أسلحة النظام العراقي السابق المحظورة فتكت سرا بعراقيين وأميركيين

واشنطن فرضت تعتيما عليها منعا للإحراج.. ومنشأة كيماوية مهمة تحت سيطرة «داعش» الآن

جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
TT

أسلحة النظام العراقي السابق المحظورة فتكت سرا بعراقيين وأميركيين

جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)

استشعر الجنود الموجودون عند الحفرة الناجمة عن الانفجار أن هناك شيئا خاطئا. وقع الانفجار في أغسطس (آب) 2008 بالقرب من منطقة التاجي في العراق، حيث قاموا فقط بتفجير كومة من قذائف المدفعية العراقية القديمة مدفونة بجانب بحيرة تبدو عكرة. وكشف هذا التفجير - الذي كان جزءا من محاولة لتدمير الذخائر التي يمكن استخدامها في صنع قنابل بدائية الصنع - عن المزيد من القذائف المخبأة.
وأسندت المهمة لـ2 من التقنيين للتخلص من الذخائر بداخل الحفرة. وتسربت مياه البحيرة إلى الحفرة. فلاحظ أحدهم، الذي يُدعى أندرو تي غولدمان، انبعاث رائحة لم يسبق له أن شم مثلها من قبل. قام برفع إحدى الذخائر، فلاحظ وجود معجون زيتي نزّ من إحدى الشقوق بالذخيرة. وعن ذلك، قال قائد فريقه السارجنت إريك جيه دولنج: «إنها لا تشبه تلك الرائحة التي تخرج من مياه البركة».
قام الاختصاصي بمسح القذيفة بورقة الكشف الكيميائي، فتحولت إلى اللون الأحمر، مما ينم عن وجود خردل الكبريت، وهو نوع من المواد المستخدمة في الحرب الكيماوية ويصيب الضحية بحروق في الشعب الهوائية والجلد والعين.
بات الرجال الـ3 في موقف حرج، ثم أمرهم دولنج: «غادروا المكان فورا».
بعد 3 سنوات من إرسال الرئيس جورج دبليو بوش قوات أميركية إلى العراق، كانت القوات قد دخلت بذلك فصلا موسعا، لكنه كان سريا للغاية، من التورط الأميركي الطويل والمرير في العراق.
كما تعرضت القوات الأميركية، جنبا إلى جنب مع القوات العراقية التي تلقت تدريبا على أيدي الولايات المتحدة - في الفترة ما بين 2004 إلى 2011 - لخطر الأسلحة الكيماوية المتبقية من سنوات حكم صدام حسين في السابق، وأصيبوا في 6 وقائع على الأقل جراء تلك الأسلحة الكيماوية.
وفي المجمل، أفادت القوات سرا بأنهم عثروا على نحو 5 آلاف من الرؤوس الحربية الكيماوية، والقذائف وقنابل الطائرات، وفقا للمقابلات التي أُجريت مع عشرات المشاركين في الحرب على العراق، ومسؤولين عراقيين وأميركيين، فضلا عن ملفات استخباراتية تتضمن قدرا كبيرا من المعلومات التي جرى الحصول عليها بموجب قانون حرية المعلومات.
خاضت الولايات المتحدة الحرب، معلنة أنه يتعين عليها تدمير برنامج فعال لأسلحة الدمار الشامل. ورغم ذلك، عثرت القوات الأميركية تدريجيا على بقايا البرامج التي جرى التخلي عنها منذ فترة طويلة، وكانت قد وضعت بالتعاون الوثيق مع الغرب، وعانت في نهاية المطاف منها.
عثرت صحيفة «نيويورك تايمز» على 17 فردا من أفراد الجيش الأميركي و7 من ضباط الشرطة العراقيين ممن تعرضوا لإصابات جراء غاز الأعصاب أو غاز الخردل عقب عام 2003. ومن جانبهم، أشار مسؤولون أميركيون إلى أن الحصيلة الفعلية للقوات التي تعرضت لذلك كانت أعلى قليلا، ولكن يمثل هذا العدد الرسمي المصنف من جانب الحكومة.
ومنذ بداية اندلاع الحرب، لم يجر الإعلان عن مواجهات الولايات المتحدة مع الأسلحة الكيماوية في العراق أو حتى تعميمها على نطاق الجيش. وتحمل هذه المواجهات الآن آثارا مقلقة مع سيطرة «داعش» (الجماعة المنشقة عن تنظيم القاعدة) على الكثير من الأراضي التي عثر فيها على الأسلحة.
وحجبت الحكومة الأميركية المعلومات عما توصلت إليه، حتى عن القوات التي أرسلتها لتخوض طريق المتاعب وكذلك الأطباء العسكريين.
وفي هذا الصدد، قال الضحايا والمشاركون في الحرب، إن السرية التي تنتهجها الحكومة حالت دون تلقي بعض القوات، التي تتولى المهام الأكثر خطورة في الحرب، الرعاية الطبية المناسبة والاعتراف الرسمي بإصابتهم.
من جهته، قال سارجنت سابق بالجيش أصيب بحروق جراء غاز الخردل في عام 2007 وحرم من تلقي العلاج في المستشفى والإجلاء الطبي إلى الولايات المتحدة رغم مطالبة قائده بذلك: «شعرت وكأنني حيوان تجارب وليس جنديا مصابا».
وأُطلع الكونغرس الأميركي على بعض المعلومات، بينما وُجهت تعليمات إلى القوات والضباط بالتزام الصمت أو الإدلاء بروايات مضللة عما عثروا عليه. ومن جانبه، قال جارود لامبر، وهو قائد في الجيش تقاعد أخيرا وكان مطلعا على أكبر عملية اكتشاف للأسلحة الكيماوية أثناء الحرب: «أُمرت بالإدلاء بمعلومات لا تشكل أهمية»، موضحا أنهم عثروا على أكثر من 2400 صاروخ مزود بغاز الأعصاب في عام 2006 في مجمع الحرس الجمهوري سابقا.
بدوره، قال جارود تايلور، وهو رقيب سابق في الجيش كان له ضلع في تدمير قذائف الخردل التي تسببت في حرق 2 من جنود المشاة التابعين له، إنه يضحك حين يسمع ما يشير إلى «عدم وقوع إصابات على الإطلاق» جراء «تلك الأشياء التي لم تكن موجودة». ولفت إلى أنه جرى تضليل الرأي العام لعقد من الزمن، قائلا: «من العجيب الحديث عن عدم وجود أي أسلحة كيماوية في العراق»، مضيفا: «لقد كانت موجودة بكثرة».
ورفض الأميرال جون كيربي، المتحدث باسم وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، الإفصاح بمعلومات عن وقائع معينة ذُكرت بالتفصيل في التحقيق الذي أجرته «نيويورك تايمز»، أو مناقشة المسائل المتعلقة بالرعاية الطبية وعدم تقديم ميداليات للجنود الذين تعرضوا للإصابة. وعن ذلك، أشار إلى أن الممارسات المتعلقة بنظام الرعاية الصحية والمكافآت كانت قيد المراجعة، وتوقع هيغل أن تقوم الأجهزة المعنية بمعالجة كل أوجه القصور.
وفي سياق متصل، قال: «يرى هيغل أن كل الجنود يستحقون الحصول على أفضل دعم طبي وإداري ممكن». وأضاف: «لقد كان، بالتأكيد، يساوره القلق حيال أي دليل أو ادعاء بعدم تلقيهم مثل هذا الدعم. ويتوقع من القادة على كل المستويات السعي جاهدين لتصحيح الأخطاء التي جرى الوقوع فيها، أينما وحيثما وقعت».
إن اكتشاف هذه الأسلحة الكيماوية لا يدعم الأساس المنطقي للغزو الأميركي للعراق؛ فعقب شن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية عام 2001، أصر بوش على أن صدام حسين لديه برنامج سري فعال لأسلحة دمار شامل، في تحد للإرادة الدولية والخطر العالمي. فيما أوضح مفتشو الأمم المتحدة أنهم لم يتمكنوا من العثور على أدلة تبرهن على صحة تلك الادعاءات.
وبعد ذلك، بدأت القوات الأميركية - عقب فترة الاحتلال التي دامت طويلا - تواجه ذخائر كيماوية قديمة موجودة في مخابئ سرية وقنابل مزروعة على الطريق.
وإجمالا، كانت قذائف المدفعية من عيار 155 ملم أو صواريخ من عيار 122 ملم من بقايا برنامج الأسلحة التي أسرع العراق في إنتاجها أثناء حقبة الثمانينات خلال الحرب الإيرانية - العراقية.
وأوضح المشاركون في الحرب، أن كل الأسلحة التي عثر عليها كان قد جرى تصنيعها قبل عام 1991، وكانت الأسلحة تبدو متسخة وعليها لون الصدأ ومتأكلة، وكان من الصعب تصنيف جزء كبير من تلك الأسلحة أسلحة كيماوية على الإطلاق؛ فقد كان بعض تلك الأسلحة فارغا، رغم أن الكثير منها لا يزال يحتوي على غاز الخردل الفعال أو ما تبقى من غاز السارين. وكان من الصعب استخدام الكثير منها وفقا لتصميمها، وعندما جرى تفكيكها، انتشرت مواد كيماوية على مساحة محدودة، وذلك بحسب ما أفاد به من قاموا بتجميع الغالبية العظمى منها.
وأفاد المشاركون في الحرب بأن تحليل تلك الرؤوس الحربية والقذائف كان يؤكد - في واقعة تلو الأخرى - على الإخفاقات الاستخباراتية. بداية، لم تعثر الحكومة الأميركية على ما كانت تبحث عنه في بداية الحرب. ثم فشلت بعد ذلك في إعداد قواتها والجسم الطبي على النحو اللازم للتعامل مع الأسلحة القديمة التي عثرت عليها.
وبينما يشهد العراق اضطرابات من جديد جراء أعمال العنف، انهارت المكاسب الأمنية التي تحققت في السابق في خضم إراقة الدماء السنية - الشيعية، فضلا عن صعود «داعش»، تسلط تلك الوقائع المخيفة والتي دامت طويلا، الضوء على المخاطر المستمرة للأسلحة الكيماوية المتروكة في البلاد.
تتجمع الكثير من الوقائع المتعلقة بالأسلحة الكيماوية حول أنقاض منشأة المثنى، المركز المعني بإنتاج الأسلحة الكيماوية أثناء حقبة الثمانينات.
ومنذ شهر يونيو (حزيران)، سيطر «داعش» على المجمع. وأوضحت الحكومة العراقية، في رسالة أرسلتها إلى الأمم المتحدة هذا الصيف، أنه لا يزال هناك أكثر من نحو 2500 صاروخ كيماوي متأكلة تحت الأرض، وأوضحت كاميرات المراقبة للمسؤولين العراقيين قيام دخلاء بنهب المعدات قبل تدمير الكاميرات من جانب مسلحين.
من جهتها، ترى الحكومة الأميركية أن الأسلحة المتروكة لم تعد تشكل تهديدا، لكن ما أوضحه ما يقرب من 10 سنوات من الخبرة في زمن الحرب أن الذخائر الكيماوية العراقية القديمة ما تزال، في كثير من الأحيان، تشكل خطرا، لا سميا عندما يعاد استخدامها من أجل شن هجمات محلية كتصنيع القنابل بدائية الصنع على شاكلة ما فعله المتمردون بحلول عام 2004.
وأفاد المشاركون في اكتشافات الأسلحة الكيماوية بأن الولايات المتحدة حالت دون الكشف عما عُثر عليه من الأسلحة لأسباب عدة، بما فيها أن الحكومة لا تود الاعتراف أكثر بأنها كانت مخطئة. وعن ذلك، قال لامبر: «إنهم كانوا بحاجة إلى القول إنه عقب أحداث 11 سبتمبر، استخدم صدام قذائف كيماوية»، مضيفا: «كل هذا يعود إلى حقبة ما قبل عام 1991».
وأشار آخرون إلى أن الولايات المتحدة تواجه إحراجا آخر، ففي 5 من أصل 6 وقائع أصيب فيها الجنود جراء الأسلحة الكيماوية، كان يبدو أن الذخائر قد صممت في الولايات المتحدة، وجرى تصنيعها في أوروبا وجرى تشغيلها عبر خطوط الإنتاج الكيماوية التي بنيت في العراق من قبل شركات غربية.
من جهتهم، أعرب المسؤولون عن منع انتشار الأسلحة النووية عن أن تعامل البنتاغون مع الكثير من الرؤوس الحربية والقذائف التي عثر عليها كان يمثل انتهاكا لاتفاقية الأسلحة الكيماوية. فحسب هذه الاتفاقية يتعين الحصول على تلك الأسلحة الكيماوية والإبلاغ عنها وتدميرها بطريقة دقيقة تستغرق وقتا طويلا، إلا أن البنتاغون لم يتبع تلك الخطوات، لكنه يرى أنه يحترم روح الاتفاقية.
بدورها، قالت جنيفر إيلزيا، المتحدثة باسم البنتاغون: «جرى التعامل مع هذه الأسلحة المشتبه بها بموجب الظروف التي أملت التدمير الفوري لها من خلال الحاجة لضمان أن الأسلحة الكيماوية لا يمكن أن تشكل تهديدا للشعب العراقي، والدول المجاورة وقوات التحالف أو البيئة». وأضافت: «الاتفاقية لم تضع في تصورها الظروف الموجودة في العراق».
ورغم ذلك، قال الكثير من المشاركين إن الولايات المتحدة فقدت مسار تتبع الأسلحة الكيميائية التي عثرت قواتها عليها، وتركت كميات كبيرة منها غير مؤمنة، ولم تحذر الناس منها - العراقيين والقوات الأجنبية على حد سواء - في الوقت الذي نسفت فيه على عجل الذخائر الكيماوية في الهواء الطلق. وفي أوائل عام 2009، وإثر تحريض من الولايات المتحدة، انضم العراق إلى معاهدة الأسلحة الكيميائية. ومنذ تلك اللحظة، استعادت حكومة العراق الوليدة مسؤولية تأمين وتدمير أي ذخائر كيميائية متبقية منذ عهد صدام حسين. واتخذ العراق خطوات أولية حيال تلك الالتزامات؛ إذ وضع خطة لدفن المستودعات الملوثة في منشأة المثنى، التي لا تزال توجد بها بقايا المخزونات الكيماوية، في الخرسانة الإسمنتية. وحينما قام 3 من صحافيي مجلة «التايمز» بزيارة منشأة المثنى في عام 2013، كانت مجموعة من ضباط وجنود الشرطة العراقية تحرس المدخل. وكان هناك مستودعان خلفيان يحتويان على سلائف السيانيد وصواريخ السارين القديمة. وكانت المنطقة التي عثر بها المارينز على قذائف غاز الخردل في عام 2008 بعيدة عن الأنظار، ومحمية بواسطة الشجيرات والحرارة الوامضة. ولم تكن هناك قوات تحرس المدخل.
المجمع، الذي لم يدفن بعد، يقع الآن تحت سيطرة تنظيم داعش.

خدمة «نيويورك تايمز»



عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.