سجين في غوانتانامو يوثق تعذيبه برسومات ذاتية

{أبو زبيدة} قيادي «القاعدة» أول شخص يتعرض للإيهام بالغرق

أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)
أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)
TT

سجين في غوانتانامو يوثق تعذيبه برسومات ذاتية

أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)
أبو زبيدة سجين «القاعدة» (الشرق الأوسط) - رسومات أبو زبيدة كشفت عن وحشية الأساليب التي اتبعها «سي آي إيه» مع سجناء «القاعدة» (نيويورك تايمز)

أظهر رسم لمعتقل بسجن غوانتانامو سجيناً عارياً مربوطاً بقماش غطى جسده بالكامل وقد سُجي على طاوله، ويجرى سكب الماء على وجهه بواسطة محقق لا يظهر في الرسم.
ويُظهر رسم آخر سجيناً مكبل اليدين، وهما مثبتتان في قضبان مرتفعة فوق رأسه، ما اضطره للوقوف على أطراف أصابعه، ويظهر بوضوح جرح طويل على ساقه اليسرى، ويصرخ من شدة الألم، فيما يُظهر رسم آخر محتجزاً يضرب رأسه بالحائط. تعتبر الرسومات التي رسمها المعتقل المعروف باسم أبو زبيدة صوراً ذاتية للتعذيب الذي تعرض له خلال السنوات الأربع التي قضاها في سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية.
تُنشر هذه الصور الغاضبة والشخصية للغاية للمرة الأولى، لتضع النقاط على الحروف، فيما جرى تداوله بأسلوب غير دقيق، لتوضح ما يعرف باسم «تقنيات الاستجواب المعززة» التي تستخدمها الولايات المتحدة في سجون خارجية سرية خلال ملاحقة محمومة تابعة لتنظيم «القاعدة» بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
في كل رسم توضيحي يصور أبو زبيدة الذي يعتقد أنه من قادة «القاعدة»، وهو أول شخص يخضع لبرنامج الاستجواب الذي اعتمدته إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، تقنيات بعينها، يقول إنها طبقت عليه في أحد المواقع التابعة لـ«سي آي إيه» في تايلاند، في أغسطس (آب) 2002.
أظهرت الصور كيف أنه بعد مرور أكثر من عقد على قيام إدارة أوباما بحظر البرنامج، استمرت الإدارة في رفع السرية عن دراسة قدمت إلى مجلس الشيوخ لتكشف عن وحشية الأساليب التي اتبعتها «سي آي إيه» وكيف أن الفصل الأخير لها لم يكتب بعد.
قام أبو زيد (48 عاماً) العام الحالي من خلال محاميه مارك دينبو أستاذ القانون بجامعة ستون هول في نيويورك، وبمساعدة بعض طلابه، بجمع رسوماته «غوانتانامو» لإدراجها في تقرير من 61 صفحة، بعنوان «كيف تعذّب أميركا؟».
يستخدم التقرير روايات مباشرة، ومذكرات داخلية لإدارة بوش، وروايات السجناء، وتقرير لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ لعام 2014، لتحليل برنامج الاستجواب. جرى إعداد البرنامج في البداية خصيصاً لأبو زبيدة، الذي كان يُعتقد خطأ أنه ضمن كبار قادة تنظيم «القاعدة».
وأُلقي القبض علي أبي زبيدة في معركة بالأسلحة النارية بمدينة فيصل آباد، في باكستان، في مارس (آذار) 2002. وأصيب بجروح خطيرة، بما في ذلك إصابة بالغة في فخذه اليسرى، وأرسل إلى شبكة السجون الخارجية التابعة لـ«سي آي إيه».
بعد نقاش داخلي حول ما إذا كان يتعين الاستعانة بمحققي مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، تقرر الاستعانة باثنين من علماء النفس لوضع برنامج بات محظوراً الآن، يستخدم العنف والعزلة والحرمان من النوم، مع أكثر من 100 رجل في مواقع سرية، وصف بعضها بأنها زنزانات يعمل بها حراس سريون وأطباء عسكريون.
بدأت تفاصيل الأساليب المتبعة تتسرب منذ أكثر من عقد، وتضمن بعضها تفاصيل مخيفة، وجرى تصوير بعضها باستخدام الرسومات. لكن هذه الرسومات التي جرى نشرها حديثاً صورت تقنيات «سي آي إيه» التي جرى الموافقة عليها، ووصفها، وتصنيفها في المذكرات التي أعدتها إدارة بوش عام 2002 والتي تضمنت التصورات الشخصية للسجين الذي تعرض للتعذيب، وكان هذا الشخص هو أبو زبيدة، فلسطيني الجنسية، اسمه الحقيقي زين العابدين محمد حسين.
وكان أول شخص يتعرض للإيهام بالغرق من قبل «سي آي إيه»، وتكرر ذلك 83 مرة، وكان أول من حشر في صندوق صغير، في إطار ما وصفته دراسة أعدتها جامعة سيتون هول بـ«وابل دائم الدوران»، وهو ضمن الأساليب التي تهدف إلى كسر قدرته على المقاومة. وأظهرت المعلومات اللاحقة أنه رغم كون أبو زبيدة جهادياً، فإنه لم يكن على علم مسبق بهجمات 11 سبتمبر، ولم يكن عضواً في تنظيم «القاعدة». لم يُوجه إلى المعتقل أي اتهام بارتكاب جريمة، وتظهر الوثائق الصادرة من خلال المحاكم أن المدعين العسكريين ليست لديهم أي خطط للقيام بذلك.
فبينما كان محتجزاً في أكثر السجون سرية، والذي يحمل اسم «كامب 7»، قام المعتقل برسم تلك المخططات، ليس كعمل فني، مع العلم أن الإفراج عن هذه الرسومات محظور حالياً، لكن كمواد قانونية تمت مراجعتها وتنقيحها لإدراجها في الدراسة. وقد جرى نشر رسومات أخرى رسمها السجين نفسه العام الماضي بمجلة ProPublica.
في هذا الرسم، قام السجين برسم نفسه عارياً على لوح التعذيب بالإيحاء بالغرق، بينما يجري سكب الماء على رأسه المغطى، وقدمه اليمنى ملتوية.
تُظهر الرسوم الشخصية لأبو زبيدة أيضاً تفاصيل التصميم، غير الموجودة في معظم الرسوم، وهي مفصلية منسدلة لإمالة رأس السجين للخلف، بينما القيود مثبتة على فخذه الجريحة.
وأظهرت دراسة لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ حول برنامج تقنيات الإغراق بالمياه وغيرها من التقنيات أنها كانت «وحشية وأسوأ بكثير مما صورته (سي آي إيه)؛ حيث تعرض أبو زبيدة للتشنجات والقيء، ما تسبب في غيابه عن الوعي تماماً وخروج فقاعات من فمه المفتوح بالكامل».
وفي تقرير رفعت عنه السرية الآن قدّمه محاميه عام 2008، وصف أبو زبيدة أولى جلسات الإيهام بالغرق التي بلغت 83 جلسة، وقال: «لقد استمروا في سكب الماء مع التركيز على أنفي وفمي حتى شعرت حقاً أنني غرق، وكان صدري على وشك الانفجار من نقص الأكسجين». ورسم نفسه عارياً ومقيداً بالأصفاد على قضيب فوق رأسه، مضطراً للوقوف على أطراف أصابعه. في روايته، حسبما ذكر محاموه، كان لا يزال يتعافى من جرح أحدثته عمليات التعذيب عل يد «سي آي إيه»، وصف بأنه جرح كبير في فخذه، وحاول موازنة وضعه وقوفاً بالاستناد على الساق الأخرى.
وقال لمحاميه: «مرت ساعات طويلة بينما كنت واقفاً في هذه الوضعية. كانت يداي مثبتتين بالقضبان العليا».
وقال إن بعض الحراس «لاحظوا لون يدي»، ونقلوه إلى كرسي «واستؤنفت دائرة الاستجواب؛ البرد والجوع وقلة النوم والقيء الشديد، وهو ما لم أكن أعرف إن كان بسبب البرد أم غيره».
ذكر أبو زبيدة أن الوكلاء استخدموا طريقة «الحرمان الأفقي من النوم» التي تعتمد على تكبيله بالأصفاد على الأرض في وضعية مؤلمة تجعل من المستحيل النوم.
فيما برر «سي آي إيه» حرمانه من النوم بقوله إنه «يركز انتباه المحتجز على وضعه الحالي بدلاً من الأهداف الآيديولوجية». وعند اعتماد تلك التقنيات في أغسطس 2002، أفاد جاي بايبي، نائب المدعي العام، بأنهم ذكروا أنهم «لن يحرموا أبو زبيدة من النوم لأكثر من 11 يوماً في كل مرة».

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

أوروبا صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي - أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب) p-circle

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا والسلطات تكشف تورط سياسيين وضباط في هجمات السبت ضد باماكو

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز) p-circle

مالي تتهم ضباطاً بالجيش وسياسيين بالتواطؤ مع الانفصاليين في الأحداث الأخيرة

مالي تتهم ضباطاً بالجيش وسياسيين بالتواطؤ مع الانفصاليين والجماعات المسلحة التي قد تشن هجمات على البلدان المجاورة.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب) p-circle

المتمردون في مالي يمددون سيطرتهم... و«القاعدة» يدعو إلى «جبهة مشتركة»

انسحاب الجيش المالي وقوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من قاعدة عسكرية استراتيجية في أقصى شمال مالي، في تطور جديد يكرِّس هيمنة المتمردين على الشمال.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

مقتل 3 مدنيين في هجوم لجماعة «بوكو حرام»

اقتحم مسلحون من جماعة «بوكو حرام»، مساء الخميس، قرية كاوتيكاري التابعة لمنطقة شيبوك، في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، وقتلوا 3 أشخاص على الأقل.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا رسم لمثول المتّهم عيسى سليمان أمام المحكمة، يوم 1 مايو 2026 (رويترز)

مثول رجل أمام المحكمة في قضية طعن يهوديين في لندن

وجّهت الشرطة البريطانية، الجمعة، تهمتين بالشروع في القتل لرجل يبلغ من العمر 45 عاماً، على خلفية هجوم تعرّض خلاله رجلان يهوديان للطعن في غولدرز غرين بشمال لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 وفيات على متن سفينة سياحية جراء تفشٍّ محتمل لفيروس «هانتا»

السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)
السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)
TT

3 وفيات على متن سفينة سياحية جراء تفشٍّ محتمل لفيروس «هانتا»

السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)
السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)

أعلنت «منظمة الصحة العالمية»، الأحد، وفاة 3 أشخاص على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي، تأكدت إصابة أحدهم بفيروس «هانتا».

وأكدت «منظمة الصحة العالمية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه «حتى الآن، تم تأكيد حالة إصابة واحدة بفيروس (هانتا) مخبرياً، وهناك 5 حالات أخرى مشتبه بها». وأضافت: «من بين المصابين الستة، توفي ثلاثة، بينما يرقد المصاب السادس حالياً في العناية المركزة في جنوب أفريقيا».

كانت وزارة الصحة في جنوب أفريقيا قد أعلنت، في وقت سابق الأحد، وفاة شخصين إثر تفشي «مرض تنفسي حاد» على متن سفينة سياحية، ونُقل شخص ثالث إلى العناية المركزة في مستشفى بجوهانسبرغ.

وسُجلت حالات الإصابة على متن السفينة «إم في هونديوس» التي غادرت أوشوايا في الأرجنتين متوجهة إلى جمهورية الرأس الأخضر.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة فوستر موهالي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن نتيجة فحص المريض الذي يتلقى العلاج في جوهانسبرغ أكدت إصابته بفيروس «هانتا»، وهو من عائلة الفيروسات التي تسبب الحمى النزفية.

السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)

ووفقاً للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ينتشر فيروس «هانتا» من طريق القوارض، خصوصاً عبر ملامسة بولها وبرازها ولعابها.

وأول من ظهرت عليه الأعراض راكب يبلغ 70 عاماً. وتوفي على متن السفينة، وجثمانه موجود حالياً في جزيرة سانت هيلينا، وهي إقليم بريطاني في جنوب المحيط الأطلسي، وفق موهالي.

وأضاف المتحدث أن زوجة المتوفى البالغة 69 عاماً أصيبت بعوارض أيضاً على متن السفينة، وتم نقلها إلى جنوب أفريقيا، حيث توفيت في أحد مستشفيات جوهانسبرغ، مشيراً إلى أن السلطات لم تتمكن بعد من تحديد جنسية الضحيتين.

وتتعلق الإصابة الثالثة ببريطاني يبلغ 69 عاماً تم إجلاؤه أيضاً إلى جوهانسبرغ، حيث يتلقى العلاج في العناية المركزة.

والسفينة «إم في هونديوس» مدرجة كسفينة للرحلات القطبية على مواقع العديد من وكالات السفر. وتُشغلها شركة «أوشن وايد إكسبيديشنز» السياحية ومقرها في هولندا. وتتسع السفينة لنحو 170 راكباً، ويعمل على متنها طاقم من نحو 70 شخصاً.


الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
TT

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

ويزور تشارلز موقع مرصد جديد تابع للوكالة في الجزيرة للاستماع إلى معلومات بشأن مبادرة الإشراف على تركيب شبكة عالمية من التلسكوبات، عبر خمسة مواقع، للمساعدة في تتبع الأقمار الاصطناعية القديمة، ومراحل الصواريخ، وغيرها من الأجسام، وفقاً لوكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وخلال يومه الأخير في برمودا، يفتتح الملك أيضاً محطة خفر السواحل الجديدة في خليج جريت باي، حيث سيستمع إلى العمل الحاسم الذي يقوم به خفر السواحل التابع لفوج برمودا الملكي في حماية المياه الإقليمية للجزيرة، وحماية بيئتها البحرية.

كما يشاهد ملك بريطانيا قطعتين جديدتين من التكنولوجيا التي يستخدمها الفوج -وهما مركبة مسيرة تعمل تحت الماء، ومركبة جوية مسيرة.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟