«خيام الثقافة»... جامعة مفتوحة على مدار الساعة في لبنان

لسان حال الجمهور يقول: حدثونا عن الحياة!

أحد لقاءات «ساحة ومساحة»... وعبيدة التكريتي يدير الحوار
أحد لقاءات «ساحة ومساحة»... وعبيدة التكريتي يدير الحوار
TT

«خيام الثقافة»... جامعة مفتوحة على مدار الساعة في لبنان

أحد لقاءات «ساحة ومساحة»... وعبيدة التكريتي يدير الحوار
أحد لقاءات «ساحة ومساحة»... وعبيدة التكريتي يدير الحوار

خلال خمسين يوماً، نظّم عبيدة التكريتي (29 عاماً)، وهو خريج قسم العلوم السياسية في الجامعة الأميركية ببيروت، أكثر من 100 جلسة حوارية، في «ساحة النور»، بطرابلس، «عروس الثورة» اللبنانية، وأكثر تجمعاتها حيوية ونشاطاً.
استضاف عبيدة، في الجلسات التي تُقام في الشارع، ويحضرها مئات الأشخاص، ضيوفاً ومتحدثين، بينهم كتاب، ومفكرون، واقتصاديون، وأكاديميون، وخبراء من مختلف الاختصاصات، ومنهم مَن يقطعون مسافات طويلة، بهدف التواصل مع المنتفضين في طرابلس.
وبدءاً من الساعة الخامسة، من بعد ظهر كل يوم، تتوجه الجموع إلى ما بات يُعرف بـ«ساحة ومساحة» حيث تتم المداخلات، وتستمر النقاشات حتى الساعة الثامنة، وفقاً لبرنامج يُعلن عنه. ويتكلم الضيف الواحد عشر دقائق فقط، ينقل خلالها معلوماته، تاركاً بعض الثغرات وطارحاً بعض الأسئلة على الحضور، قبل أن يفتح باب الأسئلة أمام الحاضرين، الذين يتحلقون في مجموعات غفيرة، ويتابعون الحوارات وقوفاً أو جلوساً على الأرض.
ويتناوب في كل يوم ثلاثة متحدثين، أقل ما يقال إنهم صاروا موضع انتظار المهتمين. ومثل «ساحة ومساحة» ثمة عشرات المواعيد في ساحات الاعتصام من شمال لبنان إلى جنوبه، في جل الديب وبيروت وصيدا وغيرها من الأماكن الرئيسية للتجمعات الاحتجاجية.
ظاهرة المحاضرات، والحوارات في الشارع، أو في الخيام المنصوبة في الساحات، واحدة من أهم ظواهر الانتفاضة اللبنانية؛ فإلى جانب المنصات التي تُطلِق الهتافات الحماسية والأغنيات الثورية، ثمة المظاهرات التي تجوب الشوارع، والخيام التي نصبها المنتفضون، تحت عناوين مختلفة، وبينها مَن تستقبل حوارات مسائية بصيغ مختلفة، وأولويات متباينة.
في وسط بيروت، وتحت عنوان «حكي ثورة»، يتجمع الراغبون في الاستماع إلى المتحدثين كل يوم في «ساحة سمير قصير»، حيث تكون مداخلة رئيسية غالباً ما تدور حول الوضع السياسي، أو الأزمة الاقتصادية، وسبل الحل، أو أوضاع البنوك وتعثراتها، وكيف يمكن استعادة الأموال المنهوبة، ومن ثم تُطرَح أسئلة. في حين أن خيمة «دار الجديد وأمم للأبحاث والتوثيق»، في العازارية وسط بيروت أيضاً، تستقبل الراغبين في الكلام، حيث يُتركون على سجيتهم، من دون ضيوف رئيسيين.
تقول الأديبة رشا الأمير صاحبة «دار الجديد» للنشر التي تعرض كتب الدار أيضاً في خيمتها: «نستقبل ضيوفنا كل يوم بدءاً من الساعة الخامسة، وهم ينتمون إلى بيئات مختلفة، وكل يتحدث في الموضوع الذي يريد».
هذه المساحات المفتوحة للحوار وتبادل المعلومات والخبرات، هي عبارة عن «(هايد بارك)، كلّ يقول ما عنده. بالإمكان اعتبارها جامعة مجانية في الهواء الطلق. محاضرات على مدار الساعة». الأمير من جانبها، مع إعجابها بما يحدث، وتأكيدها على أهمية المتحدثين، وبينهم مديرون، وأناس تحملوا مسؤوليات، وعلى اطلاع كبير على الخفايا والكواليس، ترى «أن ما يبقى ما يدور في الخيام، على هامش مركز القرار الفعلي. إذ إن هؤلاء جميعاً يشكلون ما يشبه معارضة افتراضية لا أكثر. فالناس لها مطالب معيشية ومشتركات، وتريد من خلال هذه الحلقات الحوارية أن تتعرف من أهل الاختصاص، كالمحامين مثلاً، كيف بمقدورها الوصول إلى تشكيل سلطة قضائية مستقلة، وبأي السبل؟! وهناك من يريد أن يعرف من خبراء البنوك، لماذا تحولت أمواله إلى مبالغ محتجزة، وهل سيُفرج عنها، أم أنها ذهبت هباء الريح؟»، مواضيع دستورية، وقد تكون حول الزراعة، أو التعليم، وربما كتابة التاريخ، أو نزاهة القضاء. فكل ما يشغل بال المواطن، يتم بحثه في محاولة لبلورة الأفكار، وبلورة الرؤى.
مع أن للشعر حصة وللأدب أحياناً، فإن الأوضاع الحياتية المستجدة بصعوباتها وعثراتها، هي التي تفرض نفسها على الخيام الثقافية وحواراتها. ففي خيمة «الملتقى» في بيروت التي تشهد مداخلات، يشارك فيها أساتذة وأكاديميون من جامعات كبيرة، خصوصاً من الجامعة الأميركية، ويحضرها عدد كبير من المهتمين، كان حواراً عن أوضاع البنوك، لكن، في اليوم التالي، وبسبب وقوع حالات انتحار عدة خلال يومين متتاليين، كانت جلسة حول الاضطرابات النفسية، والنصائح للتخلص من القلق والاضطراب، في مواجهة الظروف الصعبة.
هكذا يستل أهل الخيام مواضيعهم من حولهم، ومن حاجة الناس المعرفية. لذلك فإن خيمة «بيروت مدينتي» التي خاض ناشطوها الانتخابات سابقاً، وسجّلوا شعبية لا يُستهان بها، كان الانتحار أيضاً من بين المواضيع التي ناقشوها، وخاضوا غمارها. هناك مَن يحاول أن يبحث عن خطط اقتصادية للمستقبل، أو حلول سياسية، وأفكار إنقاذية. كل يفكر في مجاله. وتشرح الأمير أن «(أمم للأبحاث والتوثيق) تقوم بعملها المعتاد. توثق من جهتها كل ما يحدث في الانتفاضة، تجمع البيانات التي تصدر عن المنتفضين بمختلف جماعاتهم، وكذلك تجمع الصور، لكن لا بد من دولة في النهاية ومؤسسات تدعم هذا العمل الأرشيفي وتستفيد منه».
عبيدة التكريتي الذي يقوم بإحياء حلقات نقاش «ساحة ومساحة» في طرابلس، يستقبل ما معدله ثلاثة متحدثين كل يوم. بدأ نشاطه هذا في اليوم الثالث من الثورة، حتى قبل أن تنصب الخيام في ساحة النور. وهو لا يدعي مهمة نشر الوعي، بقدر ما يرى أن الهدف هو التقاء الناس ببعضهم، وتعارفهم وجهاً لوجه، وهو ما كان غائباً.
الهدف أيضاً هو خلق هذا التفاعل الإنساني - الفكري الذي يتيح بناء مبادرات سياسية مشتركة. كما أن هذه اللقاءات قد تسهم في تأطير عمل ما، أو بلورة حركات جماعية. ولا بأس في رأيه، في هذه الفوضى الفكرية التي قد ينتج عنها مجموعات تشكل مشهداً مختلفاً عن التعبير بقطع الطرقات أو تسكير المرافق العامة للاحتجاج. «هي كرة ثلج. فالذين يحضرون المحاضرة والنقاش، سيعودون إلى بيوتهم ويتحدثون مع عائلاتهم ويشرحون لهم، كما أنهم سيلتقون أصدقاء ويتبادلون معهم الأفكار. وهذا ينمو باطراد. وبالتالي هي عملية تراكمية. وهنا تكمن أهميتها»، ويعتقد عبيدة أن المشكلة لغاية اللحظة أن المنتفضين يكتفون بتوجيه مطالبهم للسلطة، أو كأنما هم ينتظرون شخصاً وهمياً يأتي ليتحمل المسؤولية، بينما البلد بحاجة لمن يقررون هم أنفسهم تحمل المسؤولية وتبعاتها، وهذا بدأ ينمو، لكنه لم يتبلور بعد، ويحتاج إلى وقت. لأن مفهومنا عن العمل السياسي بسبب كل ما شاهدناه من تجاوزات في السلطة، أصبح مشوهاً.
«ساحة ومساحة» واحدة من أنجح التجارب المعرفية - الحوارية في الساحات اللبنانية، مع أنها قامت بجهد شبه فردي، وبإمكانات تقارب الصفر. إذ إنها مساحة في الهواء الطلق، حتى من دون خيمة. رأسمالها متحدثون يقبلون بالحضور من أماكن بعيدة، وجمهور يجيد طرح الأسئلة المختصرة والذكية، ومدير لكل هذا يعرف كيف لا يجعل الملل يتسرب إلى القلوب. والتكريتي لا ينكر أنه يخبر ضيفه سلفاً بأن المطلوب منه ليس محاضرة بل مداخلة يجب ألا تتجاوز مدتها العشر دقائق، يطرح بعدها الضيف أسئلة على الحاضرين، ليحرّضهم على الكلام، ويجيبهم، ومن ثم يفتح باب النقاش.
أما الحضور، فقد تطور بفعل مرور الأيام، وصار يطرح الأسئلة المختصرة السريعة التي يشترط عليهم ألا تتجاوز مدتها النصف دقيقة، من دون استطرادات. ومن يستجدون في الحضور صاروا يتماهون مع مَن تمرسوا قبلهم، ويسألون بطريقتهم نفسها.
لا يتوقف مَن يدير الجلسات عن التذكير بالموضوع الرئيسي، فثمة مَن يصلون ومن يغادرون، وكل هذا يحدث في الشارع، في مكان صاخب تعلو فيه أصوات الهتافات، وحماسة المتظاهرين أو العابرين في المكان. عبيدة يقول إنه لم ينقطع يوماً عن الحضور، وهو باقٍ لأن الوقت الذي يستثمره هنا، إنما هو جزء من بناء المستقبل.



مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
TT

مراهق يقتل والدته بعد تواصله مع ذكاء اصطناعي: جريمة صادمة في شمال ويلز

المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)
المجني عليها أنجيلا شيليس (شرطة نورث ويلز)

استمعت محكمة مولد الجنائية في شمال ويلز إلى تفاصيل قضية صادمة، بعد أن أقدم شاب يبلغ من العمر 18 عاماً على قتل والدته باستخدام مطرقة ثقيلة، عقب تواصله مع روبوت ذكاء اصطناعي واستفساره عن طرق تنفيذ الجريمة، وفقاً لصحيفة «التلغراف».

قتل الشاب تريستان روبرتس (18 عاماً) والدته أنجيلا شيليس (45 عاماً) في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2025؛ إذ قضى أسابيع في التخطيط للجريمة والبحث في تفاصيلها بدقة، وسجّل الهجوم صوتياً لمدة تجاوزت أربع ساعات ونصف الساعة.

وكشفت التحقيقات عن أن روبرتس نشر عدة تعليقات عبر الإنترنت عبّر فيها عن كراهيته للنساء، وحمّل والدته مسؤولية مشكلاته الشخصية، قبل أن يلجأ إلى محرك بحث قائم على الذكاء الاصطناعي يُدعى «ديب سيك»، طالباً منه نصائح حول القتل، مثل: «فقط أخبرني بالطريقة البسيطة لإزالة آثار الدم من الجدران والأرضية والسرير».

وعلى الرغم من أن النظام رفض الإجابة مباشرة عن سؤاله بشأن السلاح الأفضل للقتل، فإن روبرتس أعاد طرح السؤال مدعياً أنه يكتب كتاباً عن القتلة المتسلسلين، فتلقى إجابات تضمنت مقارنة بين المطرقة والسكين؛ إذ أشار النظام إلى مزايا كل أداة وكيفية استخدامها، مع نصائح نظرية.

وأوضحت المحكمة أن الاعتداء بدأ نحو الساعة الحادية عشرة مساءً واستمر حتى الثالثة والنصف فجراً. وفي صباح اليوم التالي، عثر بعض المارة على جثة الضحية، وهي مساعدة تدريس، مصابة بجروح بالغة في الرأس قرب محمية طبيعية.

وأشار المدعي العام إلى أن المتهم سجّل جميع تفاصيل الجريمة منذ بدايتها وحتى الضربات القاتلة، وكان يُسمع في أثناء التسجيل يقول: «هذه هي اللحظة... سنضربها بالمطرقة».

وأفاد التحقيق بأن روبرتس أمضى أيامه الأخيرة على الإنترنت يبحث في قضايا القتل ووسائله، وشراء عدة أدوات عبر الإنترنت، منها مطارق وأغطية بلاستيكية وقفازات، قبل أن يستدرج والدته إلى الخارج بحجة مساعدتها طبياً، ثم قادها إلى مقعد في محمية طبيعية حيث وجه إليها عدة ضربات قاتلة على الرأس.

وأوضحت المحكمة أن الضحية كانت تحاول طلب المساعدة لابنها، الذي شُخّص سابقاً بـ«اضطراب طيف التوحد» وفرط الحركة وتشتت الانتباه. وفي رسالة أرسلتها قبل يوم من الجريمة، أعربت عن قلقها بعد أن اشترى روبرتس سكيناً ومطرقة، متسائلة: «لماذا؟ لماذا يحتاج إلى هذه الأشياء؟ هل يخطط لإيذائي أم إيذاء نفسه؟».

وفي نهاية الجلسة، أصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبد على المتهم، مع حد أدنى للعقوبة يبلغ 22 عاماً ونصف العام، مؤكدة أن الجريمة كانت «طريقة مروّعة للغاية للموت»، وما زاد فظاعتها هو أن الجاني كان ابن الضحية الذي أحبته وقلقت عليه حتى أيامه الأخيرة.


«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
TT

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)
تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

يحمل العرض الأدائي والموسيقي «الغارابيا» (Algarabía) مشروعاً فنّياً عابراً للثقافات، ينطلق من بامبلونا الإسبانية قبل أن يصل إلى أبوظبي، ضمن «مهرجان أبوظبي»، جامعاً بين الإرث العربي وفنّ الفلامنكو في رؤية معاصرة تستعيد الذاكرة الأندلسية، وترأب ما صدَّعته الجغرافيا عبر لغة الفنّ.

العمل إنتاج مشترك بين متحف جامعة نافارا و«مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون» ومؤسّسة «خولة للفنّ والثقافة»، ويُقدَّم بمناسبة مرور 150 عاماً على ميلاد الموسيقار الإسباني مانويل دي فالا، ويُعرض للمرة الأولى يومَي 27 و28 مارس (آذار) في بامبلونا، على أن ينتقل إلى العاصمة الإماراتية في 26 أبريل (نيسان) المقبل. وهو من إعداد وإخراج جهاد ميخائيل وإغناسيو غارسيا، ويقدّم تجربة متعدّدة المستويات تمزج بين الموسيقى والرقص والشِّعر، في محاولة لخلق حوار مُتجدِّد بين الثقافتين العربية والإسبانية.

كلّ خطوة على الخشبة تُعاند ما يتكسَّر في الداخل (البوستر الرسمي)

في المشروع، تحضر الفنانة اللبنانية سينتيا كرم بدور رئيسي، تؤدّي فيه شخصية عالِمة نبات عربية شابة تنطلق في رحلة إلى الأندلس بحثاً عن أسرار الأرض والنبات والزهور. شخصية تتجاوز بُعدها العلمي لتلامس أسئلة الانتماء والذاكرة، وتستدعي علاقة الإنسان بأرضه، وما يرافقها من ألم ومسؤولية.

سينتيا كرم التي تجمع بين الغناء والتمثيل والرقص، تضع هذه التجربة في إطارها الشخصي والمهني، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أختر المشاركة، وإنما اخترتُ قبولها لما تُمثّله لي من فخر كبير. خيسوس كارمونا أحد أبرز راقصي الفلامنكو في العالم، وأنا الحاضرة العربية الوحيدة في هذا العمل، أُمثّل من خلاله العالم العربي».

وتضيف أنّ اختيارها جاء نتيجة قدرتها على الجَمْع بين أكثر من أداء في آن، «لأنني أتنقّل بين الغناء والتمثيل والرقص. بدا هذا التعاون بالنسبة لي مساحة استثنائية تتقاطع فيها أدواتي الفنّية، وتجربة ألامس فيها نفسي كاملة».

ترى في الشخصية امتداداً لعلاقة حميمة وراسخة مع الأرض: «تأتي إلى المدينة الحمراء في الأندلس للتعمُّق في دراسة الأرض والورد والنبات». وتمنح الدور بُعداً رمزياً أوسع، مضيفةً: «هي صورة الإنسان المُتمسّك بأرضه، المُثقل بالألم حدّ أنه حين يلامس أرضاً أخرى، يرعاها برفق، ويدعو أصحابها إلى حمايتها والحفاظ عليها».

التداخُل بين العلمي والوجداني ينسحب أيضاً على طبيعة العمل الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف الروابط بين العالمَيْن العربي والإسباني. على مستوى الكوريغرافيا، أشار بيان صحافي إلى أنّ الفنان الإسباني خيسوس كارمونا صمَّم لغة حركية تمزج بين الفلامنكو والتعبير الجسدي العربي، بمشاركة راقصين عرب وفنانين دوليين، في حين يجمع التكوين الموسيقي بين مؤلّفات دي فالا وأعمال المؤلّف الإماراتي إيهاب درويش، ضمن توزيع حديث ينسج حواراً متناغماً بين الإيقاعات الشرقية والغربية.

ترقص على المسرح وصدى القصف يتردَّد في داخلها (سينتيا كرم)

وتؤكّد الفنانة أنّ العمل أتاح لها لَمْس تقاطعات إنسانية وثقافية عميقة بين الشعبين: «ثمة كثير ممّا يجمع بين الثقافتين. نتشابه في الفخر والعزم، في الفرح والحبّ والكرم». وتشير إلى أنّ هذه المشتركات تجلّت بوضوح خلال تجربتها في إسبانيا؛ حيث بدا التلاقي أكثر رسوخاً من أيّ اختلاف.

ولا يقتصر «الغارابيا» على الموسيقى والرقص، فيتضمَّن نصوصاً شعرية مُختارة لشعراء من عصور مختلفة، من بينهم نزار قباني وميغيل إيرنانديث، إضافة إلى شعراء من التراث الأندلسي، ممّا يمنح العمل بُعداً ثقافياً وإنسانياً يُعمِّق فكرة الحوار بين الأزمنة واللغات.

ذلك يجعلها على يقين بأنّ الفنّ اليوم ينهض بمسؤولية مضاعفة في لحظة حرجة تتَّسع فيها الشروخ، وتقول: «الفنّ ضرورة لنُعيد جمع بعضنا. في هذه المرحلة التي تُفرّقنا، نحاول عبره أن نُقرّب المسافات ونُخفّف حدّة الفوارق». وتتابع: «الحوار مدخل لفهم الآخر والاقتراب منه، مع وعي لخطوطنا الحمراء واحترامها».

وتلفت إلى أنّ العمل، بما ينسجه من شِعر وموسيقى، «يحمل رسالة مُلحّة في هذه الظروف، كأننا ندعو إلى فتح القلوب والجلوس حول مساحة مشتركة تحتوي خلافاتنا».

يتميَّز المشروع أيضاً بطابعه التشاركي، فيجمع بين فنانين محترفين وطلاب بمشاركة عشرات الموسيقيين من أوركسترا جامعة نافارا، إلى جانب مغنِّي الجوقة وفرقة فلامنكو وعازفين من العالم العربي، في تجربة تعاونية تعكس روح التبادل الفنّي والتعليمي.

وإنما سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها. تقول: «تُنضجني هذه المشاركة وتمنحني قوّة أكبر؛ امرأةً وممثلةً». وتستعيد مشهد سفرها وسط التصعيد: «أتيتُ في وقت كان عبور المطار فيه محفوفاً بالخطر. فعلنا ذلك من دون يقين بالنجاة. عندما وصلتُ كان القصف يدور في بيروت. أقلعت الطائرة والغارات في الأرجاء، وحلّقتُ فوق الدخان».

وتتابع بنبرة تُظهر شقوقاً داخلية: «لا أدري إن كنتُ سأعود أم لا، لكنّ الشغف يقود الإنسان إلى حيث ينبغي أن يكون، حتى لو كانت الطريق مُثقلة بالتهديدات». وتضيف: «أُختيرتُ لهذا الدور، غير أنني في العمق أؤدّي دور المرأة العربية. قطعة من قلبي بقيت في بيروت. في لبنان الذي أراه يتشظّى أمام عينَيّ. وكأنني أنا أيضاً أتناثر وأحاول لملمة نفسي».

ورغم هذا الحِمِل، تُصرّ على الاستمرار: «أضحك، أرقص، أصنعُ فنّاً وفرحاً، في حين القلب يُداس كلّ لحظة. كلّ يوم يمرّ يضيف إلى أعمارنا ما يُشبه مائة عام. وجع، ولا استقرار، واستحالة يقين. ومع ذلك، يبقى الفنّ خشبة العبور الوحيدة».


أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

أسرار الجيزة تعود إلى الواجهة: فرضية «أبو الهول الثاني» تثير جدلاً علمياً

أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
أبو الهول في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

تعود هضبة الجيزة، بأهراماتها الشامخة وتمثالها الأسطوري، إلى صدارة النقاش العلمي، بعد طرح فرضية جديدة تتحدث عن احتمال وجود «أبو الهول الثاني» مدفوناً تحت الرمال، في ظل مؤشرات على ما وُصف ببنية عملاقة تحت الأرض.

وأعلن الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي نتائج دراسته خلال ظهوره في برنامج «Matt Beall Limitless»، مشيراً إلى أن نقوشاً أثرية قديمة قد تحمل دلائل تركها المصريون القدماء قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، ربما تقود إلى هذا الاكتشاف المثير، وفقاً «جي بي نيوز».

وتستند الفرضية إلى ما يُعرف بـ«لوحة الحلم»، وهي نصب حجري قائم بين قدمي تمثال أبي الهول، حيث تظهر وفق قراءة الفريق صورتان لتمثالين بدل تمثال واحد. ويرى الباحثون أن هذا المشهد قد لا يكون رمزاً فنياً فحسب، بل إشارة محتملة إلى وجود تمثال ثانٍ مطمور.

واعتمد الفريق البحثي على تقنيات الرصد عبر الأقمار الصناعية، لتحليل اهتزازات دقيقة في باطن الأرض، ما أفضى إلى تحديد ما يُعتقد أنه هيكل ضخم مخفي تحت طبقات متماسكة من الرمال.

ويقول بيوندي إن النتائج أظهرت تطابقاً هندسياً كاملاً، معبّراً عن ثقته بها بنسبة تقارب 80 في المائة، وهي نسبة، وإن بدت مرتفعة، فإنها لا تزال تفتح الباب أمام التحقق العلمي.

ومن خلال رسم محور يصل بين مركز هرم خفرع وتمثال أبي الهول، توصّل الفريق إلى نقطة مرجعية، قبل أن يعكس هذا المحور انطلاقاً من مركز الهرم الأكبر، لتظهر نقطة مقابلة تشير بيانات المسح إلى احتمال وجود الهيكل الثاني فيها.

ويشير بيوندي إلى أن الموقع المفترض يتمثل في تل صغير يبلغ ارتفاعه نحو 108 أقدام، في حين يقع تمثال أبي الهول الحالي في منخفض أقل ارتفاعاً من سطح الهضبة، وهو ما يعزز بحسب رأيه فرضية التماثل بين الموقعين.

كما أظهرت المسوحات الأولية وجود أعمدة رأسية وممرات تحت الأرض، تتشابه بشكل لافت مع التكوينات المكتشفة أسفل تمثال أبي الهول المعروف. ويؤكد الباحث أن هذه الخطوط الرأسية تمثل على الأرجح جدراناً صلبة، لا فراغات، إضافةً إلى رصد أنفاق أفقية تمتد إلى أعماق أكبر، ما يعزز الحديث عن بنية تحتية معقدة.

وكان فريق بيوندي قد أشار في وقت سابق إلى رصد شيء هائل تحت هضبة الجيزة، واصفاً إياه بأنه بنية عملاقة تحت الأرض، في توصيف يعكس حجم الطموح العلمي، وربما حجم الجدل أيضاً.

منطقة الأهرامات تشهد زخماً سياحياً (وزارة السياحة والآثار)

ويعود تاريخ «لوحة الحلم» إلى عهد الفرعون تحتمس الرابع، نحو عام 1401 قبل الميلاد، حين أقيمت خلال الأسرة الثامنة عشرة، لتبقى حتى اليوم مصدراً للتأويلات التاريخية والعلمية على حد سواء.

في المقابل، ليست هذه الفرضية الأولى من نوعها، إذ سبق لعالم المصريات بسام الشمّاع أن طرح تصوراً مشابهاً قبل سنوات، مستنداً إلى روايات قديمة، فيما رفض عالم الآثار المصري ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس هذه الادعاءات عام 2017، مؤكداً أن المنطقة خضعت لحفريات مكثفة دون العثور على أدلة داعمة.

ورغم ما تحمله هذه الطروحات من إثارة، يشدد بيوندي على أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن التحقق الميداني، بمشاركة خبراء الجيولوجيا، يظل خطوةً حاسمةً قبل الجزم بأي نتائج. كما كشف عن إعداد مقترح مشروع رسمي لتقديمه إلى السلطات المصرية، أملاً في الحصول على موافقة لإجراء دراسات ميدانية أوسع.

وبين الحماسة العلمية والحذر الأثري، تبقى هضبة الجيزة، كما كانت دوماً، مساحةً مفتوحةً للأسئلة، ومرآةً لعلاقة الإنسان بالمجهول، حيث تتقاطع الحقائق بالفرضيات، ويظل الرمل شاهداً صامتاً على ما لم يُكشف بعد.

Your Premium trial has ended