عازفو الآلات الموسيقية الفلكلورية أبطال معرض فني في القاهرة

عازفو الآلات الموسيقية الفلكلورية أبطال معرض فني في القاهرة

محمد الناصر قدّم مجموعة متكاملة من اللوحات عنهم
الأحد - 11 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14985]
القاهرة: نادية عبد الحليم
تمتلك البيئة المصرية روحاً خاصة عبر ثرائها الإنساني وتنوعها الحضاري ومعالمها الفلكلورية وتاريخها العريق... تلتقي بهذه المعزوفة النادرة إذا تجولت في أحيائها الشعبية وأسواقها العتيقة ومعالمها التراثية، أو إذا زرت أيضاً معرض الفنان التشكيلي المصري محمد الناصر في غاليري «قرطبة» بمنطقة المهندسين (غرب القاهرة)، حيث تلتقي هناك بثنائيته التشكيلية التي تجمع ببراعة بين الإنسان والمكان في مصر.

فمن طينة الأرض المصرية شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، والخطوط التي حفرها الزمن عليها، ولفحة شمسها، وسائر تفاصيل المكان رسم الناصر ملامح شخوصه، ومن روح ناسها الطيبين وسماتهم وإبداعاتهم على مرّ السنين جسّد معالم المكان وتأثره بهم في لوحات تتميز بحبكة التكوين وتناسق العلاقات اللونية.

يضمّ المعرض ثلاث مجموعات من الأعمال الفنية تؤكد جميعها هذه الثنائية والتأثير المتبادل بين عنصريها «الإنسان والمكان»، وتتضمن المجموعة الأولى عازفي الموسيقى بأنغامها الشعبية في احتفاء واضح بفلكلور الجنوب، حيث الربابة والمزمار والناي تطل علينا عبر هذه الأعمال بما يرتبط بها من أجواء خاصة مثل لوحة راقص التنورة، بينما يقف العازفون على جانب اللوحة في انسجام كامل مع موسيقاهم، وتأخذنا أعمال أخرى في هذه المجموعة إلى عوالم من السعادة أو الحزن أو الشجن أو الحكي الشعبي والأسطوري الممتد عبر العصور.

يقول محمد الناصر لـ«الشرق الأوسط»: «لأول مرة أقدم مجموعة متكاملة من اللوحات عن العازفين والآلات الشعبية في مختلف أنحاء مصر، فقد تناولت من قبل الموسيقى الفلكلورية في أماكن متفرقة مثل سيوة والصعيد والإسكندرية، واكتشفت أنّ لكل مكان طبيعة مختلفة ومتفردة في الموسيقى، فأردت أن أجمع ذلك في معزوفة واحدة ومن هنا كانت هذه المجموعة الفنية».

لم يكن الخوف من اندثار هذه الآلات ورحيل عازفيها هو ما دفع محمد الناصر إلى تجسيدها بلغته البصرية: «لن تندثر لأنّها أقوى من أن يمحوها الزمن، لكنّ احتياجنا للاحتماء بها وبما تثبه داخلنا من أحاسيس نبيلة في مقابل الانفتاح على العالم وطغيان التكنولوجيا هو ما ولد داخلي الرّغبة في رسمها». إلا أنّ ذلك لا ينفي أنّ هذه المجموعة الموسيقية التشكيلية تساهم في توثيق الآلات الشّعبية وإعادة إحيائها لا سيما لدى الأجيال الجديدة. كما أنّ تناوله لآلات أخرى مثل العود والكمان إنّما يعيدنا إلى الطّرب العربي الأصيل.

ولكن ليست الموسيقى التراثية ــ بعازفيها ــ القادمة من الأرض المصرية بأصالتها هي وحدها ما جذبت الفنان، إنّما كان هناك أيضاً البسطاء والمهمشين بتفاصيل حياتهم اليومية وبيوتهم وعاداتهم وتقاليدهم القديمة. ومن هنا ينتقل الزائر للمعرض إلى المجموعة الثانية من الأعمال الفنية.

وفي هذه المجموعة تستوقفك عذوبة اللوحات وشفافيتها رغم قسوة الواقع وشدة صراعات الحياة وتحدياتها، ويفسر الفنان ذلك قائلاً: «لأنّ هؤلاء الكادحين ترتسم على وجوههم دوماً ابتسامة رضا وتسيطر عليهم حالة الفكاهة والسخرية من الواقع بالضحك، ما يمنحهم السعادة والشفافية». ولا يكتفي الناصر بذلك إنّما يسلّط عليهم الضوء ويجعلهم في صدارة اللوحات: «أمنحهم أدوار البطولة في لوحاتي لأنّهم يستحقونها؛ فهم يتحمّلون المهام الصّعبة في المجتمع ولا يحصدون سوى القليل من المال والاهتمام».

ومن بائعة الخضراوات وسائقي عربات الكارو وبائع العرقسوس وغيرهم من البسطاء الذين يسلّط عليهم الضوء، إلى أمكنة جعلها تتمتع بالإضاءة الطبيعية الساطعة، يقول: إنّ «الضوء هو سمة الشرق، كلنا نعيش فيه النور والدفء والألوان المبهجة، ولذلك اخترت على سبيل المثال أن أجعل مدخل الغورية كنموذج لحي مصري قديم كما لو أنّه هو نفسه مصدراً للإضاءة، حيث يعيش الجميع في وضوح وصدق ولا شيء في الخفاء، وكذلك كان مسجد القلاوون الذي يشع نوراً وروحانيات».

أمّا المجموعة الثالثة والأخيرة فهي تضم جانبا من أعماله التي نشرت في جريدة «الأهرام» ومجلة «نصف الدنيا»، التي يعتز بها للغاية على حد وصفه: «لها مكانة خاصة عندي. لأنّها تساهم في دخول الفن التشكيلي البيوت، ويراها عدد كبير من الجمهور العادي وغير المتخصّص، ليخرج معها الفن من نطاق الغاليريهات أو النّخبة إلى آفاق أوسع وأكثر انتشاراً، وما يزيد من قيمة الرّسم الصّحافي إنّني حين أرسم عملاً للنشر مع عمل أدبي لا يكون ترجمة للعمل أو رسماً توضيحياً له، إنّما هو لوحة فنية متكاملة مستوحاة من النص». ولذلك يرى محمد الناصر أنّه رغم أنّ رسم الأعمال القصصية والنقد الفني قد اقتطعا من وقته الكثير مما كان يمكن توجيه للفن إلّا أنّه سعيد للغاية بخوضه هذا المجال.

في المجموعات الثلاث تتعدد خامات اللوحات ما بين الألوان الزيتية وخطوط الحبر الشيني، إضافة إلى الألوان المائية التي اشتهر بها الفنان في مجال عمله الصحافي على وجه الخصوص، كما كان تأثره بدراسته الأكاديمية واضحاً في لمساته، وتركيز الضوء وانعكاساته على ظلال الوجوه.
مصر Arts

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة