دليلك إلى تغيير العالم

إقبال متزايد على كتاب منظّر تقنيات اللاعنف

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية
TT

دليلك إلى تغيير العالم

الانتفاضة اللبنانية
الانتفاضة اللبنانية

الطلب يتزايد على كتاب «مخطط للثورة»، للناشط الصربي الشهير سيرخا بوبوفيتش (وزميله ماثيو ميللر)، بعد 4 سنوات على صدوره (2015)، ولذا فقد أطلق ناشره الأميركي لتوه طبعة خامسة من النسخة الإنجليزية، كما ترجمات له بالفرنسية والألمانية والصربية والكورية. وهذا الإقبال يعكس، لا شك، فضولاً عاماً بين جمهور متزايد تجاه فلسفة الثورات الملونة اللاعنفية التي أسقطت منذ بداية هذا القرن أنظمة غير ما دولة، لا سيما في شرق أوروبا: صربيا وجورجيا وأوكرانيا، أو تسببت بزلازل سياسية عميقة داخل دول أخرى: ما سمي الربيع العربي، كما حراكات «احتلوا»، و«ثورات المناخ»، و«استقلال» برشلونة، وأيضاً «الثورات» الجارية حالياً ضد الأنظمة في العراق ولبنان وهونغ كونغ، وغيرها. قراء بوبوفيتش ينقسمون إلى نوعين لا ثالث لهما: طلاب ثورات ملونة يبحثون عن إلهام، أو منتقدون ينقبون عن وسائل لإدانة الثوريين الجدد، وطرائق مواجهتهم، لكن الطرفين مع ذلك يبدوان - بحكم مبيعات الكتاب - متفقين على أهمية ما يقوله الرجل.
اكتسب بوبوفيتش سمعته، كخبير ثورات ملونة، بعد أن نجح وزملاؤه منسوبو حركة المقاومة الصربية (أتبور) في حراكهم اللاعنفي عام 2000 ضد حكم الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش. قبلها، كان مجرد عازف جيتار مغمور بالمشهد الثقافي البوهيمي الطابع ببلغراد نهاية التسعينات. الموسيقيون كانوا وقتها الصوت الأعلى تجاه انتقاد النظام الصربي الحاكم، عبر أغانٍ شبابية اتسمت ببذاءة ملحوظة، وتدريجياً وجد بوبوفيتش نفسه أكثرهم تفرغاً للتركيز على قيادة حراك معارض يحاول أن يستقطب طلاب الجامعات وجيل الشباب المتمرد عبر الأنشطة الموسيقية أساساً، بالنظر إلى صعوبة خوض نضالات عنفية ضد سلطة مدججة بالسلاح. لاحقاً، التقى بوبوفيتش مستشارين أميركيين عرفوه على أعمال البروفسور جين شارب الذي كان قد وضع ما يشبه مسرداً بـ198 تكتيكاً للثورات السلمية، في إطار فلسفة شاملة لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية بغير العنف المسلح، وعلى أساسها تحقق أول نجاح عملي على الأرض لما صار يعرف عند الصحافة والمتخصصين بالثورات الملونة.
ورغم أنه وزملاؤه في حركة «مقاومة» الصربية سقطوا من المشهد السياسي الصربي بعد الثورة، بعدما فشل مرشحوهم إلى البرلمان في الحصول على الحد الأدنى المطلوب من الأصوات، فإن تجربتهم في إدارة ثورة ناجحة منحتهم مصداقية لتأسيس «كانفاس» (مركز الأنشطة والاستراتيجيات اللاعنفية التطبيقية) CANVAS)) لتدريب الثوريين من الدول الأخرى ونقل الخبرات إليهم، الذي خرّج ناشطين كثراً من لبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان، وغيرها من دول العالم الثالث، إضافة إلى جولات بوبوفيتش لترويج كتبه عبر العواصم، ومحاضرات يلقيها في مختلف الجامعات المرموقة، بما فيها هارفارد نفسها بالولايات المتحدة.
وكتاب بوبوفيتش ينقسم إلى جزأين: بداية هناك كثير من دراسات الحالات الثورية، يستعيد فيها دروس النجاح والفشل، سواء من تجربة «مقاومة» في صربيا أو من دول أخرى: الصين (ميدان تيانانمين)، وبولندا (حركة تضامن في الثمانينات)، ومصر (حركة كفاية، ولاحقاً ثورة يناير)، وغيرها، بينما يقدم في نصفه الثاني نصائح عملية، وتكتيكات للثوريين الطامحين إلى زعزعة أنظمة الحكم في بلادهم.
ومع كثير التكتيكات المتناثرة عبر الكتاب، فإن الدرس الأساسي الذي يقدمه بوبوفيتش هو ضرورة تأسيس هدف واستراتيجية واضحة للعمل الثوري، يتم على أساسها اختيار أفضل الأنشطة المناسبة، التي يرى أن تبدأ دائماً صغيرة فاعلة مرحة لتجلب القطاع الأوسع من الجمهور، قبل التورط بالمظاهرات الضخمة والاعتصامات العامة. وهو يغرف في ذلك من أعمال البروفسور شارب، لا سيما لناحية التحليل الدقيق للأعمدة السياسية والاقتصادية التي تستند إليها منظومة السلطة، واستهداف تلك الأعمدة عبر التكتيكات المختلفة إلى أن يسقط النظام، دون تدمير الهيكلية الأساسية للدولة التي من المفترض أن تسقط لقمة سائغة في يد الثوار.
ويشدد بوبوفيتش كثيراً على حماية مبدأ السلمية مهما كان الثمن، لأن متحمساً أحمق يحمل مسدساً قد يفشل جهود عشرات الآلاف عبر أسابيع، ويمنح السلطات نوعاً من الحافز والشرعية لسفك الدماء، بينما ينفر الكتل الشعبية من العملية برمتها، نتيجة تشوش صور الضحية والمعتدي في الأذهان (تجربة سوريا وليبيا). كما يحذر من الاحتفال المبكر بالنصر (تنحي الرئيس حسني مبارك في مصر، دون تحقق تحول ديمقراطي)، أو التشرذم بعد تحقيقه (ثوار أوكرانيا المتنازعين بعد سقوط النظام)، أو التطرف في المطالب (كل شيء أو لا شيء على الإطلاق، كما ثوار ميدان تيانانمين)، أو الخلط بين الاستراتيجية والتكتيك (احتلال الساحات والمباني العامة في حراك «احتلوا» في الولايات المتحدة وأوروبا، كان يجب أن يكون تكتيكاً لا استراتيجية).
وصياغة نص الكتاب ممعنة بالمتعة، لوفرة القصص والأمثلة والإضاءات على أحداث سمعنا عنها أو عشناها، لكنه مع ذلك يتضمن نزعة لا تخفى لتعظيم الذات، والمبالغة في دور «مقاومة - أتبور» الصربية، ومعهد كانفاس في أحداث العالم المعاصر: فثورة بورما نجحت بعدما هرب أحدهم شريط «دي في دي» من حركة «مقاومة» إلى دير بوذي في قلب الأدغال، والمصريون خرجوا بملايينهم إلى ميدان التحرير بعدما تلقى ناشطون مصريون تدريبات على يد «كانفاس»، وغيرها من المبالغات السطحية الساذجة.
وللحقيقة، فإن محاولة احتكار فكرة اللاعنفية لـ«مقاومة» أو لـ«كانفاس» لا تخدم للكتاب قضية، فهناك تاريخ طويل لثوريين سلميين في القرن العشرين صنعوا فرقاً لمجتمعاتهم: غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينغ وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وحركة المقاطعة لنظام جنوب أفريقيا العنصري، وغيرها. وكثير من التكتيكات التي يقترحها بوبوفيتش (ومعهد كانفاس) إنما هي مستلهمة من أنشطة فاعلة قامت بها تلك الحراكات الرائدة قبل الثورة الملونة بعقود. كما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان الجهد النظري الهائل الذي قام به البروفسور الأميركي جين شارب منذ 1992 حتى وفاته (2018) في هذا المجال، والذي اعتمده المستشارون والقادة الثوريون كدليل عمل يرجعون إليه عند إطلاق ثوراتهم الملونة. وقد أجرت إريكا تشينويث وزميلتها مسحاً شاملاً لـ323 صراعاً طوال القرن العشرين، عنفية ولاعنفية، وتوصلتا إلى قناعة بأن فرص نجاح الحراكات اللاعنفية على العموم أعلى إحصائياً (53 في المائة)، بمعدل أكثر من الضعف لفرص نجاح تلك العنفية (23 في المائة)، محذرتين في الوقت ذاته من أنه لا وصفة أكيدة للنجاح، وأنه في بعض الحالات (مثل الجزائر وكوبا مثلاً، كان يستحيل عملياً تحقيق انتصار على الأنظمة القائمة من دون حمل السلاح).
كما لا يجدر أن يغيب عن ذهن المراقب المنصف دور الدعم الغربي، سواء الاستخباراتي أو المادي أو الإعلامي منه، في إطلاق معظم الثورات الملونة، ونجاح بعضها، ومنها في الصدارة بالطبع ثورة صربيا 2000. وهو أمر إنكاره لم يعد يجدي نفعاً، بعدما توفرت في ذلك شهادات ووثائق كثيرة. لكن تساؤل اللحظة الراهنة هو عن معنى مثل ذلك الدعم، وهل يرتبط بالتزامات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية حال نجاح الثورة؟ الثوريون بالطبع يقولون إنهم بحاجة للدعم من دول العالم «الديمقراطي» لتعظيم فرص نجاح حراكاتهم الشعبية التي من دون الضغط الإعلامي والدبلوماسي من الولايات المتحدة وكثير من الدول الكبرى ستنتهي غالباً إلى الفشل، وأنهم سيأخذون مثل ذلك الدعم وقت الشدة في تقرير مواقفهم السياسية وانحيازاتهم في مرحلة ما بعد الثورة، بينما تبرر الولايات المتحدة وبقية حكومات الغرب بأنها عبر دعمها للثورات الملونة تساند نضالات الشعوب للتحرر من الأنظمة الديكتاتورية، والتحول إلى الديمقراطية، وهي بالطبع مواقف تسمح للأنظمة بتوجيه تهم العمالة والخيانة للحراكات وللقائمين عليها، مهما كانت مطالبهم عادلة مستحقة. بوبوفيتش، الثرثار ذو الجعبة المتخمة بالقصص والأمثولات، يصمت تماماً أمام هذي المفارقة الصعبة، رغم أنها قد تكون تحديداً سر نجاح الثورة أو فشلها.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).