مرشحة لرئاسة أميركا تستعين بالشعر في حملتها الانتخابية

بعدما أصبح الخطاب السياسي كئيباً ومشوهاً

مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس
مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس
TT

مرشحة لرئاسة أميركا تستعين بالشعر في حملتها الانتخابية

مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس
مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس

السيناتور إليزابيث وارين، المرشحة اختارت شاعرة مديرة لحملتها الانتخابية - هل هي فكرة جيدة؟ ربما، بعدما أصبح الخطاب السياسي كئيباً يبعث على السأم. في يونيو (حزيران)، أصبحت كامون فيليكس مديرة لشؤون الاتصالات الاستراتيجية لدى الحملة الرئاسية الخاصة بالسيناتور إليزابيث وارين. وقد أصدرت فيليكس مجموعة شعرية بعنوان «اصنع لنفسك قارباً»، التي جرى ترشيحها قبل وقت قريب لجائزة الكتاب الوطني. وتدور كتابات فيليكس حول انعكاسات التحرش الجنسي على حياة النساء النفسية والاجتماعية، والعنف الذي تمارسه الشرطة، بما في ذلك قصائد حول محاكمة جورج زيمرمان، الرجل الذي أطلق النار على تريفون مارتن.
والآن، هل ينبغي لنا الشعور بالدهشة لوجود مثل هذه الصلة بين أعلى مستويات عالمنا السياسي وأرقى مستويات عالمنا الشعري؟ لا أعتقد ذلك - وإنما يتعين علينا الاستعداد لمعاينة المزيد من هذه الصلات؛ لأنها تبدو قادمة في الأفق ونحن في حاجة إليها بالفعل، وبشدة. وفي الحقيقة، يبدو الخطاب السياسي هذه الأيام مشوهاً للغاية، في ظل التغييرات التي أدخلها الرئيس ترمب ومعاونوه على لغتنا باتجاه الأسوأ، وإعادة تسمية القوميين البيض بـ«اليمين البديل» ووصف الصحافة بـ«الأخبار الزائفة».
وتبقى هناك مشكلة قائمة منذ أمد بعيد في التعبيرات الباهتة (مثل «الشعب الأميركي») التي يجري تكرارها على الصعيد السياسي ببلادنا. ونتاجاً لكل ذلك أصبح الوضع العام اليوم أشبه بهواء محبوس داخل غرفة أغلقت نوافذها بإحكام. ونقف اليوم في مواجهة إخفاقات كثيرة للغاية، بما في ذلك حتى اللغة التي نتواصل من خلالها والسبل التي يمكن لمن هم في السلطة استغلال وإساءة استغلال اللغة من خلالها.
اليوم، تعمل فيليكس وشعراء آخرون على مزج السياسة والحياة العامة والشعر بهدف خلق أعمال تتجاوز حدود اللغة التقليدية وتتحاشى العبارات التي فقدت معناها جراء الاستخدام المفرط. وقد جعلها ذلك مناسبة للعمل مع السيناتور وارين، التي اعتمدت في سيرتها الذاتية التي نشرتها عام 2014 على لغة شعرية وعمدت إلى استخدام تكنيكات لغوية لخلق لحن خفي بين السطور.
في الشهور الأخيرة، أصبحت السيناتور وارين أكثر قدرة على السرد. على سبيل المثال، خلال مؤتمر جماهيري الشهر الماضي، قصت أحداث حريق مصنع «تريانغل للقمصان» بتفاصيل ثرية على النحو التالي: «كان التاريخ 25 مارس (آذار) 1911، وكان يوم سبت. وفي نحو الرابعة و45 دقيقة عصراً، بدأ الناس الذين كانوا يسيرون داخل هذا المتنزه يرفعون رؤوسهم نحو الأعلى ورأوا ألسنة الدخان تتصاعد باتجاه السماء». ورغم استمرار تمسكها بالمهنية، تميل خطابات الحملة الرئاسية لوارين على نحو متزايد باتجاه الشعر.
جدير بالذكر، أن هذه الاستراتيجية سبق وأن أتت بنتائج جيدة لصالح باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية عام 2008 ـ ذلك أن الخطابات المؤثرة التي ألقى بها في تلك الفترة غالباً بالشعر، خاصة في ظل إشاراته المتكررة إلى العبارات البليغة لعدد من الخطباء والنشطاء المشاهير، مثل الدكتور مارتن لوثر كينغ ورينهولد نيبوهر. تجدر الإشارة هنا إلى أن أوباما كانت له محاولات شعرية خلال فترة دراسته الجامعية، وكان يبدي دعماً كبيراً للشعراء. وفي خطابه الشهير بعنوان «نحو اتحاد أكثر مثالية» حول التوترات العنصرية، كرر أوباما مراراً «هذا الغضب» للتوكيد:
«هذا الغضب قد لا يجري التعبير عنه علانية، أمام الزملاء أو الأصدقاء البيض». «بعض الأحيان، يجري استغلال هذا الغضب من جانب سياسيين؛ بهدف الفوز بمزيد من الأصوات تبعاً لتقسيمات عنصرية، أو تعويض نقاط قصور لدى السياسي نفسه». «هذا الغضب ليس دوماً مثمراً. في الواقع، في الكثير للغاية من الحالات يشتت الانتباه بعيداً عن حل مشكلات حقيقية».
بوجه عام، هناك بالفعل جمهور عريض للخطب الشعرية، فيما يخص القضايا الاجتماعية. على سبيل المثال، جذب فيديو الكاتبة النسوية ليلي ميرز وهي تلقي قصيدة «نساء منكمشات» أكثر عن 5.8 مليون مشاهدة عبر «يوتيوب». أيضاً، يحظى الشاعر الذي يصف نفسه بالنسوي روبين هولمز، والذي ينشر قصائده تحت اسم مستعار «آر إتش سين»، بمتابعة مليون شخص. وأشارت صحيفة «ذي نيويورك تايمز» إلى مجموعته الشعرية الأخيرة باعتبارها الكتاب الأكثر مبيعاً.
وحقق شعراء آخرون النجاح من خلال قراءات مؤثرة للغاية لنصوص سياسية عبر «يوتيوب». ويمكن القول بوجه عام بأن قراء الشعر في تزايد، فتبعاً لما كشفته دراسة مسحية أجرتها مؤسسة «ناشونال إنداومنت فور ذي آرتس»، قرأ نحو 12 في المائة من الأميركيين البالغين أعمالاً شعرية خلال عام 2017.
وفيما يخصني، أكتب الآن قصائد ذات نبرة سياسية، وأطلقت مبادرة لدعم الشعر الوثائقي، بمعنى الشعر المتداول عبر المقابلات أو التاريخ الشفهي - أعتقد أن المزج بين الشعر والسياسة يتجاوز كونه مجرد أمر يجري من باب التسلية أو كتجربة مثيرة جديدة، وإنما يبدو هذا الخطاب السياسي - الشعري حيوياً للغاية للمرء في مواجهة القصص الكثيرة حول مسائل مثل الغش والاحتيال في أوكرانيا، أو الصعود المستمر للقوميين البيض.
كما أن هناك شعوراً بالإرهاق والسأم يسيطر على القراء لدى مطالعتهم على نحو متكرر قصص حول معسكرات المشردين الكثيرة التي تعج بها كاليفورنيا حالياً، في وقت يشعرون بأنه لم يعد بمقدورهم القراءة أو التصويت بعد تعرضهم لسيل عارم من مثل هذه الأنباء المؤلمة. وهنا، فإن ما يمكن للشعر إنجازه جعل بعض هذه الظواهر حية وذات لمسة شخصية على نحو لم نألفه.
وإذا لم تعد اللغة التي نسمعها عبر نشرات الأخبار التلفزيونية تستفزنا لفعل أي شيء أكثر عن مجرد كتابة تغريدة نعبر خلالها عن صدمتنا، فإن الشعر يعبر عن شيء جديد (أو شيء قديم بأسلوب جديد)، وهذا قد يحفزنا نحو اتخاذ تحركات فعلية على أرض الواقع. إن الشعر باستطاعته محاربة العبارات النمطية والأفكار السائدة.
من ناحية أخرى، يعتبر الشعر الحر الذي يجري في إطاره التعتيم على بعض الكلمات بينما تشكل الكلمات المتبقية القصيدة، نمطاً فنياً متنامياً. وربما تدور مثل هذه الأعمال الشعرية حول جنود في العراق أو أفغانستان أو سجن أبو غريب، مثل بعض أعمال نيك فلين، في الوقت الذي تألف قصائد حرة أخرى باستخدام تقرير مولر.
في هذا الصدد، يمكننا الإشارة إلى «أوليو»، من تأليف تيمبا جيس، الذي كتب عن رجال وسيدات من أصحاب البشرة الداكنة عملوا شعراء منشدين، وكذلك وكتاب مارك نواك الشعري المعنون «كول ماونتن إليمينتري»، بجانب أعمال إريكا ميتنر ومارثا كولينز وآخرين. ومثلما أوضح المؤرخ فيليب متريز، فإن مؤلف هذا النمط من الكتابات يضطلع بدور مختلف يتمثل في دور «المؤرخ والمحقق والفيلسوف والمحرر البديل».
أعتقد هذا النمط من الشعر المدني، حسب رأيي، له تاريخ ـ وقد ربط الشاعر بيرسي بيش شيلي الذي عاش في القرن الـ19 بين الاثنين عندما وصف الشعراء بأنهم «مشرعو العالم غير المعترف بهم».
في ثلاثينات القرن الماضي، رسم موريل روكيسير صورة الرجال العاملين في مناجم ويست فيرجينيا الذين «يصبّون الخرسانة وقواعد الأعمدة، ويعرون الصخر، ويقيمون خلايا الصلب». وفي السنوات الأحدث، ظهر كتاب «مواطن: أغنية أميركية» من تأليف كلوديا رانكين، الذي حقق شهرة واسعة وتضمن قصائد نثرية مروعة حول اعتداءات عنصرية. وتشير الشعبية والمبيعات الكبيرة التي حققها الكتاب، إلى النطاق الواسع الذي يمكن أن يصل إليه المرء من خلال كتابة الشعر السياسي.
أما فيما يخص فيليكس، فإن أشعارها تتميز بطابع مباشر وفج عاطفياً. على سبيل المثال، في قصيدة حول الاعتداء الجنسي، تقول: «هل مسموح لي بتجاهل الشكل. هل مسموح لي بدلاً عن ذلك أن أعلن أنه اغتصبني». وفي القصيدة ذاتها، تقول: «إنني كنت صغيرة ورائعة، شبيهة بفاكهة أو شيء آخر يأخذ من الشمس ويتمدد».
وبالنظر إلى ما وصلت إليه فيليكس، تراودني آمال عريضة بخصوص ما يمكن للشعر تحقيقه إذا ما اندمج بدرجة أكبر في المشهد السياسي الأميركي. وهذه الأيام على وجه الخصوص، نحن في حاجة ماسة إلى ذلك.
- خدمة «نيويورك تايمز»



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.