الأزمة الاقتصادية في دمشق «تفكك» الحياة الاجتماعية

الأزمة الاقتصادية في دمشق «تفكك» الحياة الاجتماعية

دمشق تفرض «طوقاً» جمركياً لمنع التهريب
الأحد - 11 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14985]
ريف دمشق: «الشرق الأوسط»
رغم البرد في دمشق منذ أيام، يفضل شباب سوريون قضاء وقتهم في الجلوس وحدهم على قارعة الطرق هربا من مواجهة تصاعد متطلبات الحياة اليومية وانعكاس الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة الليرة السورية مقابل الدولار على الحياة اليومية للناس.
شاب «عمره 50 عاما»، يعمل في مصنع خاص وهو أب لأربعة أولاد، يبدو من ملامح وجهه وتدخينه المتواصل للسجائر أنه يحمل هما كبيرا يعجز عن تجاوزه. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه لم يعد يستطيع الجلوس مع أفراد عائلته لكثرة متطلباتهم اليومية وعجزه عن تلبيتها، ويضيف: «ما إن يدخل إلى البيت حتى يستقبلوه بطلباتهم».
كان يعمل سائق «تاكسي أجرة» في فترة المساء إضافة إلى عمله الصباحي في المعمل، ويشير إلى أن البعض من أفراد العائلة يتفهم الوضع والضائقة المعيشية التي تمر بها عموم الأسر، لكن البعض الآخر لا يتفهم ويصر على تلبية متطلباته، ويقول: «أشعر بالخجل. عندها لا أجد ما أرد عليه وأخرج مباشرة مع علبة سجائري إلى باب الدار أو إلى الحديقة وأقضي بقية اليوم إلى أن ينام أفراد العائلة».
أدت الاحتجاجات في إيران والعراق ولبنان إلى مزيد من التدهور في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي ووصوله إلى رقم قياسي غير مسبوق في تاريخ البلاد، حيث سجل منتصف الأسبوع الماضي أكثر من 1000 ليرة مقابل الدولار (قبل أن يتراجع إلى 800 ليرة)، وترافق مع موجة ارتفاع جديدة في أسعار معظم المواد الأساسية تجاوزت نسبتها أكثر من 30 في المائة، علما بأن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار حافظ على ما بين 45 و50 في الفترة ما بين 2000 ونهاية 2010، إلا أنه شهد تدهورا تدريجيا منذ اندلاع الأحداث في البلاد منتصف مارس (آذار) 2011 وتحولها بعد أشهر قليلة إلى حرب طاحنة وفرض دول عربية وغربية عقوبات اقتصادية على دمشق.
ولم تفلح زيادة رواتب الموظفين 20 ألف ليرة، التي أقرها الرئيس بشار الأسد مؤخرا في تحسين مستوى المعيشة بعد تآكل قدرة الناس الشرائية إلى حد العدم مع التدهور الكبير لسعر صرف الليرة الذي تحسن في اليومين الماضيين إلى نحو 800 ليرة مقابل الدولار، إلا أن الأسعار بقيت على حالها، بسبب عمليات الاحتكار التي يمارسها التجار وعدم فاعلية الرقابة الحكومية على الأسواق.
ويتراوح متوسط رواتب وأجور العاملين في القطاع العام بين 20 ألف ليرة و40 ألف ليرة شهرياً، وفي القطاع الخاص بين 100 ألف ليرة و150 ألف ليرة شهرياً، في حين يحتاج الفرد إلى أكثر من 100 ألف ليرة للعيش بالحد الأدنى، بينما تؤكد دراسات وتقارير أن أكثر من 93 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. وتروي نساء لـ«الشرق الأوسط» أن حديث الجيران بات المشاجرات اليومية بسبب «القلة (الفقر) إذ إنها السبب في كل ما يحصل».
وكشف القاضي الشرعي الأول المؤازر في دمشق عمار مرشحة في تصريحات نشرتها وسائل إعلام محلية أواخر مايو (أيار) الماضي أن عدد المعاملات التي تنجزها المحكمة ارتفع من 1000 معاملة إلى 3300 معاملة يومياً ما بين زواج وطلاق. وعلم أن نسبة الطلاق ارتفعت خلال السنوات الأخيرة بنسبة 6 في المائة مقارنة مع فترة ما قبل الحرب.
إلى ذلك، أعلنت الحكومة بدء تنفيذ استراتيجية جديدة في عمل مديرية الجمارك العامة، زادت بموجبها صلاحيات جديدة لاتخاذ كل ما من شأنه ضرب وتجفيف ومصادرة كل المواد المهربة، أينما وجدت ومع أي شخص كان «بعيدا عن كل الخطوط الحمراء»، بحسب بيان صادر عن رئاسة مجلس الوزراء السوري، أمس السبت.
والحملة الجديدة التي تم البدء بتنفيذها أمس، تضمنت انتشارا جديدا لدوريات الجمارك على كامل محيط العاصمة دمشق، لمنع البضائع المهربة من الوصول إلى أسواق المدينة. وأفاد بيان رئاسة مجلس الوزراء بأن التحرك الجديد «خطوة متممة ولاحقة لحملة سوريا خالية من التهريب» التي كانت دمشق أعلنت عنها مطلع العام الحالي، متعهدة إعلان سوريا خالية من التهريب مع نهاية العام الحالي. إلا أن ذلك لم يتحقق لغاية اليوم بل ارتفع نشاط المهربين خلال الأشهر الأخيرة، مع تدهور الوضع الاقتصادي في سوريا وتأزم الأوضاع في لبنان جراء افتقاد السوق السورية للعملة الصعبة اللازمة للاستيراد، والذي أدى إلى تدهور حاد في قيمة الليرة السورية.
ويعاني التجار وأصحاب المحلات في الأسواق من دوريات الجمارك التي تملك صلاحية مداهمة المحلات والمستودعات المغلقة وتتوعد بتنظيم ضبوطات بأرقام عالية.
سوريا الحرب في سوريا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة