تجار التجزئة الأميركيون يخوضون سباقاً بلا نهاية للحاق بـ«أمازون»

ارتفعت المبيعات... لكن هوامش الربح انخفضت

أحد مستودعات «أمازون»  (أ.ف.ب)
أحد مستودعات «أمازون» (أ.ف.ب)
TT

تجار التجزئة الأميركيون يخوضون سباقاً بلا نهاية للحاق بـ«أمازون»

أحد مستودعات «أمازون»  (أ.ف.ب)
أحد مستودعات «أمازون» (أ.ف.ب)

يبذل تجار التجزئة في الولايات المتحدة الأميركية كل ما في وسعهم لمواكبة موقع «أمازون» للتجارة الإلكترونية، حيث تقدم سلسلة «ماسيز» عرضاً لتسليم الطلبات في اليوم نفسه، مع إمكانية إعادة البضائع التي تم شراؤها عبر الإنترنت للمتاجر، فيما بدأت سلسلة «كولز» في عروض «الجمعة السوداء» الخاصة بها قبل الحدث بأكثر من أسبوع، أما سلسلة «نوردستروم»، فتقوم بتقديم المشروبات للزبائن في قسم الأحذية النسائية بمتاجرها.
وصحيح أن هذه الاستراتيجيات قد حققت نجاحاً على أحد المقاييس، حيث إنه بعد مرور سنوات على الوقت الذي بدا فيه الأمر وكأن «أمازون» ستقوم بابتلاع هذه الصناعة، فإن مبيعات العديد من السلاسل القديمة الكبيرة مثل «ماسيز» و«كولز» قد استقرت إلى حد كبير، ولكن قد تكون هذه الانتصارات قصيرة الأجل، وذلك لأن تجار التجزئة قد وقعوا على ما يبدو في سباق لا نهاية له مع «أمازون»، فكلما زادت نفقاتهم من أجل المنافسة، انخفضت أرباحهم، وحتى عندما ينجحون في جذب العملاء، فإن «أمازون» يقوم بتوفير طرق جديدة لتقديم البضائع الرخيصة بأقصى سرعة وسهولة.
وتتساءل المسؤولة عن الائتمان في مؤسسة «موديز للتصنيف الائتماني»، التي يركز عملها على تجار التجزئة، كريستينا بوني، عما إذا كان ما يجري هو «سباق تسلّح لن يتوقف أبداً»؟ قائلة إن «هذا الأمر سيتم تحديده لاحقاً».
وليست شركة «أمازون» وحدها هي التي هزت صناعة البيع بالتجزئة، التي تبلغ قيمتها 3.6 تريليون دولار تقريباً، بل هناك أيضاً العشرات من الشركات الناشئة، المدعومة من قبل مستثمرين من القطاع الخاص لا يهتمون بالأرباح الفورية، التي باتت تؤثر على بضائع المتاجر الكبرى، متجراً تلو الآخر.
وقد باتت تكاليف هذا السباق تؤثر على كثير من تجار التجزئة، وذلك حتى في الاقتصاد القوي نسبياً، الذي من المتوقع فيه أن ينفق المستهلكون ببذخ خلال موسم التسوق في العطلات، والذي بدأ مع «الجمعة السوداء»؛ ففي الأسبوع الماضي، أعلنت «كولز» أن أرباحها الربع سنوية قد انخفضت بنسبة 24 في المائة، وأن أرباح العام ستكون أقل مما كان متوقعاً في السابق. وقد أدت هذه الشركات الجديدة، التي تعمل على البيع عبر الإنترنت، في السنوات الأخيرة، إلى إغلاق المتاجر وإفلاس الشركات البارزة مثل «سيرز»، و«تويز آر آص»، و«بارنيز نيويورك»، كما أنها تضغط على دائرة أوسع من تجار التجزئة الذين نجحوا في التكيف بشكل جيد مع عصر التسوق عبر الإنترنت، وقد تكون النتيجة أن يجد الأميركيون أنفسهم أمام أماكن أقل متاحة للتسوق.

مشاكل متعددة الأوجه
ويقول محلل البيع بالتجزئة في شركة «يو بي إس» للشحن، جاي سول، إن «بعض تجار التجزئة قد باتوا في موقف صعب، فقد ارتفعت المبيعات ولكن هوامش الربح انخفضت».
ومن أبرز الشركات التي تعرضت لضربات قاسية هي الشركات الكبرى التي تبيع الملابس والإكسسوارات، مثل «نوردستروم»، حيث تتحمل هذه الشركات تكاليف مزدوجة لتشغيل عمليات التجارة الإلكترونية السريعة والفعالة، مع إبقاء متاجرهم مفتوحة بشكل جذاب للزبائن.
وفي الشهر الماضي، افتتح «نوردستروم» متجراً جديداً عملاقاً جنوب سنترال بارك، وهو أكبر مشروع استثماري في تاريخ الشركة البالغ 118 عاماً، وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي تم افتتاح المتجر فيه، كانت الحشود ضخمة للغاية لدرجة أن المتسوقين الذين كانوا يرغبون في تجربة الأحذية كان عليهم أن يأخذوا رقماً لانتظار دورهم، كما لو كانوا في أحد مطاعم الوجبات السريعة.
ويمثل هذا المتجر العملاق، الذي يتكون من 7 طوابق، وهو أكبر من متجر «وولمارت سوبر سنتر»، إضافة لـ«نوردستروم للبيع بالتجزئة» في مانهاتن، مثل منافذ «نوردستروم راك»، وهو متجر لملابس الرجال، كما أنه يوفر فرصة لإرجاع السلع التي تم شراؤها عبر الإنترنت، ومع ذلك، فإن هامش الربح لـ«نوردستروم» يصل إلى ما يقرب من نصف ما كان عليه قبل 8 سنوات، وفي الأسبوع الماضي، أعلنت الشركة أن هوامش الأرباح قد تحسنت بشكل طفيف في الربع الثالث من العام الحالي حيث عملت الشركة على تخفيض النفقات، وذلك رغم انخفاض المبيعات.
وفي محلات «كولز»، فإن استراتيجية الفوز بالعملاء كانت أقل براعة، ولكنها ليست أقل تكلفة، حيث تعمل سلسلة المتاجر الكبرى على زيادة الخصومات لزيادة المبيعات قبل موسم العطلات. وبسبب عدم قدرتها على التغلب على «أمازون»، فقد حاولت «كولز» الانضمام إليها، حيث باتت الأخيرة تقبل المرتجعات الخاصة بـ«أمازون» في كثير من متاجرها البالغ عددها 1100 متجر، فضلاً عن قيامها بتعبئة وشحن بضائع «أمازون» مجاناً، وذلك في محاولة لجعل المزيد من الناس يتجولون عبر أبواب متاجرها، ويصف الرئيس التنفيذي لـ«كولز» هذه الشراكة بأنها «المبادرة الأكبر خلال العام».
معركة غير عادلة
ولم تكن المنافسة مع «أمازون» معركة عادلة أبداً، فقد لاقت هذه العملاقة إعجاب المستثمرين على مدى عقود من الزمان، وذلك من خلال النمو السريع حتى لو كانت الشركة تخسر أموالاً على الشحن، وعلى بناء مستودعاتها وتطوير أدواتها، حيث تدير «أمازون» أيضاً شركة حوسبة سحابية تمكنها من زيادة الأرباح الإجمالية للشركة، وأعلنت «أمازون» أن أرباحها انخفضت في الربع الأخير من العام الحالي بنسبة 28 في المائة وذلك بسبب زيادة الإنفاق على مبادرات الشحن خلال يوم واحد.
وفي الفترة التي سبقت موسم العطلات، أصبحت «أمازون» أكثر عدوانية، حيث قامت بتوسيع قائمة السلع التي سيتم شحنها مجاناً، خلال يوم واحد لعملائها المشتركين في خدمة «برايم»، ووفقاً لتحليل «مورغان ستانلي»، فإنه عادة ما يكون ثمن المنتج الذي يستوفي شرط الشحن خلال يوم واحد هو 8.32 دولار، فيما تنفق «أمازون» 10.59 دولاراً على تنفيذه وشحنه، مما يعني أن الشركة تخسر أموالاً في كثير من المبيعات، ولكن أمازون تحقق هدفاً أكثر قيمة، وهو الضغط على تجار التجزئة الآخرين لتقديم المستوى نفسه من الراحة للعملاء لإبقائهم لديهم.
ويُعدّ البيع بالتجزئة صناعة ضخمة، ولذا فإنه لا يتم فيها الضغط على كل الشركات، فقد تطورت سلاسل كبيرة مثل «وولمارت» و«تارغت» من متاجر كبيرة إلى متاجر تجزئة، ونجحت في تقديم وسائل الراحة نفسها التي توفرها «أمازون»، مثل التسليم في خلال يوم واحد.
وقد نجحوا في التوسع بسبب بيعهم لمجموعة واسعة من المنتجات مثل المواد الغذائية والأدوات المنزلية التي يضطر العملاء إلى شرائها بشكل منتظم، كما أن الحجم الهائل من البضائع التي يشترونها يتيح لهم فرصة الضغط على مورديهم لخفض تكلفة السلع التي يبيعونها، مما يوفر لهم الأموال اللازمة للاستثمار في التجارة الإلكترونية.
ولكن لا تزال لدى «أمازون» معظم المزايا بالنسبة للعملاء، حيث تقوم الشركة ببناء أسطولها الخاص من الطائرات وشاحنات النقل والبريد السريع، بينما يتعين على تجار التجزئة الآخرين مواجهة ارتفاع الأسعار لشحن البضائع عبر شركات مثل «فيد إكس» أو «يو بي إس».

معاناة طويلة
وقد ظلت سلسلة متاجر «ماسيز» في هذه الحلقة لسنوات، حيث تأسست في الخمسينات من القرن الماضي، واستغرقت عملية توسيع نطاق الشركة وافتتاح سلاسل المتاجر الإقليمية، وبناء متاجر جديدة في مراكز التسوق، أجيال كثيرة متعاقبة، وفي مواجهة ضغوط التجارة الإلكترونية، وبعد ملاحظتها لتقلص عدد العملاء في مراكز التسوق، قضت «ماسيز» السنوات القليلة الماضية في تفكيك تلك الإمبراطورية، حيث باعت بعض متاجرها الأكثر شهرة لجمع الأموال لإعادة استثمارها في أعمالها عبر الإنترنت، ولتحديث متاجرها المتبقية.
وبعد 3 سنوات متتالية من الخسائر، انتعشت مبيعات «ماسيز»، في العام الماضي، لكن من المتوقع أن ينخفض هامش التشغيل إلى 5 في المائة هذا العام عن المستوى المرتفع الذي بلغ 10.2 في المائة في عام 2014. وذلك وفقاً لـ«كابيتال آي كيو»، وقبل أيام، أعلنت «ماسيز» عن تراجع مبيعاتها في الربع الأخير من العام الحالي، بشكل أكبر مما كان متوقعاً، مما دفع أسهم الشركة إلى أدنى سعر لها منذ عقد.
وقال الرئيس التنفيذي السابق لـ«ماسيز»، تيري لوندغرين، في مقابلة إن «الشركة قد باتت تتنافس مع نموذج مختلف اليوم»، مشيراً إلى أعمال «أمازون» بعيداً عن بيع سلع، مثل الأحذية والقمصان، وأضاف: «فالواقع اليوم هو أننا ننافس تاجر تجزئة يقوم بخفض السعر عن قصد، كما أنه ليس مهتماً بكسب المال في كل سلعة يبيعها».
وتابع لوندغرين: «الصفقة المثالية بالنسبة لسلاسل البيع بالتجزئة الرئيسية اليوم هي العميل الذي يتصفح الإنترنت ثم يزور المتجر لشراء السلع الفعلية أو تسلمها بعد حجزها عبر الإنترنت، فهذا يلغي تكاليف الشحن، ويقلل من فرصة إعادة السلع، وذلك لأن العميل يكون قد جرب السلعة بنفسه». بالإضافة إلى ذلك، فإنه عادة ما ينتهي الأمر بالعملاء إلى إنفاق المزيد من الأموال بعد زيارة المتاجر، مشيراً إلى أنه عندما كان يقود «ماسيز»، كان العملاء الذين قاموا بالطلب عبر الإنترنت ينفقون 25 في المائة إضافية عند الذهاب للمتجر، مؤكداً أنه أراد مواصلة تشجيع هذا النوع من المعاملات.

رأس المال المغامر
ثم هناك العشرات من الشركات الناشئة الناجحة في مجال التجارة الإلكترونية، التي تم بناؤها من خلال التسويق الذكي على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«إنستاغرام»، التي تمارس ضغوطاً أيضاً على المتاجر الكبرى، وفي كثير من الأحيان، يتم تأسيس هذه الشركات لبيع منتج واحد فقط، وشحنها مباشرة إلى المستهلكين، وهؤلاء لديهم عدد قليل فقط من المتاجر، إن وجدت، ويشمل ذلك شركة «أواي» للحقائب، وشركة «أولبيردز» للأحذية، وشركة «إيفرلين» للملابس، وشركة «بروكلينن» لأغطية الأسرة، وتركز كثير من هذه الشركات، المدعومة برأس المال المغامر، على النمو فقط ولا تهتم بجني الأموال على المدى القصير.
ويقول الرئيس المشارك لقسم تجارة التجزئة في شركة الاستشارات «أليكس بارتنترز»، غويل باينز، إن «الشركات التقليدية التي تتمسك بمقاييس الربح والخسارة التقليدية، خصوصاً الشركات العامة، تتعرض للضربات من قبل كثير من الشركات المدعومة برأس مال مغامر، التي تتعامل بشكل مباشر مع المستهلك، حيث لم يتم تأسيس هذه الشركات بناء على نموذج الربح في الوقت الحالي». وأضاف باينز: «لا يوجد أي تحديد للمدة اللازمة لجفاف تدفقات رأس المال لهؤلاء المنافسين الذين يكسبون كل يوم أفضل العملاء لدى المتاجر الكبرى».
- خدمة «نيويورك تايمز»



البرلمان الألماني يقرّ مكافأة 1000 يورو للعمال وتخفيضات «وقود» استثنائية

وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
TT

البرلمان الألماني يقرّ مكافأة 1000 يورو للعمال وتخفيضات «وقود» استثنائية

وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل يدلي بتصريح لوسائل الإعلام قبل مناقشة خفض الضرائب على الطاقة في مجلس النواب (رويترز)

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الجمعة، حزمة إجراءات تهدف إلى تخفيف أثر ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الحرب الإيرانية، تشمل مكافأة إغاثة معفاة من الضرائب تصل إلى 1000 يورو (1170 دولاراً) للعمال، إلى جانب تخفيضات مؤقتة لأسعار الوقود.

وقال وزير المالية الألماني، لارس كلينغبايل، أمام البرلمان: «هذه رسالة واضحة للمواطنين بأننا لن نتركهم وحدهم في هذه الأزمة، وأننا سنواصل دعمهم حتى في الأوقات الصعبة».

وتتضمن الحزمة خفض ضريبة الطاقة على البنزين والديزل بنحو 0.17 يورو لكل لتر لمدة شهرين، في مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، على أن ينعكس هذا التخفيض فعلياً على الأسعار النهائية رهناً بسلوك شركات النفط، وفق «رويترز».

وأضاف كلينغبايل: «سنراقب من كثب لضمان تمرير هذا التخفيض إلى المستهلكين، ومنع أي استغلال للأموال التي نوفرها لتحقيق أرباح غير مبررة»، مشيراً إلى أن الحكومة ستستخدم أدواتها الرقابية وقوانين المنافسة إلى جانب الضغط السياسي والرأي العام لضمان ذلك.

وبعد موافقة مجلس النواب، أقرّ مجلس الشيوخ أيضاً خفض أسعار الوقود، في خطوة تُقدّر تكلفتها بنحو 1.6 مليار يورو للمستهلكين والشركات.

في المقابل، وجّه بعض الاقتصاديين انتقادات لهذه الإجراءات، معتبرين أن الدعم ينبغي أن يكون أكثر استهدافاً للأسر الأكثر تضرراً. كما دعا كلينغبايل إلى فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، مؤكداً أنه أجرى مشاورات «بنَّاءة» مع المفوضية الأوروبية بهذا الشأن.

وقال: «هناك شركات تحقق أرباحاً كبيرة في خضم أزمة حادة».

كما وافق البرلمان على مكافأة إغاثة للعمال تصل إلى 1000 يورو، يمكن لأصحاب العمل صرفها حتى 30 يونيو (حزيران) 2027. وتُعد هذه المدفوعات اختيارية، ومعفاة من الضرائب لكل من أصحاب العمل والموظفين؛ ما يثير تساؤلات حول مدى إقبال الشركات على تطبيقها في ظل ضعف الأوضاع الاقتصادية.

ويُقدّر الائتلاف الحاكم أن هذه الخطوة ستؤدي إلى خسارة إيرادات ضريبية لا تقل عن 2.8 مليار يورو، على أن يتم تعويض جزء من ذلك عبر زيادة ضريبة التبغ خلال العام الحالي.

وكانت ألمانيا قد طبّقت إجراءً مشابهاً خلال أزمة الطاقة في عام 2022، حيث قدمت مكافآت معفاة من الضرائب تصل إلى 3000 يورو، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وانتقدت مجموعات الأعمال نقل عبء دعم الأسر إلى كاهل الشركات، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية.

ويرى اقتصاديون أن أزمة الطاقة الحالية كشفت مجدداً عن هشاشة التوازن داخل الائتلاف الحاكم، وصعوبة التوفيق بين تقديم دعم فوري لتخفيف الأعباء عن المستهلكين، والمضي قدماً في إصلاحات هيكلية طويلة الأجل.

وقال كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي في بنك «آي إن جي»، إن تراجع معنويات قطاع الأعمال إلى أدنى مستوياتها منذ 2020، إلى جانب خفض توقعات النمو لعام 2026، يعكس عمق التحديات، مضيفاً أن الانتعاش الاقتصادي قد يتأخر، لكنه لن يتعثر إذا ما ترافقت الحوافز المالية مع إصلاحات هيكلية فعّالة.


الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
TT

الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)

أظهر التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام ​2026 أنَّ الصراعات والجفاف وتراجع المساعدات عوامل ستبقي مستويات الجوع العالمية عند مستويات خطيرة في 2026، مع توقع تفاقم انعدام الأمن الغذائي في عدد من أكثر بلدان العالم هشاشة.

وجاء في النسخة العاشرة من تقرير رصد الجوع، الذي نشرته مجموعة من المنظمات التنموية والإنسانية، أنَّ مستويات الجوع الحاد زادت بمقدار المثل خلال العقد الماضي، في وقت أُعلنت فيه حالتان من المجاعة العام الماضي للمرة الأولى في تاريخ التقرير، وذلك في كل من غزة والسودان.

وفي المجموع، واجه 266 مليون شخص في 47 دولة ‌ومنطقة مستويات عالية من ‌انعدام الأمن الغذائي الحاد في 2025، في ​حين ‌عانى ⁠1.4 مليون شخص ​من ⁠أوضاع كارثية في مناطق من هايتي ومالي وغزة وجنوب السودان والسودان واليمن.

وعانى 35.5 مليون طفل في أنحاء العالم من سوء التغذية الحاد في عام 2025 وحده، من بينهم نحو 10 ملايين طفل عانوا من سوء التغذية الحاد الوخيم.

وبالنظر إلى عام 2026، أفاد التقرير بأنَّ مستويات الخطورة لا تزال حرجة، مع توقع أن تكون هايتي الدولة الوحيدة التي تخرج من أسوأ فئة «كارثية»، بفضل تحسُّن طفيف في الوضع الأمني وزيادة المساعدات الإنسانية.

وقال ألفارو ⁠لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) التابع للأمم المتحدة، و‌الذي يساعد على إعداد التقرير السنوي: «لم نعد نشهد ‌صدمات مؤقتة فحسب، بل صدمات مستمرة على مر ​الزمن». وأضاف لاريو لـ«رويترز»: «المغزى الأساسي هو ‌أن انعدام الأمن الغذائي لم يعد قضيةً منعزلةً، بل يضغط على الاستقرار العالمي».

‌حرب إيران

وقال لاريو إن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران زادت حدة القلق، محذراً من أن استمرار الاضطراب في تجارة الطاقة والأسمدة يمكن أن يمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ويعمق أزمة الجوع في البلدان المعتمدة على الاستيراد، والتي تمر بالفعل ‌بأزمات. وأضاف: «حتى لو انتهى الصراع في الشرق الأوسط الآن، فإننا نعلم أن كثيراً من صدمات أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم ⁠ستظهر خلال الأشهر الستة ⁠المقبلة».

وحتى قبل الضغوط الإضافية الجديدة الناتجة عن هذه الحرب، بدا أنَّ غرب أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي سيظلان تحت ضغوط شديدة هذا العام؛ بسبب الصراعات والتضخم المستمر، لا سيما في نيجيريا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ومن المتوقع أن تسجل نيجيريا واحدة من أكبر الزيادات في مستويات انعدام الأمن الغذائي في 2026، مع توقع معاناة 4.1 مليون شخص جديد من الجوع الحاد.

وفي شرق أفريقيا، يرجَّح أن يؤدي تراجع هطول الأمطار في معظم أنحاء منطقة القرن الأفريقي إلى تفاقم المعاناة في الصومال وكينيا، حيث يسهم الجفاف وانعدام الأمن وارتفاع أسعار الغذاء وتقلص المساعدات الإنسانية في تعميق الأزمة.

وحذَّر التقرير أيضاً من تراجع التمويل الإنساني والإنمائي المخصص لقطاعات الغذاء في الأزمات في 2025، مع توقُّع ​انخفاضه بشكل أكبر. ويُقدر أن التمويل الإنساني ​لقطاع الغذاء انخفض بنحو 39 في المائة العام الماضي مقارنة بمستويات عام 2024، في حين تراجعت المساعدات الإنمائية بما لا يقل عن 15 في المائة.


اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
TT

اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)

تواجه اليابان جملةً من التحديات الاقتصادية والمالية المتشابكة، تتراوح بين المخاطر الناشئة عن تطورات الذكاء الاصطناعي وتهديداته للأمن السيبراني، إلى تقلبات سوق العملات مع تراجع الين إلى مستويات حساسة.

وفي خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي، أعلنت طوكيو تشكيل فريق عمل لمعالجة المخاطر التقنية، بالتزامن مع تجديد تحذيراتها من تدخل محتمل في سوق الصرف.

وفي صدارة هذه التطورات، أعلنت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، أنَّ الحكومة ستُشكِّل فريق عمل متخصصاً لمواجهة مخاطر الأمن السيبراني داخل النظام المالي، في خطوة جاءت عقب مخاوف متزايدة بشأن نموذج ذكاء اصطناعي متطور يُعرَف باسم «ميثوس».

وأوضحت كاتاياما أنَّ القرار جاء بعد اجتماع ضمَّ جهات تنظيمية رئيسية، من بينها وكالة الخدمات المالية، وبنك اليابان، والمكتب الوطني للأمن السيبراني، إلى جانب أكبر البنوك ومجموعة بورصة اليابان، بحسب «رويترز». وأكدت الوزيرة أنَّ المسألة لم تعد نظريةً، بل تمثل «أزمة قائمة بالفعل»، مشيرة إلى أنَّ القطاع المالي نفسه أبدى قلقاً مماثلاً من المخاطر المحتملة.

وجاء هذا التحرك بعد إعلان شركة «أنثروبيك» أنَّ نموذج «ميثوس» كشف «آلاف» الثغرات الأمنية الخطيرة في أنظمة تشغيل ومتصفحات رئيسية، ما أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة الأنظمة الحالية على الصمود أمام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويحذِّر خبراء من أنَّ مثل هذه النماذج قد تسرِّع وتيرة الهجمات الإلكترونية، إذ يمكنها اكتشاف واستغلال ثغرات غير معروفة بسرعة تفوق قدرة الشركات على معالجتها، وهو ما يُشكِّل تهديداً خاصاً للقطاع المالي المعروف بتعقيده واعتماده على أنظمة مترابطة.

وأشارت كاتاياما إلى أنَّ طبيعة هذا القطاع، القائم على العمليات الفورية والترابط العالي، تعني أنَّ أي خلل قد ينتشر بسرعة، مسبِّباً اضطرابات في الأسواق وتقويضاً للثقة.

وفي موازاة هذه المخاطر التقنية، تجد اليابان نفسها أمام تحديات متزايدة في سوق العملات، فقد جدَّدت كاتاياما تحذيراتها من تحركات المضاربة في سوق الصرف، مؤكدة استعداد الحكومة لاتخاذ «إجراء حاسم» بالتنسيق مع الولايات المتحدة، في حال استمرار ضعف الين. ويأتي هذا التحذير في وقت يقترب فيه الين من مستوى 160 مقابل الدولار، وهو مستوى يعده كثير من المتعاملين في الأسواق خطاً أحمر قد يدفع السلطات إلى التدخل.

وأوضحت الوزيرة أنَّ التحركات الأخيرة في سوق العملات تعكس نشاطاً مضاربياً تأثر بتقلبات أسعار النفط، مؤكدة أنَّ طوكيو على تواصل دائم مع واشنطن لضمان تنسيق أي خطوات محتملة.

ويشير هذا التنسيق إلى احتمال تدخل مشترك بين اليابان والولايات المتحدة، في خطوة قد تكون الأولى من نوعها منذ نحو 15 عاماً، في حال استمرَّت الضغوط على العملة اليابانية. ويعكس ذلك القلق من أن يؤدي ضعف الين إلى زيادة تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة، ما يضيف ضغوطاً على الاقتصاد المحلي.

وتتزامن هذه التطورات مع إشارات متباينة من بيانات التضخم، التي تظلُّ عاملاً محورياً في توجهات السياسة النقدية. فقد أظهرت بيانات حديثة أنَّ التضخم الأساسي في اليابان تباطأ إلى 1.8 في المائة في مارس (آذار)، دون هدف «بنك اليابان»، البالغ 2 في المائة للشهر الثاني على التوالي، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.

وفي المقابل، تشير مؤشرات أخرى إلى تصاعد الضغوط السعرية، إذ ارتفع مؤشر يستثني الغذاء والوقود إلى 2.4 في المائة، كما قفزت أسعار خدمات الشركات بنسبة 3.1 في المائة، مدفوعة بزيادة حادة في تكاليف الشحن البحري، التي ارتفعت بأكثر من 40 في المائة.

وتعكس هذه البيانات بيئةً اقتصاديةً معقدةً، حيث تتقاطع عوامل داخلية وخارجية، من بينها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد، ما يضع صناع القرار أمام تحديات متعددة في إدارة الاستقرار المالي والنقدي.

وفي المجمل، تكشف التطورات الأخيرة عن أنَّ اليابان تواجه مرحلةً دقيقةً تتداخل فيها المخاطر التكنولوجية مع الضغوط الاقتصادية، في ظلِّ بيئة عالمية غير مستقرة.

وبينما تتحرَّك الحكومة لتعزيز أمن النظام المالي ومواجهة تقلبات العملة، تبقى قدرة طوكيو على تحقيق التوازن بين هذه التحديات عاملاً حاسماً في الحفاظ على استقرار الأسواق، والثقة الاقتصادية.