلزم الأمر حتماً نوعاً من التعزيز الاصطناعي (رقاقات إلكترونية تُزرع في الدماغ لتعزيز قدرة المعالجة الدماغية، مستشعرات للرؤية... إلخ»، وهنا ستكون الحاجة طاغية لإعادة النظر في أطروحاتنا الفلسفية الخاصة بموضوعات الهوية «الفردية والجمعية»، والذاكرة، والوعي البشري، والسياسات الثقافية، والخصائص الجندرية. تمثّل هذه الأطروحات الثيمات الجوهرية التي يتناولها فلوريدي في كتبه المنشورة.

- معضلة «البيانات الضخمة»
«البيانات الضخمة (Big Data)» باتت الخصيصة الكبرى التي تسِمُ عصرنا، ومن المحتّم أن تتعاظم مفاعيل هذه البيانات «على مستوى الكمّ والتفاصيل النوعية الدقيقة» في العقود القليلة المقبلة، وإذا ما امتلك الكائن البشري القدرة التقنية على معالجة هذا الطوفان المعلوماتي «وهو أمرٌ يبدو محسوماً منذ الآن»، فسنكون أمام «سوبرمان» معلوماتي، وهنا سيكون الدور المؤثر للرؤية الفلسفية في كيفية صياغة فهم الكائن البشري وتوجيهه نحو الغايات الخيّرة ومنعه من الانزلاق في مهاوي التغوّل الرقمي، كما توفّر الذائقة الفلسفية غير الملوثة ترياقاً مضاداً للكائن البشري من الوقوع في لجّة العبودية الرقمية من جانب الحكومات أو الهياكل المؤسساتية العملاقة التي تحتكر النطاق المعلوماتي («غوغل» على سبيل المثال).

- وهمُ السيادة البشرية على النطاق المعلوماتي
من المتوقّع صعود تطبيقات الذكاء الصناعي في العقود القريبة المقبلة، ولم يعُد بعيداً ذلك اليوم الذي يوصفُ بـ«التفرّدية (Singularity)» حيث ستتفوّق الآلات الذكية على الكائن البشري من ناحية القدرة على معالجة الكمّ المعلوماتي الدفّاق والتعامل معه؛ وعليه سيكون أمراً حكيماً منذ الآن التخلي عن الغطرسة البشرية الممثلة في المركزية البشرية بالنسبة للنطاق المعلوماتي والتحلي بروح التواضع والقبول بأن نكون سلسلة في حلقة معلوماتية فحسب، وهذا وجه واحد من الأوجه الكثيرة التي سيؤثر فيها النطاق المعلوماتي المستحدث على الأخلاقيات البشرية.

- الثورة الرابعة: معضلات متشابكة
اختار البروفسور فلوريدي عنوان «الثورة الرابعة» لأحد آخر كتبه المنشورة، وقد قصد من هذه الثورة مستوى مفاهيمياً تكون فيه المعلومات «والتقنيات المتصلة بالصناعات المعلوماتية واقتصاد المعرفة» هي المادة المؤثرة والمحرّكة في هذه الثورة؛ أما الثورات الثلاث السابقة فهي: الكوبرنيكية، والداروينية، والفرويدية، وواضحٌ أنّ المؤلف قصد بهذا التقسيم المفاهيمي تأكيد حقيقة أنّ كلّ ثورة من تلك الثورات الأربع اعتمدت مفهوماً ثورياً جديداً للوجود مثّل باراديغماً (تبعاً لتوصيف فيلسوف العلم توماس كون) غير مسبوق في نظرة الكائن البشري للوجود والكون والحياة بعامة.
لا بد من الإشارة في هذا الشأن إلى أنّ هذا التصنيف المفاهيمي للثورات يتمايز جوهرياً عن الثورات التقنية التي تعتمد على الابتكارات التقنية المستجدة وسيلة في التصنيف؛ وعلى هذا الأساس تكون الثورة الأولى هي ثورة البخار ومثالها الأكبر هو القاطرة البخارية، والثورة الثالثة هي ثورة محرك الاحتراق الداخلي ومثالها السيارة، والثورة الثالثة هي ثورة التقنية المعلوماتية وصناعات المعرفة ومثالها الأعظم هو الكومبيوتر؛ أما الثورة الرابعة طبقاً لهذا التصنيف التقني المحض فهي ثورة الذكاء الصناعي والخوارزميات المتصلة به.
يورد فلوريدي في الفصل الأخير من كتابه هذا عبارة تكشف عن طبيعة المعضلات المشتبكة التي تنطوي عليها الثورة الرابعة التي بتنا نشهد طلائعها:
«...تخلق تقنيات المعلومات والاتصالات بيئة معلوماتية جديدة سوف تقضي فيها الأجيال القادمة معظم وقتها، وإذا كانت الثورات السابقة التي أحدثت الرخاء، لا سيما الزراعية والصناعية منها، قد أحدثت تحولات واسعة النطاق وواضحة للعيان في أنساقنا الاجتماعية والسياسية وبيئاتنا المعمارية، وفي كثير من الأحيان من غير تبصّر كافٍ، فكثيراً ما كانت تصاحبها آثار وتداعيات مفاهيمية وأخلاقية عميقة.
ليست ثورة المعلومات أقل دراماتيكية؛ سواء فُهمت على أنها ثورة ثالثة من حيث خلق الرخاء، أو ثورة رابعة من حيث إعادة صياغة مفهومنا عن أنفسنا، وسوف نكون في مأزق خطير إن لم نأخذ مأخذ الجد حقيقة أننا نخلق البيئات المادية والفكرية الجديدة التي ستستوطنها الأجيال القادمة...».

ثمّ يختتم الفصل بمادة شديدة الإمتاع عن «الحياة في الحيّز المعلوماتي»، نقرأ في خاتمتها العبارات التالية:
«...يبدو أن ثَمَّة شيئاً ما لا سبيل إلى نكرانه؛ ألا وهو أن الفجوة الرقمية ستصير هوة عميقة؛ هوة تولِّد أشكالاً جديدة من التمييز بين أولئك الذين يعيشون وسط الحيز المعلوماتي وأولئك الذين لن يتمكنوا من ذلك، بين المطَّلعين وغير المطَّلعين، بين من يتمتعون بالثراء المعلوماتي وبين من يفتقرون إليه. ستعيد هذه الهوة تشكيل خريطة المجتمع العالمي؛ وهو ما سيؤدي إلى توليد أو توسيع الانقسامات الجيلية، والجغرافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية...».
كتاب «الثورة الرابعة» مكتوب بلغة إنجليزية تقنية رشيقة عُرف بها البروفسور فلوريدي؛ فهو إلى جانب خبرته الواسعة في الجوانب التقنية لموضوعة المعلومات، فإنه ضليع في الجوانب الفلسفية لها؛ الأمر الذي يمنح كتابه هذا تعزيزاً فكرياً كبيراً ويجعله مادة مشاعة لطَيفٍ واسع من القرّاء على اختلاف مناشطهم العملية ونوازعهم الفكرية.
يُذكر أنّ كتاب «الثورة الرابعة» للبروفسور لوتشيانو فلوريدي صدر مترجماً عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية في سبتمبر (أيلول) 2017 بترجمة ممتازة للؤي عبد المجيد السيد، وحسناً فعلت السلسلة بترجمة هذا الكتاب المهمّ وهي المعروفة بترجماتها الممتازة واختياراتها الرصينة المنتقاة لنخبة الكتب المنشورة في العالم، وكم أتمنى أن يحظى هذا الكتاب بمقروئية واسعة في عالمنا العربي لأنه يمثل رؤية متفرّدة لفلسفة عصر الثورة الرابعة.

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
TT

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)
من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد مدد» الذي يبدو مثل هتاف روحي يستجلي العادات والتقاليد والقيم الأصيلة ويطلب منها العون.

ويعد الفنان حسن الشرق (1949 - 2022) من أبرز الأسماء المرتبطة بتجربة الفن الفطري في مصر. ذلك النوع من الفن الذي ينتجه فنانون لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً في الفنون، بل يطورون لغتهم البصرية انطلاقاً من خبرتهم الحياتية والبيئية التي ينتمون إليها، وفي هذا السياق اكتسبت أعمال الشرق خصوصيتها، إذ استطاع أن يحوّل مفردات الحياة اليومية في الريف المصري إلى عالم بصري غني بالرموز والدلالات.

موتيفات شعبية تقليدية تميز أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

يضم المعرض الذي يستضيفه غاليري «خان المغربي» بالقاهرة حتى 19 مارس (آذار) الحالي نحو 40 عملاً للفنان الراحل، تسري فيها روح البيئة الريفية وذاكرتها الشعبية، في حوار بصري مع منحوتات للفنان محمود سالم، واختارت صاحبة الغاليري سهير المغربي عنوان المعرض «مدد مدد» لما يحمله من صدى واضح في الفلكلور الشعبي، وارتباطه بالأجواء الروحية لشهر رمضان الكريم، وعن هذا العنوان تقول لـ«الشرق الأوسط»: «يتردد هذا النداء في حلقات الذكر والمواويل الشعبية بوصفه استدعاء للبركة والدعم الروحي، وهو ما يتناغم مع روح أعمال حسن الشرق التي تستلهم الخيال الشعبي بما يحمله من رموز وأساطير، يطوعها بأسلوبه الفطري الفريد».

أعمال حسن الشرق استلهمت الموروث الشعبي (غاليري خان المغربي)

تستقبل الزائر لوحات يغمرها اللون وتفيض بالحركة، أبطالها شخصيات بشرية وفرسان وطيور تتجاور داخل فضاء زخرفي كثيف، مرسومة بخطوط عفوية تمنح المشهد طاقة نابضة بالحياة، ففي أعمال الشرق تبدو الشخصيات والخيول والطيور وكأنها تتحاور في دينامية مرحة، داخل عالم بصري تتشابك فيه العناصر وتحيط بها موتيفات شعبية تمنحها طابعاً احتفالياً.

في إحدى اللوحات يظهر عازف مزمار يستقل مركباً صغيراً، بينما تتلألأ السماء خلفه بنجوم مزركشة الألوان، كأنها امتداد لعالمه الداخلي العفوي، وتغطي الخلفية زخارف دقيقة ونقاط متكررة، وفي لوحة أخرى تُحلّق شخصياته فوق الخيل، بينما تتوزع حولهم مفردات نباتية وطيور في فضاء جمالي مكثف.

وترى الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة إنجي عبد المنعم فهيم، أن تجربة حسن الشرق تمثل حالة استثنائية داخل هذا المسار، إذ تقدم رغم فطريتها صياغة بصرية عميقة لفلسفة البقاء والارتباط بالأرض والمخيال الشعبي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «عبقرية الشرق تكمن في قدرته على الحفاظ على دهشة الطفل، رغم نضجه الفني وتجربته العالمية إذ يرسم الأشياء كما تُدرك في الوجدان لا كما تُرى في الواقع العيني، محولاً المفردات اليومية إلى رموز وجدانية عابرة للزمن».

رقصة المولوية التقليدية ضمن الأعمال المعروضة (غاليري خان المغربي)

وتضيف: «في أعماله التي تُصوّر الفرسان، نجد فكرة القوة والتحام الكيان الإنساني بالحيواني في وحدة وجودية مطلقة، أما الإيقاع الوجودي في فن الشرق فيظهر بوضوح من خلال فلسفة ملء الفراغ حيث تغطي النقاط والزخارف المتكررة مساحات اللوحة، معبرةً عن استمرارية الزمن وتداخل الكائنات، فسر استمرار تجربة حسن الشرق وتأثيرها حتى اليوم يكمن في أصالتها التي تقاوم المحو، ففي عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي يظل فنه يمثل نوعاً من الصدق البشري الخالص، إذ استطاع مخاطبة العالم بلغة بصرية مصرية صميمة صهرت داخلها مواريث الفن المصري القديم والقبطي والإسلامي».

الهدهد يجاور أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

ويتداخل مع لوحات المعرض عدد من المنحوتات للفنان محمود سالم، الذي ترى سهير المغربي أن تجربته تتناغم مع روح المعرض، وتوضح أن سالم «يعمل بروح فطرية في النحت، ويشتغل على ثيمات مصرية خالصة، مستخدماً تقنيات النحت التقليدي بالإزميل، حيث تظهر في أعماله طيور مثل أبو قردان والهدهد، وغيرها من الكائنات المرتبطة بالطبيعة المصرية والتراث الشعبي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
TT

الإعلان عن مسلسل «مصطفى محمود» يخطف الاهتمام في مصر

خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)
خالد النبوي (حسابه على فيسبوك)

بعد أكثر من 15 عاماً على طرح فكرة تقديم عمل درامي يتناول سيرة العالم الراحل الدكتور مصطفى محمود (1921 - 2009)، أعيد طرحها ولكن برؤية تتضمن عرضه في رمضان 2027 على أن يقوم الكاتب محمد هشام عبية بكتابة العمل وتخرجه كاملة أبو ذكري.

وتصدر العمل الذي يعد أول مشروع درامي يعلن تقديمه في رمضان المقبل الاهتمام في مصر، لكثرة العثرات التي واجهتها الفكرة من قبل، بالإضافة لطبيعة أعمال السيرة الذاتية التي عادة ما تكون محل ردود فعل متباينة وترقب لما سيتم تقديمه على الشاشة.

المسلسل الذي تقوم المنتجة مها سليم عبر شركتها بتنفيذه من إنتاج «الشركة المتحدة» و«سعدي - جوهر» حصل صناعه على موافقات رسمية بتوقيعات من ورثة العالم الراحل وهما ابناه أدهم وأمل لتقديم العمل درامياً، مع إنهاء أي تعاقدات سابقة وفق بيان صدر عن المنتجة المصرية.

وأكدت المنتجة أن ورثة الراحل انتهى تعاقدهم الذي يعود لعام 2012 مع المنتج أحمد عبد العاطي، الذي كان يمنحه حق تنفيذ العمل خلال 5 سنوات، لافتة إلى أن الورثة بدأوا منذ عام 2018 توجيه إنذارات عبر المحكمة تفيد بانتهاء جميع الصلاحيات القانونية لأي طرف سابق، مع توجيه إنذار أخير في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت أن شركتها «فورايفر دراما» حصلت على حقوق العمل من الورثة بالفعل قبل الإعلان عن المشروع، مؤكدة اعتزامهم إصدار بيان توضيحي خلال الأيام المقبلة لتوضيح الحقائق حول المشروع وتفاصيله.

ومن المقرر أن يقدم الفنان خالد النبوي شخصية مصطفى محمود، وقد أشارت إليه منتجة المسلسل في المقطع الدعائي الذي نشرته، وكان النبوي هو بطل المشروع السابق للمسلسل.

من المقطع الترويجي للعمل (يوتيوب)

وقال الناقد خالد محمود إن شخصية «مصطفى محمود» ثرية جداً، وتستحق أن تتحول إلى عمل درامي، لما تحمله من قيمة يمكن أن تقدم نموذجاً مهماً للأجيال الجديدة، لكن التحدي لا يكمن فقط في تقديم القصة، بل في كيفية صياغتها درامياً، بحيث توضح كيف وصل إلى هذه المرحلة وما طبيعة تكوينه، خصوصاً أنها شخصية تجمع بين أنشطة وتجارب متعددة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الشخصيات تغري كثيراً من المؤلفين، لكن الأهم أن يُكتب العمل بطريقة قادرة على جذب الجمهور وتحقيق تفاعل معه، لا سيما وأن أعمال السيرة الذاتية غالباً ما تواجه ردود فعل متباينة، وهو ما يتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة».

وأوضح أن «اختيار البطل عنصر أساسي في نجاح العمل، وخالد النبوي ممثل ذكي ومتحمس لتجسيد الشخصية منذ فترة، وهو أمر إيجابي، لكن الأهم أن يمتلك القدرة على نقل كل المشاعر والتفاصيل الإنسانية الخاصة بالشخصية إلى الجمهور، لأن هذا النوع من الأعمال يعتمد على صدق الأداء وقدرته على التأثير».

شخصية مصطفى محمود ضمن تناول الدراما (إكس)

وأثير جدل «سوشيالي» حول فريق عمل مشروع المسلسل السابق، وعدم الاستعانة بهم في العمل الجديد، الأمر الذي أرجعه الناقد أحمد سعد الدين إلى وجود صور نشرت بالفعل من تحضيرات وتجهيزات للعمل السابق، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «شخصية مصطفى محمود من الشخصيات التي تستحق بالفعل تقديمها درامياً وبأكثر من زاوية للمعالجة».

وأضاف أن ارتباط اسم مصطفى محمود ببرنامج «العلم والإيمان»، الذي يُعد من أنجح البرامج في تاريخ التلفزيون، يضاعف من حجم التوقعات والاهتمام بالعمل، عادّاً أن الإعلان المبكر عن المسلسل قد يسهم في استمرار الجدل لفترة أطول، خصوصاً في ظل عدم بدء التصوير حتى الآن أو الكشف الكامل عن فريق العمل.


مصر لترميم مسجد محمد علي بالقلعة ومقبرته وقصر الجوهرة

قلعة صلاح الدين تضم كثيراً من الآثار(وزارة السياحة والآثار)
قلعة صلاح الدين تضم كثيراً من الآثار(وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لترميم مسجد محمد علي بالقلعة ومقبرته وقصر الجوهرة

قلعة صلاح الدين تضم كثيراً من الآثار(وزارة السياحة والآثار)
قلعة صلاح الدين تضم كثيراً من الآثار(وزارة السياحة والآثار)

تتواصل أعمال الترميم في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة التاريخية، وتابع الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، الدكتور هشام الليثي، أعمال الترميم في مواقع عدة بالقلعة من بينها مسجد محمد علي وقصر الجوهرة للوقوف على نسب الإنجاز فيها.

ومن بين الآثار الموجودة بالقلعة، جامع محمد علي، الذي يخضع لمشروع الترميم الدقيق لزخارف القباب بصحن المسجد، ووجه الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، خلال جولته في القلعة بضرورة الإسراع في ترميم المنبر الخشبي الأثري للمسجد إلى جانب بدء أعمال ترميم المظلة الخشبية لفسقية الوضوء بالصحن، ورفع كفاءة برج الساعة الدقاقة المهداة من لويس فيليب الأول إلى محمد علي باشا. وفق بيان أصدرته وزارة السياحة والآثار، الثلاثاء.

متابعة أعمال الترميم في مسجد محمد علي بالقلعة (وزارة السياحة والآثار)

وتفقد الليثي مقبرة محمد علي باشا، حيث يتم تنفيذ أعمال ترميم الكسوة الحريرية التي تغطي الجدران، إلى جانب صيانة جميع القطع النسيجية داخل المقبرة، بالتنسيق مع الإدارة المركزية للترميم الدقيق.

وخلال الجولة تابع أعمال ترميم قصر الجوهرة، حيث تم استعراض نسب الإنجاز التي شملت الانتهاء من الدراسات التاريخية والتوثيقية للأثر، وتغليف المقتنيات الأثرية الثابتة والمنقولة، بالإضافة إلى تنفيذ أعمال الرصد المساحي والميزانية الشبكية وتركيب شيتات الرصد، وكذلك أعمال تقوية وتثبيت العناصر المعمارية، وحقن الشروخ والقشور، وعزل الجداريات المزخرفة، مع إعداد التقارير الإنشائية الخاصة بالفراغات الداخلية لمعالجة الحوائط والأرضيات والأسقف. ويجري حالياً تنفيذ أعمال العزل ببعض الأسطح.

وزار الأمين العام أيضاً مسجد سليمان باشا الخادم، والمدافن الملحقة به التي تضم مجموعة متميزة من شواهد القبور العثمانية، فضلاً عن تفقد منطقة محكى القلعة والحديقة المتحفية.

وكذلك جامع الناصر محمد بن قلاوون، حيث تابع أعمال تنظيف الأعمدة الرخامية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية المحددة للانتهاء من جميع مشروعات الترميم الجارية بالمنطقة.

جامع محمد علي بالقلعة (وزارة السياحة والآثار)

ويصف الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، جامع محمد علي وآثار القلعة عموماً بأنها «من أهم الآثار الإسلامية الموجودة في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المهم جداً الإسراع في إنجاز مشروعات الترميم لهذه الآثار، خصوصاً مسجد الناصر محمد بن قلاوون ومسجد محمد علي؛ لما يمثلانه من قيمة تاريخية وأثرية كبيرة».

وأنشئ جامع محمد علي بالقلعة بين عامي 1830 إلى 1848 سنة وفاة محمد علي باشا واستكمل خلفاؤه بناءه بعد رحيله، ويوجد قبره بالمسجد نفسه، ويعرف أيضاً بمسجد الألبستر أو مسجد المرمر لكثرة استخدامهما في كسوة جدرانه، وهو من المساجد الأثريّة الشهيرة بالقاهرة، ومبني على الطراز العثماني على غرار جامع السلطان أحمد بإسطنبول.

وتضم القلعة التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي عام 1176 ميلادية، وتعد من أفخم القلاع الحربية الإسلامية في العالم، وفق ريحان، كثيراً من الآثار والمواقع، من بينها 3 مساجد هي جامع محمد علي وجامع الناصر محمد وجامع سارية الجبل، و4 متاحف هي المتحف الحربي ومتحف الشرطة ومتحف المركبات الملكية ومتحف قصر الجوهرة، و4 قصور هي قصر الجوهرة وقصر الحرم وقصر الأبلق وقصر سراي العدل.

وعن ترميم مسجد محمد علي يقول عضو لجنة التاريخ والآثار إن «أضخم عملية ترميم للمسجد تمت في عهد الملك فؤاد الأول الذي أمر بإعادة المسجد إلى رونقه القديم بعد أن أصابت جدرانه التشققات بفعل خلل هندسي، كما اهتم ابنه فاروق من بعده بالمسجد وافتتحه للصلاة من جديد بعد إتمام عملية ترميمه».

ويشير إلى أن متحف قصر الجوهرة الذي شيد عام 1814 يضم ثريا تزن 1000 كيلوغرام، أهداها ملك فرنسا «لويس فيليب الأول» لمحمد علي باشا، وكذلك كرسي عرش محمد علي الذي أهداه له ملك إيطاليا، وهو قصر للضيافة في منطقة القلعة يضم مقتنيات خاصة بمحمد علي باشا والهدايا التي تم إهداؤها لأسرة محمد علي حتى عهد الملك فاروق.