السيرة الثقافية الكونية للقهوة

عبد الله الناصر يروي قصتها مرتحلاً بين منابع البن وطرق الحج

السيرة الثقافية الكونية للقهوة
TT

السيرة الثقافية الكونية للقهوة

السيرة الثقافية الكونية للقهوة

«كثيرون يذهبون إلى المقهى، قليلون يذهبون للقهوة»، بهذه العبارة الدالة اختصر عبد الله الناصر نصه الحسي الثقافي الذي سرد به سيرة القهوة، مرتحلاً بين منابع البن وطرق الحج إلى القهوة، وذلك من خلال كتابه «قهوة نامه - مرويات القهوة والنور»، الصادر حديثاً عن دار «روايات».
فعاشق القهوة، بتصوره، يرقص الرقصتين: رقصة النسيان ورقصة التذكُّر، حيث الارتداد إلى الحبشة، مهد البشر الأول، والوقوف على أطلال الشجرة الأولى التي لم يزرعها الإنسان الأول بنفسه، بل صادفها إلى جانبه «كثمرة صوفية وطهورية». سماها العرب ابتداءً، وأحالتها المتصوفة الشاذلية إلى عقار ديني منشط للصلوات والتجليات، فيما استخدمتها الحركة التطهرية الكالفنية كبديل عن الكحول، قبل أن تتحول إلى وقود رأسمالي، لتستقر كرفيقة للمبدعين.
على هذا الإيقاع يؤسس عبد الله الناصر كتاب القهوة، أو ما يمكن عده جامع النص القهوائي، حيث يجذر أصل ذلك المزاج بالمتصوف اليمني جمال الدين الذي اكتشف القهوة، وربط بينها وبين المناسك الروحية، وذلك استناداً إلى كتاب أنتوني وايلد «القهوة: تاريخ أسود»، المزدحم بروايات إنجيلية تبجيلية للقهوة تماثل الأبعاد الأسطورية التي أوردها ستيفن توبك حول القهوة في المخيال الإسلامي، ليختصر رحلة ذلك الإكسير من التحريم والنخبوية إلى الاستحباب كشراب يومي لكل الناس، لدرجة عدها المعادل لطاولة الحوار والمجتمع المدني الحديث، فهي الركيزة التي قام عليها علم الاجتماع، بتعبير عالم الاجتماع الكندي هو جون مانزو.
والقهوة وثيقة الصلة بمرويات النور، كما يؤكد ذلك المنحى ويليام أوكيرز، في كتابه «كل شيء عن القهوة» الذي يستدعي قصة الشيخ عمر المنفي في مدينة المخا في اليمن، ليسرد كيفية انتصاره على الجوع والعطش والخوف برحيق ثمار النبتة الحمراء التي وهبته النور، تماماً كما حدث له في شمال اسكوتلندا، ولمعلمه العجوز سايمون الذي تلقى على يديه تعاليم تحميص القهوة للتغلب على التيه، إذ كانت دلة القهوة الشرقية تعويذته ضد الضياع. وهو الأمل الذي تعلق به الشاعر محمود درويش، حيث دون في كتابه «ذاكرة للنسيان»، عندما كان محاصراً تحت القصف في بيروت: «أريد فقط هدنة لمدة 5 دقائق من أجل القهوة، 5 دقائق لأضع هذا الفجر على قدميه»، فالقهوة بالنسبة له أداة للعيش والتبصر والتأمل الذاتي.
ليست مصدراً للنور والتأمل وحسب، بل هي (أي القهوة) مضاد للكآبة، كما ذكر ذلك روبرت بيرتون في كتابه «تشريح الكآبة»، عندما تحدث عن مشروب لدى الأتراك شديد المرارة، أسود كالسخام، أو ما سماه «المشروب الروحي التركي» الذي شكل سر قوة وهيبة الإمبراطورية التركية، لدرجة أن هناك من ارتأى أن كلمة «قهوة» إنما هي تحريف لمفردة «قوة»، حتى أن الأتراك منعوا الأوروبيين من الحصول على القهوة. وعندما حصلوا عليها، حسب المؤرخ توم ستانديج في كتابه «تاريخ العالم في ستة كؤوس»، وجدوا في القهوة نديماً بديلاً عن الكحول، كما صارت بيوت القهوة في أوروبا مدخلاً لعصور النهضة والتنوير، حيث تدور الأحاديث حول الشعر والفن والسياسة والفلسفة في حضرة القهوة، وهي وقائع أكدها يورغن هابرماس الذي عد مقاهي لندن آنذاك محركاً لما سماه الحيز العام، الذي يشبه اليوم حيز الشبكات الاجتماعية على الإنترنت. فقد كانت فضاءات القهوة بيت الحكمة، وركن المتكلمين من فلاسفة التنوير الذين حرروا العقل الأوروبي من سطوة المعتقد وثقل الطبقية، انتصاراً واستقبالاً لمهبات الديمقراطية.
وبعد أن استجلب الإغريقي باسكو روزي القهوة إلى لندن من تركيا، بدأت المقاهي بالظهور، وصار لكل مقهى رواده وهويته: مقهى للأدباء، وآخر للعلماء والتنويريين، وثالث للفلاسفة، وهكذا. ولهذا، وُصفت مقاهي لندن آنذاك بالجامعات الرخيصة. ففي أحدها تأسست صحيفة «الغارديان»، وفي آخر اكتشف نيوتن الجاذبية على إيقاع النقاشات، وفي ثالث ولدت فكرة بنك لويدز، وهكذا. وإذا كانت صحبة القهوة تولد الأدب والفن والفكر، فإنها تطبب جراح المحاربين، حيث كانت بيوت القهوة في تركيا مصحة لأنسنة فرسان الإنكشارية، وإعادة استدماجهم في المجتمع.
كما خُصصت حصة من القهوة يومياً للمقاتلين في الحرب الأهلية الأميركية، لدرجة أن المؤرخ جوناثان موريس لاحظ أن مفردة القهوة طاغية في أرشيف رسائل جنود الحرب الأهلية أكثر من مفردات البنادق والمدافع والبارود.
وعندما تمكن الهولنديون من استزراع القهوة في مستعمراتهم، حولوها إلى سلعة للطواف بها حول العالم، فيما كان بحار فرنسي يغامر بتهريب شتلات الشجيرة السحرية عبر البحار، إيماناً منه بأن المستقبل للقهوة. ومن المنطلق ذاته، هُرّبت إلى البرازيل. وكل ذلك بعد سنوات من التحريم، وفق المرسوم المملوكي الشهير، كما جاء في كتاب «رسالة القهوة» لأحمد بن موسى المالكي، وكتاب «عمدة الصفوة في حِل القهوة» لعبد القادر الأنصاري الحنبلي. وهو الأمر الذي تكرر في إنجلترا التي استقبلت القهوة بشيء من العداء والشك، حيث عدتها الكنيسة الأنجليكانية «مشروباً إسلامياً وتركياً يمثل تحدياً دينياً وثقافياً للثقافة المسيحية» لدرجة أن الإنجليز كانوا يسمونها «حبوب المحمديين». أما النحات والرسام الإنجليزي ويليام هوغارث، فقد قال إن «حبوب القهوة هي حبوب الكفار، والتحول إلى شرب القهوة بدل الجعة ردة عن الطريقة الفطرية، وانسلاخ عن الإنجليزية، وسعي فاجر إلى أصناف مختلفة من الأشربة الأجنبية المدمرة».
القهوة كسلعة ساهمت في صعود القوى الاستعمارية والرق، كما تقول بهذه الفكرة كاثرين تكر في كتابها «حضارة القهوة»، حيث حولت الدول الأوروبية مستعمراتها إلى مستعمرات لإنتاج القهوة، باستجلاب الفلاحين والقرويين والسجناء واستعبادهم في ظروف غير إنسانية، حتى أصبحت كلمة القهوة تعادل مفهوم «العمل الشاق بأجر بخس». وبالمقابل، كانت القهوة بمثابة الوقود السحري للنهضة الموسيقية الأوروبية، كما يعزز هذا الرأي جون رايس، على اعتبار أن القهوة عقار طاقة ملهم، حسب تعبيره، حيث يدلل على رأيه بشواهد حدثت في مقاهي أوروبا، كالمشهد الحواري الفلسفي في فضاء المقهى الذي افتتح به موزارت أوبرا من أوبراته. كما كان بتهوفن يفك ريق صباحه بقدح من القهوة، حسب كاتب سيرته دونالد مكاردل. وهكذا، ارتبط كل موسيقي بمقهى، كما ترددت مقولات لمشاهير الكُتّاب والموسيقيين ممجدة لسطوة القهوة على المزاج الإبداعي، وهو تقليد انتقل إلى اليابان، وكان حاضراً بقوة في حوانيت القهوة في دمشق التي كانت تتبارى في استجلاب أعذب الحناجر للغناء فيها، طمعاً في جذب مرتادي القهوة، هذا بالإضافة إلى أغاني قطاف القهوة في مختلف بلدان العالم.
وبقدر ما هي عنوان للمزاج فهي سمة من سمات الكرم، كما تبدت في تقاليد الضيافة عند البدوي بجرعات ذات دلالة: فنجان الهيف، وفنجان الضيف، وفنجان الكيف، وفنجان السيف. وكذلك هي رحيق الطمأنينة وإشباع الحواس، كما يحدث للفيلسوف إيمانويل الذي كان عندما يسمع خطوات الخادم متقدماً ناحيته بفنجان القهوة يصرخ: «يابسة... يابسة... أرى اليابسة!». وبالنسبة للفيلسوف سورين كيركيجارد هي هروب من التكرار بالمعنى الفلسفي، حيث يحتفظ بخمسين نوعاً من أقداح القهوة، حسب كاتب سيرته الذاتية جواكيم غراف، تماماً كالروائي أونريه دي بلزاك الذي يعد من نُساك القهوة. أما تشارلز ديكنز الذي يربط القهوة بالشاعرية، فيرى - أدبياً - أن المقهى هو المكان الذي تحدث فيه الأشياء الجيدة، فهو موقع الاحتفال بالحرية.
هكذا، يؤصل عبد الله الناصر علاقة الإنسان المدني بالقهوة، ابتداءً بالعرب الذين أضفوا على المكان الذي تُقدم فيه القهوة صفة البيت، وهي تسمية تبناها الإنجليز فيما بعد، لينطلق في رحلته السردية بعد ذلك نحو ما سماه «الحركة الثالثة في سيمفونية القهوة»، حيث بيوتات القهوة المختصة، بما تحتمله تلك الزوايا من بروتوكولات التحميص والإعداد والتذوق، وبما في ذلك ساقي القهوة الذي كان يُنظر إليه كعالم قهوة.
وكذلك المياه المقطرة التي تحتوي على نسبة قليلة من أملاح الكالسيوم والماغنيزيوم. فللقهوة، حسب تعبيره، «إيحاءات ونوتات»، كما أن لها سيرة كيميائية تتراوح بين التخمير والتخدير والتقطير، تمثلت فيما سماه «المرحلة الزرقاء»، ومردها تعصب «شعري عاطفي»، كما تقوم على تجربة جمالية فردية.
إن فكرة القهوة، بتصوره، انطلقت من الحجاز، بصفتها البيت الأول للقهوة. وهذه المفردة التي أنّثها العرب وثيقة الصلة بالزمن، ولذة البطء، إلى أن ابتكر الإيطاليون مشروبهم الأنيق (الإسبرسو) الذي يعني القهوة السريعة. ويمثل «ثورة في معمار القهوة وهندستها الحداثية»، حيث أصبح فنجان الإسبرسو مادة ثورية جديدة في بنية المقهى، وطريقة حياة مقررة في كل مقاهي العالم، أو كما يقول الباريستا ستيفن موريسي «إن تحضير الإسبرسو يشبه أن تنظر إلى القهوة بعدسة مقربة». وهذا هو بعض «مانيفيستو القهوة» كعبة الوحيدين، بتعبير عبد الله الناصر، استئناساً بقول الشاعر الصيني لو تونغ «الكوب الأول يرطب شفتي، والكوب الثاني يكسر وحدتي».
فالقهوة نداء يفتتح بها البدوي يومه بفنجان البكرية، أو كما يحلو للشعراء تسميتها بعذراء الصباح، استجابة لنداء الحياة.
- ناقد سعودي



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.