«تركيا إردوغان» تتأرجح بين تقلباتها الداخلية وأزماتها الخارجية

بابا جان وداود أوغلو إلى إطلاق حزبيهما... و«إس 400» تبقي على التوتر مع واشنطن

«تركيا إردوغان» تتأرجح بين تقلباتها الداخلية وأزماتها الخارجية
TT

«تركيا إردوغان» تتأرجح بين تقلباتها الداخلية وأزماتها الخارجية

«تركيا إردوغان» تتأرجح بين تقلباتها الداخلية وأزماتها الخارجية

وسط تطورات سياسية داخلية ضاغطة عنوانها السعي إلى بلورة رؤية جديدة للتغيير تلبي مطالب قطاعات واسعة من الشعب التركي، تشهد السياسة الخارجية منعطفات دقيقة على جبهات متعددة تدفع بعلاقات تركيا مع كثير من القوى الإقليمية الدولية إلى التدهور السريع. ومع اعتبار هذه القطاعات أن تركيا باتت رهينة لحكم الفرد الواحد والحزب الواحد لما يقرب من عقدين من الزمان، يرى مراقبون أن كل هذه التطورات - سواءً الداخلية أو الخارجية - ترتبط في الأساس بسياسات حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان وخطابه، الذي يتجاوز في كثير من المناسبات القواعد الدبلوماسية المتعارف عليها في علاقات الدول. بل إن هذا الخطاب يكلّف تركيا خسائر كبيرة سواء لناحية عزلتها في محيطيها الإقليمي والدولي أو لناحية استمرار الهزّات التي تعصف باقتصادها.
في المشهد الداخلي التركي، أوشك نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والاقتصاد الأسبق علي بابا جان، المدعوم من رئيس الجمهورية السابق عبد الله غُل، على إطلاق حزبه الجديد بعد استقالته من حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي كان أحد مؤسسيه. وعلى الخطى نفسها، يسير رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو في طريق إعلان حزبه الجديد.
مولد الحزبين المرتقبين يشكل أوسع حركة انشقاق لرفاق إردوغان القدامى الذين شاركوه تأسيس حزب العدالة والتنمية، وكانوا من عوامل قوته خلال سنوات ازدهاره، وذلك قبل أن يبدأ رحلة تراجعه التي بلغت ذروتها منذ التوجه إلى إقرار النظام الرئاسي عبر الاستفتاء في أبريل (نيسان) 2017 ثم الانتخابات المحلية في نهاية مارس (آذار) الماضي. وفي الأخيرة، كما هو معلوم، تكبّد حزب إردوغان خسائر موجعة في كبريات الولايات التركية وفي مقدمتها المعقل الأهم (إسطنبول).
- نفق مظلم
لخّص علي بابا جان الوضع الذي وصلت إليه تركيا مع انفراد إردوغان بالحكم في ظل النظام الرئاسي الجديد. وكان هذا النظام قد دخل حيز التنفيذ عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة التي أجريت في 24 يونيو (حزيران) 2018. ووفق كلام بابا جان فإن البلاد شهدت تعاظم الأزمات في جميع المجالات.
وجاء ظهور بابا جان أخيراً، وهو أول ظهور إعلامي له منذ ما يقرب من 5 سنوات، ليردّ على كثير من التساؤلات بشأن ما إذا كانت جهود إطلاق الحزبين الجديدين قد توارت، أو أن رفاق إردوغان القدامى صرفوا النظر عن مشاريعهم، وهذا بعدما استعاد إردوغان بعض شعبيته المفقودة من خلال إعادة شحن الشعور القومي خلال فترة عملية «نبع السلام» العسكرية في شمال شرقي سوريا.
جاء حديث بابا جان، في مقابلة مع قناة «خبر تورك» الإخبارية. وفيه كشف أن جهوده وفريقه لإطلاق حزبهم الجديد مستمرة و«أنها بلغت أمتارها الأخيرة»، وأن الحزب وبرنامجه سيتبلوران مع حلول نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري، من ناحية. ومن ناحية ثانية، سلّط الحديث الضوء مرة أخرى، وبوضوح تام، على أسباب انفصال بابا جان عن حزب إردوغان وإطلاق حزبه بتأكيده أن «تركيا دخلت في نفق مظلم في جميع المجالات بسبب حكم الرجل الواحد الذي أضر بالبلاد»، من الناحية الأخرى.
وتابع بابا جان أنه استقال من حزب العدالة والتنمية الحاكم، في يوليو (تموز) الماضي، بعد خلافات عميقة «عندما وجد انحرافاً من الحزب في القيم، وليس في المبادئ فقط، فضلاً عن التعسف في اتخاذ القرارات داخل الحزب». وأضاف: «الأزمات تعاظمت في كل المجالات، وشعرنا أن البلاد دخلت نفقاً مظلماً مع تزايد مشاكلها في كل قضية كل يوم... وبالتالي بدأنا جهودنا لإنشاء حزب جديد».
تحاشى الوزير السابق اللامع، الذي يتسم بأسلوبه الهادئ الرصين ونظرته العميقة للأوضاع في البلاد، انتقاد إردوغان بشكل مباشر، رغم هجوم إردوغان عليه وعلى كل من انشقوا أو استقالوا من الحزب ووصفهم بالخونة، غير أنه كرّر مرات خلال اللقاء أن «غياب الديمقراطية في ظل حكم الرجل الواحد أضر بالبلاد». وتابع بابا جان، الذي كان أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم وأصغر وزير خارجية في تاريخ تركيا - إذ تولى المنصب وعمره 36 سنة فقط - ثم إنه كان نائباً لإردوغان عندما كان رئيساً للوزراء ومسؤولاً عن الملف الاقتصادي بالكامل حتى عام 2013، فقال: «اقتضى الأمر الخروج بتحدٍ جديدٍ (في إشارة إلى تأسيسه حزباً جديداً) لحل المشكلات والأزمات التي تواجهها البلاد. انسلخنا عنه (الحزب الحاكم) مخافة أن نشارك في إلحاق ضرر بالبلاد ونظامها».
- العودة إلى الديمقراطية
علي بابا جان أجاب عن كثير من التساؤلات التي تشغل الشارع التركي، ومنها دور الرئيس السابق عبد الله غُل في الحزب الجديد. ثم أشار إلى أن «الاستعدادات جارية على قدم وساق لإطلاق الحزب، والرئيس غُل أكد من قبل أنه لا يرغب في أن يكون له أي منصب بالحزب الجديد، لكنه يدعمنا من الخارج بخبراته وتجاربه، لأن رؤيته تتفق مع رؤيتنا قلباً وقالباً، وأنا ألتقي به في الشهر مرة أو مرتين... لن يشارك بنشاط في الحزب لكنه يعمل مستشاراً أو أخاً كبيراً».
وتابع: «كذلك فإننا نلتقي بكل من لهم مكانة سياسية لها اعتبارها في تركيا، وهدفنا الاستفادة من جميع الخبرات، والوصول إلى كيان نستطيع من خلاله تمثيل مختلف أطياف المجتمع».
ثم قال: «ستتواصل استعداداتنا حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وسنقطع خلال هذه الفترة مسافة جديدة، ونأمل أن نصل إلى نقطة جيدة في هذا الصدد. إننا نرغب في أن تتشكل سياسة الحزب الجديد بمشاركة الجميع ممن يسيرون معنا».
في أي حال، ظهور بابا جان في هذه المقابلة، بعد استقالته من حزب العدالة والتنمية في يوليو (تموز)، كان لافتاً. ولقد أرجع البعض خطوته السياسية إلى خلافات عميقة حول رؤية الحزب للمشاكل التي تمر بها البلاد. ولفت نفر من هؤلاء إلى «انحراف حزب إردوغان عن مبادئه وتراجع الاقتصاد والديمقراطية والحريات، وشعور بابا جان بحاجة الأجيال الجديدة في تركيا إلى حركة جديدة تعبر عن تطلعاتهم للمستقبل». ورأى هؤلاء في هذا أنه اختراق كبير لحصار إعلامي خانق من جانب وسائل الإعلام التي تتركز غالبيتها العظمى في يد حزب إردوغان.
بابا جان، فعلاً أعرب عن رغبته في إعادة بعض السلطات إلى البرلمان والعدول عن التعديلات الدستورية الأخيرة التي أدخلت في عام 2017، والتي مكنت الرئيس رجب طيب إردوغان من إحكام قبضته على البلاد عبر النظام الرئاسي الذي طبق العام الماضي. ومما قاله في هذا الصدد: «ليس من الصحيح استمرار النظام السياسي الحالي... نحن نعمل على إنشاء نظام برلماني مناسب، يعطي الأولوية لفصل السلطات ولعمليات التدقيق والتوازنات»، مشيراً إلى أنَّ تركيا تعاني من مشكلة فيما يتعلّق بحرية التعبير وقضايا العدالة والاقتصاد. ومعلوم أن بابا جان كان قد عمل في الحكومة خلال الفترة التي نما فيها الاقتصاد التركي 3 أضعاف عقب الأزمة المالية عام 2001. وفي حينه، شهدت تركيا طفرة اقتصادية غير مسبوقة قبل أن تعود إلى مسار التراجع الذي وصل إلى ذروته بدءاً من العام الماضي.
- خطوات أسرع لداود أوغلو
وبخطوات أسرع، يواصل رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو وضع اللمسات الأخيرة على مشروع حزبه الجديد. وعنه يقول مقربون منه إنه سيخرج إلى النور قبل بداية العام الجديد، وإنه تم بالفعل استئجار المباني والمقر الرئيسي للحزب في أنقرة، بالإضافة إلى مركز مؤقت لفرع الحزب في إسطنبول.
داود أوغلو كان قد شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2014 و2016 قبل أن يختلف مع إردوغان. ولقد وجه هذا العام انتقادات حادة للرئيس إردوغان والإدارة الاقتصادية لحزب العدالة والتنمية، متهماً إياهم بتقويض الحريات الأساسية وحرية الرأي والديمقراطية.
وفي 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلن داود أوغلو تقديم استقالته من حزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيا منذ عام 2002. وقال في ذلك الوقت، إن الحزب لم يعد قادراً على حل مشاكل البلاد، ولم يعد يسمح بالحوار الداخلي فيه. وانضم إليه بعض الشخصيات السياسية السابقة، وعدد من المسؤولين الكبار في القطاع العام المتوقع أن يلعبوا أدواراً مهمة في حزبه.
ومن ثم، يلقى تحرك بابا جان وداود أوغلو ترحيباً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية بسبب تدهور وضع الحريات والحقوق الأساسية والضغوط الاقتصادية الكبيرة التي يعانيها السواد الأعظم من الشعب التركي. وفي قمة المصاعب الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد في السنوات الخمس الأخيرة، والتي بلغت ذروتها مع انهيار الليرة التركية في أغسطس (آب) 2018.
- تعقيدات خارجية
وسط هذه التطورات الداخلية تتواصل التعقيدات في كثير من الملفات الخارجية في مقدمتها الخلافات المعلقة بين أنقرة وواشنطن في كثير من الملفات. في مقدمة هذه الملفات إصرار تركيا على المضي قدماً في تشغيل منظومة الصواريخ الروسية «إس 400»، وهو ملف ينتظر الاشتعال في أي وقت حال قررت واشنطن فرض عقوبات على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا بالعقوبات «كاتسا» الذي يعاقب به من يتعاملون في مبيعات كبيرة للسلاح مع روسيا.
وكانت تركيا قد أجرت أخيراً أولى التجارب على المنظومة بتنفيذ طلعات جوية تجريبية بطائرات «إف 16» لاختبار نظام الرادارات في المنظومة الروسية. وهو أمر جدّد غضب واشنطن التي عبرت عن قلقها من هذه التجارب، ودفعها بالتعهد لبحث الأمر خلال اجتماعات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لندن. ولقد أكدت وتؤكد واشنطن دائماً قلقها من استخدام تركيا هذه المنظومة التي لا تتناسب مع أنظمة الناتو الدفاعية ومقاتلات «إف 35» الأميركية.
- عقوبات محتملة
وفي هذا الاتجاه، دعا السيناتور الأميركي الديمقراطي كريس فان هولين، إلى فرض عقوبات على تركيا فوراً بعد أن أجرت تجارب على منظومة «إس 400»، ومواصلتها ارتكاب جرائم في مناطق الأكراد في شمال سوريا. وقال هولين إنه «بعد أسبوعين من زيارته البيت الأبيض، كان إردوغان يحشر أنفه مع الرئيس دونالد ترمب والولايات المتحدة والناتو، ويعبر خطاً أحمر آخر باستخدام صواريخ (إس 400) الروسية... القانون الحالي يتطلب من ترمب فرض عقوبات على تركيا، يجب على وزير الخارجية مايك بومبيو أيضاً مواجهة تركيا بشأن انتهاكاتها الأخيرة (للمنطقة الآمنة) والهجمات ضد الأكراد».
وعن تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، التي أعرب فيها عن القلق بشأن التجارب التي أجرتها تركيا الاثنين والثلاثاء الماضيين على منظومة «إس 400»، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: «إننا لم نشترِ هذا المنتج كي نحتفظ به في المستودع، نحن بحاجة إليه... نواصل الحديث مع الولايات المتحدة حول منظومة (إس 400) لكن لا يمكننا قبول أسلوب قائم على الإملاءات». ومن جانبه، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن بلاده ستبحث عن بدائل في حال لم تحصل على مقاتلات «إف 35» الأميركية، مؤكداً أن أنقرة ستفعل منظومة «إس 400» الروسية بشكل مستقل عن منظومات حلف «الناتو».
وتسلمت تركيا الدفعة الأولى من المنظومة الروسية في يوليو (تموز) الماضي، لكنها أعلنت على لسان إردوغان، أنه سيتم تشغيلها بالكامل، خلال أبريل (نيسان) المقبل، في حين تطالب واشنطن بعدم استخدامها لتنافرها مع أنظمة الناتو الدفاعية ومقاتلات «إف - 35» الأميركية التي تسعى تركيا حتى الآن للحصول عليها.
- التقارب مع روسيا
وفي حين يستمر التوتر مفتوحاً مع الولايات المتحدة بسبب صفقة «إس 400»، فإن الصفقة نفسها تشكل إحدى ركائز التقارب التركي - الروسي، الذي يمتد أيضاً إلى التنسيق في سوريا سواء فيما يتعلق بإدلب أو شرق الفرات أو العملية السياسية المتأرجحة، فضلاً عن العلاقات الثنائية التي يسعى الطرفان للحفاظ على قوة الدفع فيها لارتباطهما بمصالح اقتصادية أبرز جوانبها التنسيق في مجال الطاقة.
لكن مراقبين يرون، مع ذلك، أن روسيا تتحرك في سوريا انطلاقاً من رؤيتها التي فرضتها على تركيا، والتي سمحت للنظام بالعودة إلى جنوب إدلب ومناطق شرق الفرات التي ترغب تركيا في إقامة منطقة آمنة واسعة فيها تحت سيطرتها. لكن روسيا تعمل في اتجاه تقييد هذه الرغبة وحصر التحركات التركية في نطاق ضيق لا يزيد كثيراً على الاحتياجات الأمنية التي يغطيها «اتفاق أضنة» الموقع بين تركيا وسوريا في 1998.
- تصعيد للأزمات
ويبدو أن أزمات السياسة الخارجية لتركيا لا تتوقف عند حد، فبشكل مفاجئ وقعت تركيا مع «حكومة الوفاق» الليبية برئاسة فايز السراج مساء الأربعاء الماضي، مذكرتي تفاهم تتعلقان بالتعاون العسكري وتحديد مناطق الولاية البحرية. وأثار هذا الاتفاق العسكري اعتراضات واسعة على المستويين الإقليمي والدولي، فأي اتفاقات تتعلق بالتسليح في ليبيا تشكل خرقاً لقرارات مجلس الأمن بفرض حظر السلاح.
أما الاتفاق البحري فإنه يشكل أمراً غير مفهوم للمتابعين في ظل عدم وجود حدود بحرية مشتركة بين تركيا وليبيا، ما أثار التساؤلات حول الهدف منه في ظل الأزمة التي أشعلتها تركيا مع الأطراف الإقليمية والدولية ودول منطقة شرق البحر المتوسط ممثلة في مصر واليونان وقبرص التي وقعت اتفاقية لترسيم الحدود البحرية فيما بينها، عبر عمليات تنقيب بحري عن النفط والغاز الطبيعي. وفي حين تقول قبرص إنها تقع ضمن منطقتها الاقتصادية الخالية تتمسك تركيا بأنها تقع ضمن جرفها القاري وبأنها تقوم بهذه العمليات للدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك في الشطر الشمالي الجزيرة القبرصية.
الخطوة التركية مع «حكومة الوفاق» أثارت غضباً داخلياً في ليبيا من جانب «الحكومة المؤقتة» في شرق البلاد، وغضباً إقليمياً لدى الدول صاحبة الحق القانوني في المنطقة، والاتحاد الأوروبي الذي بدأ بالفعل فرض حزم تدريجية من العقوبات على تركيا التي يؤكد أنها تقوم بعمليات غير قانونية في شرق المتوسط.
أيضاً، يثير اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين التركي والليبي قلق دول شرق المتوسط، التي دعمتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي في تأسيس منتدى «غاز شرق المتوسط» بمبادرة من القاهرة، التي توترت علاقتها بأنقرة منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في 2013.
ولقد أقر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أوائل الشهر الماضي، بالإجماع، الإطار القانوني الذي يسمح بفرض عقوبات على تركيا، نتيجة تنقيبها غير الشرعي عن الغاز في السواحل القبرصية واليونانية. ويرى مراقبون أن تركيا أرادت بهذه الخطوة استباق المؤتمر الدولي المرتقب في برلين حول السلام في ليبيا، لإدخال نفسها طرفاً مؤثراً في المعادلة الليبية.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».