أسلحة النظام العراقي السابق المحظورة فتكت سرا بعراقيين وأميركيين

واشنطن فرضت تعتيما عليها منعا للإحراج.. ومنشأة كيماوية مهمة تحت سيطرة «داعش» الآن

جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
TT

أسلحة النظام العراقي السابق المحظورة فتكت سرا بعراقيين وأميركيين

جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)

استشعر الجنود الموجودون عند الحفرة الناجمة عن الانفجار أن هناك شيئا خاطئا. وقع الانفجار في أغسطس (آب) 2008 بالقرب من منطقة التاجي في العراق، حيث قاموا فقط بتفجير كومة من قذائف المدفعية العراقية القديمة مدفونة بجانب بحيرة تبدو عكرة. وكشف هذا التفجير - الذي كان جزءا من محاولة لتدمير الذخائر التي يمكن استخدامها في صنع قنابل بدائية الصنع - عن المزيد من القذائف المخبأة.
وأسندت المهمة لـ2 من التقنيين للتخلص من الذخائر بداخل الحفرة. وتسربت مياه البحيرة إلى الحفرة. فلاحظ أحدهم، الذي يُدعى أندرو تي غولدمان، انبعاث رائحة لم يسبق له أن شم مثلها من قبل. قام برفع إحدى الذخائر، فلاحظ وجود معجون زيتي نزّ من إحدى الشقوق بالذخيرة. وعن ذلك، قال قائد فريقه السارجنت إريك جيه دولنج: «إنها لا تشبه تلك الرائحة التي تخرج من مياه البركة».
قام الاختصاصي بمسح القذيفة بورقة الكشف الكيميائي، فتحولت إلى اللون الأحمر، مما ينم عن وجود خردل الكبريت، وهو نوع من المواد المستخدمة في الحرب الكيماوية ويصيب الضحية بحروق في الشعب الهوائية والجلد والعين.
بات الرجال الـ3 في موقف حرج، ثم أمرهم دولنج: «غادروا المكان فورا».
بعد 3 سنوات من إرسال الرئيس جورج دبليو بوش قوات أميركية إلى العراق، كانت القوات قد دخلت بذلك فصلا موسعا، لكنه كان سريا للغاية، من التورط الأميركي الطويل والمرير في العراق.
كما تعرضت القوات الأميركية، جنبا إلى جنب مع القوات العراقية التي تلقت تدريبا على أيدي الولايات المتحدة - في الفترة ما بين 2004 إلى 2011 - لخطر الأسلحة الكيماوية المتبقية من سنوات حكم صدام حسين في السابق، وأصيبوا في 6 وقائع على الأقل جراء تلك الأسلحة الكيماوية.
وفي المجمل، أفادت القوات سرا بأنهم عثروا على نحو 5 آلاف من الرؤوس الحربية الكيماوية، والقذائف وقنابل الطائرات، وفقا للمقابلات التي أُجريت مع عشرات المشاركين في الحرب على العراق، ومسؤولين عراقيين وأميركيين، فضلا عن ملفات استخباراتية تتضمن قدرا كبيرا من المعلومات التي جرى الحصول عليها بموجب قانون حرية المعلومات.
خاضت الولايات المتحدة الحرب، معلنة أنه يتعين عليها تدمير برنامج فعال لأسلحة الدمار الشامل. ورغم ذلك، عثرت القوات الأميركية تدريجيا على بقايا البرامج التي جرى التخلي عنها منذ فترة طويلة، وكانت قد وضعت بالتعاون الوثيق مع الغرب، وعانت في نهاية المطاف منها.
عثرت صحيفة «نيويورك تايمز» على 17 فردا من أفراد الجيش الأميركي و7 من ضباط الشرطة العراقيين ممن تعرضوا لإصابات جراء غاز الأعصاب أو غاز الخردل عقب عام 2003. ومن جانبهم، أشار مسؤولون أميركيون إلى أن الحصيلة الفعلية للقوات التي تعرضت لذلك كانت أعلى قليلا، ولكن يمثل هذا العدد الرسمي المصنف من جانب الحكومة.
ومنذ بداية اندلاع الحرب، لم يجر الإعلان عن مواجهات الولايات المتحدة مع الأسلحة الكيماوية في العراق أو حتى تعميمها على نطاق الجيش. وتحمل هذه المواجهات الآن آثارا مقلقة مع سيطرة «داعش» (الجماعة المنشقة عن تنظيم القاعدة) على الكثير من الأراضي التي عثر فيها على الأسلحة.
وحجبت الحكومة الأميركية المعلومات عما توصلت إليه، حتى عن القوات التي أرسلتها لتخوض طريق المتاعب وكذلك الأطباء العسكريين.
وفي هذا الصدد، قال الضحايا والمشاركون في الحرب، إن السرية التي تنتهجها الحكومة حالت دون تلقي بعض القوات، التي تتولى المهام الأكثر خطورة في الحرب، الرعاية الطبية المناسبة والاعتراف الرسمي بإصابتهم.
من جهته، قال سارجنت سابق بالجيش أصيب بحروق جراء غاز الخردل في عام 2007 وحرم من تلقي العلاج في المستشفى والإجلاء الطبي إلى الولايات المتحدة رغم مطالبة قائده بذلك: «شعرت وكأنني حيوان تجارب وليس جنديا مصابا».
وأُطلع الكونغرس الأميركي على بعض المعلومات، بينما وُجهت تعليمات إلى القوات والضباط بالتزام الصمت أو الإدلاء بروايات مضللة عما عثروا عليه. ومن جانبه، قال جارود لامبر، وهو قائد في الجيش تقاعد أخيرا وكان مطلعا على أكبر عملية اكتشاف للأسلحة الكيماوية أثناء الحرب: «أُمرت بالإدلاء بمعلومات لا تشكل أهمية»، موضحا أنهم عثروا على أكثر من 2400 صاروخ مزود بغاز الأعصاب في عام 2006 في مجمع الحرس الجمهوري سابقا.
بدوره، قال جارود تايلور، وهو رقيب سابق في الجيش كان له ضلع في تدمير قذائف الخردل التي تسببت في حرق 2 من جنود المشاة التابعين له، إنه يضحك حين يسمع ما يشير إلى «عدم وقوع إصابات على الإطلاق» جراء «تلك الأشياء التي لم تكن موجودة». ولفت إلى أنه جرى تضليل الرأي العام لعقد من الزمن، قائلا: «من العجيب الحديث عن عدم وجود أي أسلحة كيماوية في العراق»، مضيفا: «لقد كانت موجودة بكثرة».
ورفض الأميرال جون كيربي، المتحدث باسم وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، الإفصاح بمعلومات عن وقائع معينة ذُكرت بالتفصيل في التحقيق الذي أجرته «نيويورك تايمز»، أو مناقشة المسائل المتعلقة بالرعاية الطبية وعدم تقديم ميداليات للجنود الذين تعرضوا للإصابة. وعن ذلك، أشار إلى أن الممارسات المتعلقة بنظام الرعاية الصحية والمكافآت كانت قيد المراجعة، وتوقع هيغل أن تقوم الأجهزة المعنية بمعالجة كل أوجه القصور.
وفي سياق متصل، قال: «يرى هيغل أن كل الجنود يستحقون الحصول على أفضل دعم طبي وإداري ممكن». وأضاف: «لقد كان، بالتأكيد، يساوره القلق حيال أي دليل أو ادعاء بعدم تلقيهم مثل هذا الدعم. ويتوقع من القادة على كل المستويات السعي جاهدين لتصحيح الأخطاء التي جرى الوقوع فيها، أينما وحيثما وقعت».
إن اكتشاف هذه الأسلحة الكيماوية لا يدعم الأساس المنطقي للغزو الأميركي للعراق؛ فعقب شن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية عام 2001، أصر بوش على أن صدام حسين لديه برنامج سري فعال لأسلحة دمار شامل، في تحد للإرادة الدولية والخطر العالمي. فيما أوضح مفتشو الأمم المتحدة أنهم لم يتمكنوا من العثور على أدلة تبرهن على صحة تلك الادعاءات.
وبعد ذلك، بدأت القوات الأميركية - عقب فترة الاحتلال التي دامت طويلا - تواجه ذخائر كيماوية قديمة موجودة في مخابئ سرية وقنابل مزروعة على الطريق.
وإجمالا، كانت قذائف المدفعية من عيار 155 ملم أو صواريخ من عيار 122 ملم من بقايا برنامج الأسلحة التي أسرع العراق في إنتاجها أثناء حقبة الثمانينات خلال الحرب الإيرانية - العراقية.
وأوضح المشاركون في الحرب، أن كل الأسلحة التي عثر عليها كان قد جرى تصنيعها قبل عام 1991، وكانت الأسلحة تبدو متسخة وعليها لون الصدأ ومتأكلة، وكان من الصعب تصنيف جزء كبير من تلك الأسلحة أسلحة كيماوية على الإطلاق؛ فقد كان بعض تلك الأسلحة فارغا، رغم أن الكثير منها لا يزال يحتوي على غاز الخردل الفعال أو ما تبقى من غاز السارين. وكان من الصعب استخدام الكثير منها وفقا لتصميمها، وعندما جرى تفكيكها، انتشرت مواد كيماوية على مساحة محدودة، وذلك بحسب ما أفاد به من قاموا بتجميع الغالبية العظمى منها.
وأفاد المشاركون في الحرب بأن تحليل تلك الرؤوس الحربية والقذائف كان يؤكد - في واقعة تلو الأخرى - على الإخفاقات الاستخباراتية. بداية، لم تعثر الحكومة الأميركية على ما كانت تبحث عنه في بداية الحرب. ثم فشلت بعد ذلك في إعداد قواتها والجسم الطبي على النحو اللازم للتعامل مع الأسلحة القديمة التي عثرت عليها.
وبينما يشهد العراق اضطرابات من جديد جراء أعمال العنف، انهارت المكاسب الأمنية التي تحققت في السابق في خضم إراقة الدماء السنية - الشيعية، فضلا عن صعود «داعش»، تسلط تلك الوقائع المخيفة والتي دامت طويلا، الضوء على المخاطر المستمرة للأسلحة الكيماوية المتروكة في البلاد.
تتجمع الكثير من الوقائع المتعلقة بالأسلحة الكيماوية حول أنقاض منشأة المثنى، المركز المعني بإنتاج الأسلحة الكيماوية أثناء حقبة الثمانينات.
ومنذ شهر يونيو (حزيران)، سيطر «داعش» على المجمع. وأوضحت الحكومة العراقية، في رسالة أرسلتها إلى الأمم المتحدة هذا الصيف، أنه لا يزال هناك أكثر من نحو 2500 صاروخ كيماوي متأكلة تحت الأرض، وأوضحت كاميرات المراقبة للمسؤولين العراقيين قيام دخلاء بنهب المعدات قبل تدمير الكاميرات من جانب مسلحين.
من جهتها، ترى الحكومة الأميركية أن الأسلحة المتروكة لم تعد تشكل تهديدا، لكن ما أوضحه ما يقرب من 10 سنوات من الخبرة في زمن الحرب أن الذخائر الكيماوية العراقية القديمة ما تزال، في كثير من الأحيان، تشكل خطرا، لا سميا عندما يعاد استخدامها من أجل شن هجمات محلية كتصنيع القنابل بدائية الصنع على شاكلة ما فعله المتمردون بحلول عام 2004.
وأفاد المشاركون في اكتشافات الأسلحة الكيماوية بأن الولايات المتحدة حالت دون الكشف عما عُثر عليه من الأسلحة لأسباب عدة، بما فيها أن الحكومة لا تود الاعتراف أكثر بأنها كانت مخطئة. وعن ذلك، قال لامبر: «إنهم كانوا بحاجة إلى القول إنه عقب أحداث 11 سبتمبر، استخدم صدام قذائف كيماوية»، مضيفا: «كل هذا يعود إلى حقبة ما قبل عام 1991».
وأشار آخرون إلى أن الولايات المتحدة تواجه إحراجا آخر، ففي 5 من أصل 6 وقائع أصيب فيها الجنود جراء الأسلحة الكيماوية، كان يبدو أن الذخائر قد صممت في الولايات المتحدة، وجرى تصنيعها في أوروبا وجرى تشغيلها عبر خطوط الإنتاج الكيماوية التي بنيت في العراق من قبل شركات غربية.
من جهتهم، أعرب المسؤولون عن منع انتشار الأسلحة النووية عن أن تعامل البنتاغون مع الكثير من الرؤوس الحربية والقذائف التي عثر عليها كان يمثل انتهاكا لاتفاقية الأسلحة الكيماوية. فحسب هذه الاتفاقية يتعين الحصول على تلك الأسلحة الكيماوية والإبلاغ عنها وتدميرها بطريقة دقيقة تستغرق وقتا طويلا، إلا أن البنتاغون لم يتبع تلك الخطوات، لكنه يرى أنه يحترم روح الاتفاقية.
بدورها، قالت جنيفر إيلزيا، المتحدثة باسم البنتاغون: «جرى التعامل مع هذه الأسلحة المشتبه بها بموجب الظروف التي أملت التدمير الفوري لها من خلال الحاجة لضمان أن الأسلحة الكيماوية لا يمكن أن تشكل تهديدا للشعب العراقي، والدول المجاورة وقوات التحالف أو البيئة». وأضافت: «الاتفاقية لم تضع في تصورها الظروف الموجودة في العراق».
ورغم ذلك، قال الكثير من المشاركين إن الولايات المتحدة فقدت مسار تتبع الأسلحة الكيميائية التي عثرت قواتها عليها، وتركت كميات كبيرة منها غير مؤمنة، ولم تحذر الناس منها - العراقيين والقوات الأجنبية على حد سواء - في الوقت الذي نسفت فيه على عجل الذخائر الكيماوية في الهواء الطلق. وفي أوائل عام 2009، وإثر تحريض من الولايات المتحدة، انضم العراق إلى معاهدة الأسلحة الكيميائية. ومنذ تلك اللحظة، استعادت حكومة العراق الوليدة مسؤولية تأمين وتدمير أي ذخائر كيميائية متبقية منذ عهد صدام حسين. واتخذ العراق خطوات أولية حيال تلك الالتزامات؛ إذ وضع خطة لدفن المستودعات الملوثة في منشأة المثنى، التي لا تزال توجد بها بقايا المخزونات الكيماوية، في الخرسانة الإسمنتية. وحينما قام 3 من صحافيي مجلة «التايمز» بزيارة منشأة المثنى في عام 2013، كانت مجموعة من ضباط وجنود الشرطة العراقية تحرس المدخل. وكان هناك مستودعان خلفيان يحتويان على سلائف السيانيد وصواريخ السارين القديمة. وكانت المنطقة التي عثر بها المارينز على قذائف غاز الخردل في عام 2008 بعيدة عن الأنظار، ومحمية بواسطة الشجيرات والحرارة الوامضة. ولم تكن هناك قوات تحرس المدخل.
المجمع، الذي لم يدفن بعد، يقع الآن تحت سيطرة تنظيم داعش.

خدمة «نيويورك تايمز»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.