أسلحة النظام العراقي السابق المحظورة فتكت سرا بعراقيين وأميركيين

واشنطن فرضت تعتيما عليها منعا للإحراج.. ومنشأة كيماوية مهمة تحت سيطرة «داعش» الآن

جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
TT

أسلحة النظام العراقي السابق المحظورة فتكت سرا بعراقيين وأميركيين

جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)
جنود أميركيون يعاينون ذخيرة كيماوية مشتبها بها في موقع قرب معسكر التاجي شمال بغداد في 16 أغسطس 2008 (نيويورك تايمز)

استشعر الجنود الموجودون عند الحفرة الناجمة عن الانفجار أن هناك شيئا خاطئا. وقع الانفجار في أغسطس (آب) 2008 بالقرب من منطقة التاجي في العراق، حيث قاموا فقط بتفجير كومة من قذائف المدفعية العراقية القديمة مدفونة بجانب بحيرة تبدو عكرة. وكشف هذا التفجير - الذي كان جزءا من محاولة لتدمير الذخائر التي يمكن استخدامها في صنع قنابل بدائية الصنع - عن المزيد من القذائف المخبأة.
وأسندت المهمة لـ2 من التقنيين للتخلص من الذخائر بداخل الحفرة. وتسربت مياه البحيرة إلى الحفرة. فلاحظ أحدهم، الذي يُدعى أندرو تي غولدمان، انبعاث رائحة لم يسبق له أن شم مثلها من قبل. قام برفع إحدى الذخائر، فلاحظ وجود معجون زيتي نزّ من إحدى الشقوق بالذخيرة. وعن ذلك، قال قائد فريقه السارجنت إريك جيه دولنج: «إنها لا تشبه تلك الرائحة التي تخرج من مياه البركة».
قام الاختصاصي بمسح القذيفة بورقة الكشف الكيميائي، فتحولت إلى اللون الأحمر، مما ينم عن وجود خردل الكبريت، وهو نوع من المواد المستخدمة في الحرب الكيماوية ويصيب الضحية بحروق في الشعب الهوائية والجلد والعين.
بات الرجال الـ3 في موقف حرج، ثم أمرهم دولنج: «غادروا المكان فورا».
بعد 3 سنوات من إرسال الرئيس جورج دبليو بوش قوات أميركية إلى العراق، كانت القوات قد دخلت بذلك فصلا موسعا، لكنه كان سريا للغاية، من التورط الأميركي الطويل والمرير في العراق.
كما تعرضت القوات الأميركية، جنبا إلى جنب مع القوات العراقية التي تلقت تدريبا على أيدي الولايات المتحدة - في الفترة ما بين 2004 إلى 2011 - لخطر الأسلحة الكيماوية المتبقية من سنوات حكم صدام حسين في السابق، وأصيبوا في 6 وقائع على الأقل جراء تلك الأسلحة الكيماوية.
وفي المجمل، أفادت القوات سرا بأنهم عثروا على نحو 5 آلاف من الرؤوس الحربية الكيماوية، والقذائف وقنابل الطائرات، وفقا للمقابلات التي أُجريت مع عشرات المشاركين في الحرب على العراق، ومسؤولين عراقيين وأميركيين، فضلا عن ملفات استخباراتية تتضمن قدرا كبيرا من المعلومات التي جرى الحصول عليها بموجب قانون حرية المعلومات.
خاضت الولايات المتحدة الحرب، معلنة أنه يتعين عليها تدمير برنامج فعال لأسلحة الدمار الشامل. ورغم ذلك، عثرت القوات الأميركية تدريجيا على بقايا البرامج التي جرى التخلي عنها منذ فترة طويلة، وكانت قد وضعت بالتعاون الوثيق مع الغرب، وعانت في نهاية المطاف منها.
عثرت صحيفة «نيويورك تايمز» على 17 فردا من أفراد الجيش الأميركي و7 من ضباط الشرطة العراقيين ممن تعرضوا لإصابات جراء غاز الأعصاب أو غاز الخردل عقب عام 2003. ومن جانبهم، أشار مسؤولون أميركيون إلى أن الحصيلة الفعلية للقوات التي تعرضت لذلك كانت أعلى قليلا، ولكن يمثل هذا العدد الرسمي المصنف من جانب الحكومة.
ومنذ بداية اندلاع الحرب، لم يجر الإعلان عن مواجهات الولايات المتحدة مع الأسلحة الكيماوية في العراق أو حتى تعميمها على نطاق الجيش. وتحمل هذه المواجهات الآن آثارا مقلقة مع سيطرة «داعش» (الجماعة المنشقة عن تنظيم القاعدة) على الكثير من الأراضي التي عثر فيها على الأسلحة.
وحجبت الحكومة الأميركية المعلومات عما توصلت إليه، حتى عن القوات التي أرسلتها لتخوض طريق المتاعب وكذلك الأطباء العسكريين.
وفي هذا الصدد، قال الضحايا والمشاركون في الحرب، إن السرية التي تنتهجها الحكومة حالت دون تلقي بعض القوات، التي تتولى المهام الأكثر خطورة في الحرب، الرعاية الطبية المناسبة والاعتراف الرسمي بإصابتهم.
من جهته، قال سارجنت سابق بالجيش أصيب بحروق جراء غاز الخردل في عام 2007 وحرم من تلقي العلاج في المستشفى والإجلاء الطبي إلى الولايات المتحدة رغم مطالبة قائده بذلك: «شعرت وكأنني حيوان تجارب وليس جنديا مصابا».
وأُطلع الكونغرس الأميركي على بعض المعلومات، بينما وُجهت تعليمات إلى القوات والضباط بالتزام الصمت أو الإدلاء بروايات مضللة عما عثروا عليه. ومن جانبه، قال جارود لامبر، وهو قائد في الجيش تقاعد أخيرا وكان مطلعا على أكبر عملية اكتشاف للأسلحة الكيماوية أثناء الحرب: «أُمرت بالإدلاء بمعلومات لا تشكل أهمية»، موضحا أنهم عثروا على أكثر من 2400 صاروخ مزود بغاز الأعصاب في عام 2006 في مجمع الحرس الجمهوري سابقا.
بدوره، قال جارود تايلور، وهو رقيب سابق في الجيش كان له ضلع في تدمير قذائف الخردل التي تسببت في حرق 2 من جنود المشاة التابعين له، إنه يضحك حين يسمع ما يشير إلى «عدم وقوع إصابات على الإطلاق» جراء «تلك الأشياء التي لم تكن موجودة». ولفت إلى أنه جرى تضليل الرأي العام لعقد من الزمن، قائلا: «من العجيب الحديث عن عدم وجود أي أسلحة كيماوية في العراق»، مضيفا: «لقد كانت موجودة بكثرة».
ورفض الأميرال جون كيربي، المتحدث باسم وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، الإفصاح بمعلومات عن وقائع معينة ذُكرت بالتفصيل في التحقيق الذي أجرته «نيويورك تايمز»، أو مناقشة المسائل المتعلقة بالرعاية الطبية وعدم تقديم ميداليات للجنود الذين تعرضوا للإصابة. وعن ذلك، أشار إلى أن الممارسات المتعلقة بنظام الرعاية الصحية والمكافآت كانت قيد المراجعة، وتوقع هيغل أن تقوم الأجهزة المعنية بمعالجة كل أوجه القصور.
وفي سياق متصل، قال: «يرى هيغل أن كل الجنود يستحقون الحصول على أفضل دعم طبي وإداري ممكن». وأضاف: «لقد كان، بالتأكيد، يساوره القلق حيال أي دليل أو ادعاء بعدم تلقيهم مثل هذا الدعم. ويتوقع من القادة على كل المستويات السعي جاهدين لتصحيح الأخطاء التي جرى الوقوع فيها، أينما وحيثما وقعت».
إن اكتشاف هذه الأسلحة الكيماوية لا يدعم الأساس المنطقي للغزو الأميركي للعراق؛ فعقب شن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية عام 2001، أصر بوش على أن صدام حسين لديه برنامج سري فعال لأسلحة دمار شامل، في تحد للإرادة الدولية والخطر العالمي. فيما أوضح مفتشو الأمم المتحدة أنهم لم يتمكنوا من العثور على أدلة تبرهن على صحة تلك الادعاءات.
وبعد ذلك، بدأت القوات الأميركية - عقب فترة الاحتلال التي دامت طويلا - تواجه ذخائر كيماوية قديمة موجودة في مخابئ سرية وقنابل مزروعة على الطريق.
وإجمالا، كانت قذائف المدفعية من عيار 155 ملم أو صواريخ من عيار 122 ملم من بقايا برنامج الأسلحة التي أسرع العراق في إنتاجها أثناء حقبة الثمانينات خلال الحرب الإيرانية - العراقية.
وأوضح المشاركون في الحرب، أن كل الأسلحة التي عثر عليها كان قد جرى تصنيعها قبل عام 1991، وكانت الأسلحة تبدو متسخة وعليها لون الصدأ ومتأكلة، وكان من الصعب تصنيف جزء كبير من تلك الأسلحة أسلحة كيماوية على الإطلاق؛ فقد كان بعض تلك الأسلحة فارغا، رغم أن الكثير منها لا يزال يحتوي على غاز الخردل الفعال أو ما تبقى من غاز السارين. وكان من الصعب استخدام الكثير منها وفقا لتصميمها، وعندما جرى تفكيكها، انتشرت مواد كيماوية على مساحة محدودة، وذلك بحسب ما أفاد به من قاموا بتجميع الغالبية العظمى منها.
وأفاد المشاركون في الحرب بأن تحليل تلك الرؤوس الحربية والقذائف كان يؤكد - في واقعة تلو الأخرى - على الإخفاقات الاستخباراتية. بداية، لم تعثر الحكومة الأميركية على ما كانت تبحث عنه في بداية الحرب. ثم فشلت بعد ذلك في إعداد قواتها والجسم الطبي على النحو اللازم للتعامل مع الأسلحة القديمة التي عثرت عليها.
وبينما يشهد العراق اضطرابات من جديد جراء أعمال العنف، انهارت المكاسب الأمنية التي تحققت في السابق في خضم إراقة الدماء السنية - الشيعية، فضلا عن صعود «داعش»، تسلط تلك الوقائع المخيفة والتي دامت طويلا، الضوء على المخاطر المستمرة للأسلحة الكيماوية المتروكة في البلاد.
تتجمع الكثير من الوقائع المتعلقة بالأسلحة الكيماوية حول أنقاض منشأة المثنى، المركز المعني بإنتاج الأسلحة الكيماوية أثناء حقبة الثمانينات.
ومنذ شهر يونيو (حزيران)، سيطر «داعش» على المجمع. وأوضحت الحكومة العراقية، في رسالة أرسلتها إلى الأمم المتحدة هذا الصيف، أنه لا يزال هناك أكثر من نحو 2500 صاروخ كيماوي متأكلة تحت الأرض، وأوضحت كاميرات المراقبة للمسؤولين العراقيين قيام دخلاء بنهب المعدات قبل تدمير الكاميرات من جانب مسلحين.
من جهتها، ترى الحكومة الأميركية أن الأسلحة المتروكة لم تعد تشكل تهديدا، لكن ما أوضحه ما يقرب من 10 سنوات من الخبرة في زمن الحرب أن الذخائر الكيماوية العراقية القديمة ما تزال، في كثير من الأحيان، تشكل خطرا، لا سميا عندما يعاد استخدامها من أجل شن هجمات محلية كتصنيع القنابل بدائية الصنع على شاكلة ما فعله المتمردون بحلول عام 2004.
وأفاد المشاركون في اكتشافات الأسلحة الكيماوية بأن الولايات المتحدة حالت دون الكشف عما عُثر عليه من الأسلحة لأسباب عدة، بما فيها أن الحكومة لا تود الاعتراف أكثر بأنها كانت مخطئة. وعن ذلك، قال لامبر: «إنهم كانوا بحاجة إلى القول إنه عقب أحداث 11 سبتمبر، استخدم صدام قذائف كيماوية»، مضيفا: «كل هذا يعود إلى حقبة ما قبل عام 1991».
وأشار آخرون إلى أن الولايات المتحدة تواجه إحراجا آخر، ففي 5 من أصل 6 وقائع أصيب فيها الجنود جراء الأسلحة الكيماوية، كان يبدو أن الذخائر قد صممت في الولايات المتحدة، وجرى تصنيعها في أوروبا وجرى تشغيلها عبر خطوط الإنتاج الكيماوية التي بنيت في العراق من قبل شركات غربية.
من جهتهم، أعرب المسؤولون عن منع انتشار الأسلحة النووية عن أن تعامل البنتاغون مع الكثير من الرؤوس الحربية والقذائف التي عثر عليها كان يمثل انتهاكا لاتفاقية الأسلحة الكيماوية. فحسب هذه الاتفاقية يتعين الحصول على تلك الأسلحة الكيماوية والإبلاغ عنها وتدميرها بطريقة دقيقة تستغرق وقتا طويلا، إلا أن البنتاغون لم يتبع تلك الخطوات، لكنه يرى أنه يحترم روح الاتفاقية.
بدورها، قالت جنيفر إيلزيا، المتحدثة باسم البنتاغون: «جرى التعامل مع هذه الأسلحة المشتبه بها بموجب الظروف التي أملت التدمير الفوري لها من خلال الحاجة لضمان أن الأسلحة الكيماوية لا يمكن أن تشكل تهديدا للشعب العراقي، والدول المجاورة وقوات التحالف أو البيئة». وأضافت: «الاتفاقية لم تضع في تصورها الظروف الموجودة في العراق».
ورغم ذلك، قال الكثير من المشاركين إن الولايات المتحدة فقدت مسار تتبع الأسلحة الكيميائية التي عثرت قواتها عليها، وتركت كميات كبيرة منها غير مؤمنة، ولم تحذر الناس منها - العراقيين والقوات الأجنبية على حد سواء - في الوقت الذي نسفت فيه على عجل الذخائر الكيماوية في الهواء الطلق. وفي أوائل عام 2009، وإثر تحريض من الولايات المتحدة، انضم العراق إلى معاهدة الأسلحة الكيميائية. ومنذ تلك اللحظة، استعادت حكومة العراق الوليدة مسؤولية تأمين وتدمير أي ذخائر كيميائية متبقية منذ عهد صدام حسين. واتخذ العراق خطوات أولية حيال تلك الالتزامات؛ إذ وضع خطة لدفن المستودعات الملوثة في منشأة المثنى، التي لا تزال توجد بها بقايا المخزونات الكيماوية، في الخرسانة الإسمنتية. وحينما قام 3 من صحافيي مجلة «التايمز» بزيارة منشأة المثنى في عام 2013، كانت مجموعة من ضباط وجنود الشرطة العراقية تحرس المدخل. وكان هناك مستودعان خلفيان يحتويان على سلائف السيانيد وصواريخ السارين القديمة. وكانت المنطقة التي عثر بها المارينز على قذائف غاز الخردل في عام 2008 بعيدة عن الأنظار، ومحمية بواسطة الشجيرات والحرارة الوامضة. ولم تكن هناك قوات تحرس المدخل.
المجمع، الذي لم يدفن بعد، يقع الآن تحت سيطرة تنظيم داعش.

خدمة «نيويورك تايمز»



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.