طلاب الجامعات في مصر يبحثون عن «عوض»

عامل الكهرباء الذي أصبح كلمة سر المظاهرات

طلاب يتسلقون أبواب جامعة الأزهر هربا من الزحام الذي سببته الإجراءات الأمنية المشددة على المداخل الرئيسية
طلاب يتسلقون أبواب جامعة الأزهر هربا من الزحام الذي سببته الإجراءات الأمنية المشددة على المداخل الرئيسية
TT

طلاب الجامعات في مصر يبحثون عن «عوض»

طلاب يتسلقون أبواب جامعة الأزهر هربا من الزحام الذي سببته الإجراءات الأمنية المشددة على المداخل الرئيسية
طلاب يتسلقون أبواب جامعة الأزهر هربا من الزحام الذي سببته الإجراءات الأمنية المشددة على المداخل الرئيسية

على سور المدينة الجامعية للأزهر بشارع مصطفى النحاس شرق العاصمة المصرية القاهرة، كتب طلاب مناوئون للسلطة الحالية، في اليوم الأول للدراسة السبت الماضي بخط أحمر كبير «عوض راجع». وهي إشارة باتت السلطات الأمنية تدرك مغزاها جيدا وتعني أن مظاهراتهم المعادية للنظام الحالي مستمرة العام الحالي كما كانت عليه في العام الماضي، في تحد واضح لإدارة الجامعة، التي قررت حظر أي مظاهرات ومعاقبة أي مخالف بالفصل والحبس.
«عوض» هو هتاف شهير استخدم في مظاهرات طلاب الإخوان في جامعة الأزهر، ثم انتقل إلى معظم الجامعات المصرية حاليا، وتحول إلى ما يشبه «كلمة سر»، ينادي بها الطلاب لحشد باقي زملائهم عند تجمعهم للمظاهرات، المستمرة منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو (تموز) العام الماضي، ويستخدم أيضا لـ«تحذير الطلاب بعضهم البعض من عناصر الشرطة»، كما يقول محمد عاطف، القائم بأعمال رئيس اتحاد طلاب جامعة الأزهر.
وشهد عدد من الجامعات المصرية منها الأزهر والقاهرة وعين شمس والإسكندرية الأيام الماضية أحداث عنف واشتباكات بين الطلاب المتظاهرين وقوات الأمن، نتج عنها تحطيم بوابات الدخول الإلكترونية في عدد من الكليات. في استمرار لأحداث عنف العام الدراسي الماضي، التي أدت إلى وقوع قتلى ومصابين فضلا عن إحراق عدد كبير من المباني والكليات.
ويبدوا أن صوت قائد مظاهرات الطلاب الذي يحرص في بداية كل مظاهرة على الهتاف بصوت مرتفع «عوض.. عوض»، قبل أن يردد خلفه الطلاب النداء، لم يصل إلى أسماع السلطات الحالية أو إدارة الجامعة التي تجاهلت مطالبهم، بداعي الحفاظ على الأمن والاستقرار وفرض هيبة الدولة.
وينادي الطلاب المتظاهرون، والمحسوب معظمهم على التيار الإسلامي وجماعة الإخوان بشكل خاص، التي أدرجتها السلطة كتنظيم إرهابي، بالإفراج عن زملائهم المحبوسين بتهم القيام بأعمال عنف، خلال المظاهرات المطالبة بعودة مرسي، وعودة المفصولين، والسماح بالمظاهرات داخل الجامعة، وتعديل القوانين الحالية بما يسمح بإعادة انتخاب إدارة الجامعات.
ووفقا لرواية عدد من طلاب جامعة الأزهر، فإن أصل هتاف عوض يعود إلى «عامل كبير في السن، كان يتولى حراسة المحول الكهربائي بالمدينة الجامعية للأزهر، قبل نحو 10 سنوات، وكانت إحدى مهامه إعادة تشغيل محول الكهرباء عندما يحدث عطل ما، وبمجرد حدوث ذلك العطل تتعالى أصوات طلاب المدينة للنداء عليه من مساكنهم في المدينة للاستغاثة به.. يا عوض يا عوض، فيقوم بتشغيل محول الكهرباء مرة أخرى».
يروي عبد الباسط الشيخ، الطالب بكلية العلوم جامعة الأزهر، قصة عوض قائلا «في البداية كانت يتخذ النداء مزحة بين الطلاب وبعضهم.. لكن في أحد الأيام نادى الطلاب يا عوض فلم يجب واستمر النداء لوقت طويل فهرع الجميع لمحول الكهرباء فاكتشفوا مصرعه بتماس كهربائي.. ومنذ ذلك الحين أصبح اسمه خالدا في المدينة الجامعية».
لا أحد من الجيل الحالي رأى عوض شخصيا، بل توارثت الأجيال حكايته وتندرت باسمه. يقول عبد الباسط «خلال العام الماضي كان منظمو المظاهرات الطلابية بالمدينة الجامعية العام الماضي يخرجون يوميا بدءا من الساعة 12 ليلا ويهتفون بصوت عال يا عوض فيوقظون جميع الطلاب ليخرج الجميع، وتبدأ الهتافات ضد السلطة وضد إدارة الجامعة، وتبدأ معها المواجهات بالحجارة والشماريخ مع قوات الأمن الموجودة خارج الأسوار».
أعجب الطلاب بالهتاف، فأصبح بمثابة علامة بينهم إيذانا ببدء تحركاتهم ضد إدارة الجامعة. وفي موقف مثير ذكر رئيس جامعة الأزهر السابق الدكتور أسامة العبد، أثناء إحدى جولاته التفقدية بالمدينة الجامعية برفقة رئيس الوزراء الحالي إبراهيم محلب، نهاية العام الدراسي الماضي، أنه «عند ذهابه إلى المدينة الجامعية لتفقد الحالة الأمنية سمع الطلاب يقولون كلمة عوض ما دفعه إلى العودة فورا»، في إشارة لخشيته من تعرضه لاعتداء معين بعد تلك الإشارة.
من رحم ذلك الهتاف خرج عدد من الحركات الطلابية المناوئة للسلطة وإدارة الجامعات المصرية تحمل نفس الاسم منها «عوض ضد الانقلاب، عوض قادم، عودة عوض».
ويأمل الطلاب أن يكون لندائهم الاستغاثي بـ«عوض» كما كان في الأجيال الماضية، رد فعل مماثل من الحكومة المصرية لتستجيب إلى مطالبهم بالإفراج عن زملائهم ومنع دخول الشرطة إلى الجامعات ومنحهم حرية العمل السياسي والمظاهرات. يقول القائم بأعمال رئيس اتحاد طلاب جامعة الأزهر، «على السلطة أن تدرك أنه لا بد عليها من استيعاب الطلاب واحتوائهم، بدلا من كسب عدائهم، والاستمرار في اتباع الحلول الأمنية التي تزيد من غضب الطلاب». ويضيف محمد عاطف لـ«الشرق الأوسط» من العام الماضي «هناك 830 طالبا من جامعة الأزهر محتجزون الآن في السجون معظمهم بتهم ملفقة، إضافة إلى 78 قتيلا من الأزهر منهم 10 داخل أسوار الجامعة». وتابع: «لدينا أكثر من 300 طالب جرى فصلهم دون أسباب حقيقية أو تحقيق ولم يثبت تورطهم في شيء، كما جرى اعتقال العشرات منذ بداية العام الحالي في حملات مداهمات وصلت إلى حد بيوت الطلاب المعارضين ومنه أخي».
وذكر عاطف أن «القضاء أصدر حكما الأسبوع الحالي بعودة 17 طالبا من المفصولين لكن إدارة الجامعة رفضت تنفيذه وقدمت استشكالا في الحكم».
وأكد عاطف، الذي يتولى رئاسة الاتحاد في ظل وجود رئيسه المنتخب أحمد البقري خارج البلاد هربا من أمر بضبطه، «من دون إدارة حرة للجامعة تتخذ قرارات في مصلحة الطالب، وتمنحه حرية التعبير عن آرائه فلن تهدأ الأمور.. هم يتعاملون بنفس تفكير العام الماضي؛ الأسلوب الأمني والقمعي للطلاب، الأمر الذي لم يأت بنتيجة، فكلما زاد القمع زادت معارضة الطلاب وزادت المظاهرات، بل زاد وعي الطلاب في مواجهة السلطة والكثير منهم الآن بدأ في توثيق أعمال العنف وحالات اللاعتداء ومخاطبة منظمات دولية، فالعنف لا يولد إلا عنفا».
وتابع «كيف لإدارة الجامعة في الأزهر وغيرها أن تؤجل تسكين الطلاب في المدن الجامعية خوفا من المظاهرات، ويصرح رئيس جامعة الأزهر بأن المدن الجامعية غير صالحة للتسكين، فيصبح الطلاب في الشوارع».
من جهتها، تقول الطالبة حفصة الفاروق، المتحدثة باسم حركة «طلاب ضد الانقلاب»، إن «الأزمة بين الطلاب والجامعات المصرية مرشحة للتزايد والتصعيد هذا العام، نتيجة للإجراءات الجديدة التي قررت السلطات اتباعها وزيادة القمع وكبت الحريات واعتقال الطلاب»، مشيرة إلى أنه «يكفي قرار غلق المدينة الجامعية حتى الآن، وعدم الإفراج عن المعتقلين، ليشعل غضب الطلاب وينضم المزيد منهم لصفوف المتظاهرين ضد إدارة الجامعات».
ويلخص محمد جمال، الطالب بجامعة القاهرة والتابع لحركة 6 أبريل (المحظورة قانونا)، قائلا: «ماذا تنتظر من الطلاب في ظل رؤساء جامعات أصبحوا بالتعيين، ومنع النشاط السياسي، وإلغاء نشاط الأسر الطلابية، وتحويل الجامعات لثكنات عسكرية، وقانون بعزل الأساتذة الجامعيين المعارضين، وتخفيض أعداد الطلبة المقبولين في المدن الجامعة».
وترفض الحكومة المصرية إقامة أي مظاهرات داخل الجامعة أو ممارسة العمل السياسي بها، وسمحت السلطات لقوات الأمن بدخول الجامعة لحماية وحراسة المنشآت، بعد 3 سنوات من إبعاد الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية. كما تعاقدت وزارة التعليم العالي قبل بداية العام الدراسي الجامعي، مع شركة «فالكون» الخاصة للحراسة لتأمين بوابات 12 جامعة.
كما قامت الحكومة بتعديل قانون تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، لينص على «فصل أي طالب أو عضو بهيئة التدريس إذا حرض أو دعم أو شارك في الاحتجاجات التي تعطل الدراسة أو إثارة الشغب أو التخريب».
تقول الدكتورة مهجة غالب، عميدة كلية الدراسات الإسلامية (بنات)، لـ«الشرق الأوسط»، «منذ العام الماضي يحاول طلبة الإخوان بشتى الطرق تعطيل الدراسة لإثبات فشل الدولة وانهيارها، في ظل ضعف وجودهم بالشارع، لكن يجب أن يعلم الجميع أن ذلك لن يحدث»، مشيرة إلى أن «الأزهر مؤسسة تعليمية ولن ينجح تنظيم الإخوان في تسييسها لصالح صراعهم ولن نسمح بذلك».
ويحاكم حاليا المئات من طلاب الجامعات بتهم تتعلق بارتكاب أعمال عنف. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي قضت محكمة جنح مدينة نصر، بسجن 16 طالبا من جامعة الأزهر لمدة 4 سنوات مع الشغل والنفاذ، في أحداث عنف وقعت في محيط الجامعة في يناير (كانون الثاني) الماضي، من بينهم 6 طالبات.



السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.