طموحات الصين الفضائية... من غزو القمر إلى استكشاف المريخ

القمر قد يشكّل مصدراً عظيماً للطاقة والغزاة الأوائل له سيكونون أكبر الرابحين

طموحات الصين الفضائية... من غزو القمر إلى استكشاف المريخ
TT

طموحات الصين الفضائية... من غزو القمر إلى استكشاف المريخ

طموحات الصين الفضائية... من غزو القمر إلى استكشاف المريخ

يمثّل الفضاء الخارجي جزءاً لا يتجزأ من حلم الرئيس الصيني شي جينبينغ في توسيع نفوذ وقوّة الصين، ومكوّناً أساسياً في استراتيجيته الخاصّة بالتكامل المدني - العسكري.

استراتيجية فضائية
إذن، ماذا يجب أن نتوقّع من الصين خلال السنوات الثلاثين المقبلة؟
تجاوزت الطموحات الصينية في الفضاء أهداف وخطط أي دولة أخرى تتجوّل اليوم في ذلك العالم الخارجي، إن كان لجهة الحجم أو الاستراتيجية البعيدة الأمد، والتي تعتمد على تطوير طاقة فضائية تسلسلية تتلخّص بالخطوات التالية:
> أولاً، بناء قدرة فضائية للإطلاق والوصول إلى الفضاء بتكلفة منخفضة.
> ثانياً، بناء محطة فضائية خاصّة دائمة.
> ثالثاً، بناء قدرة للسيطرة على الفضاء الذي يفصل بين الأرض والقمر.
> رابعاً، وبعد تأمين خطّ الأرض - القمر، البدء بتطوير إمكانات للوجود المستدام على القمر يعتمد على تأسيس صناعات محليّة هناك، وتقنية طاقة شمسية مركزها الفضاء لتفعيل المحطّة القمرية وضمان الوجود الدائم للبشر عليها.
* وأخيراً، بعد تحقيق هذه الأهداف، تطوير الإمكانات اللازمة للاستكشاف في الفضاء العميق والتنقيب عن موارد الكويكبات.
تركّز الصين اليوم على استثمار وتطوير قدراتها الفضائية التي تجهّزها لتحقيق هذه الأهداف، فقد نقلت الحكومة الصينية مثلاً في السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي صاروخ «لونغ مارش 5» إلى ميناء «كينغلان» في ونتشانغ في محافظة هاينان جنوبي الصين، على أن تطلقه مع نهاية العام.
أمضى مهندسو الفضاء الصينيون سنتين في تصحيح عيب عانى منه الصاروخ بعد فشل إطلاقه في الثاني من يوليو (تموز) 2017. ويشكل الإطلاق الناجح لصاروخ «لونغ مارش 5» بحمولة 25 طنّا إلى مدار الأرض المنخفض و14 طناً في المدار الثابت بالنسبة للأرض (ضعفا حمولة ناقلات الصواريخ الصينية السابقة) ركيزة أساسية لإطلاق بعثة «تشينغ 5» المقرّر في عام 2020 في إطار البرنامج الصيني لاستكشاف القمر.

مهمات جديدة
تهدف بعثة «تشينغ 5» القمرية إلى العودة بعيّنات من سطح القمر، لذا ستضمّ سفينة هبوط، وسفينة مدارية، وسفينة صعود، ثم وحدة خاصّة للعودة بالعينات. وتخطّط البعثة لعرض الإقلاع من القمر، والزيارة، والالتحام بمدار القمر، والدخول السريع في مدار الأرض عند العودة. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ التطوّرات التي تحرزها هذه البعثة تتمّ وفقاً للمواعيد التي أعلنتها إدارة الفضاء الوطنية الصينية في أوائل هذا العام.
تعتزم الصين إرسال مسبار مرّيخي يضمّ مركبة تتبّع للمدار وسفينة هبوط في عام 2020. وتطمح إلى إرسال أول بعثة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2036.
تعكس هذه الاستكشافات القمرية المتتالية نفاذ بصيرة أكبر علماء وصنّاع سياسات برنامج الاستكشاف القمري الصيني عندما قرّروا ضمّ علماء كبار مثل أويانج زيوان، وصان زيزو، المهندس الرئيسي لمسبار «تشينغ 4»، وليو هانلونغ، مدير تجربة وحدة التجدد الحيوي الحياتية التابعة لـ«تشينغ 4»، وو ويرن، مصمم برنامج الاستكشاف القمري الخاص ببعثات «تشينغ». منذ عام 2002، كشف أويانج أنّ «القمر قد يشكّل مصدراً جديداً وعظيماً للطاقة، وأنّ الغزاة الأوائل للقمر سيكونون أكبر الرابحين». يوسّع هذا التفكير الاستراتيجي للفضاء الخارجي مطالبات الصين على الأرض، حيث اعتبر وو أنّه يتوجب عليها تأسيس وجودها على القطب الجنوبي للقمر بحلول عام 2030، حيث أشعة الشمس والمياه الجليدية.
لتحقيق أهدافها بعيدة المدى بالحضور البشري الدائم على سطح القمر وبناء أقمار صناعية تعمل بالطاقة الشمسية الفضائية في مدار الأرض المنخفض بحلول 2025، والمدار الجغرافي الثابت بحلول 2030، تعمل الصين اليوم على تطوير صاروخ «لونغ مارش 9» لاختباره في إطلاق تجريبي في 2030. ويهدف تطوير هذا الصاروخ إلى إطلاق الأقمار الصناعية العاملة بالطاقة الشمسية الفضائية إلى المدار الجغرافي الثابت في 2030، بينما يهدف إطلاق «تشينغ 7» إلى مسح قطب القمر الجنوبي في 2030. أمّا بعثة «تشينغ 8»، فستُوظّف لاختبار تقنيات أساسية كالطباعة ثلاثية الأبعاد.
يقول لي هونغ، نائب المدير العام لشركة الصين للعلوم والتقنيات الجوفضائية، إنّ صاروخ «لونغ مارش 9» الثقيل سيكون قادراً على رفع 140 طنّاً مترياً من الحمولة إلى مدار الأرض المنخفض، أو مركبة فضائية وزنها 50 طنّاً إلى مدار النقل إلى القمر. كما سيكون هذا الصاروخ العملاق قادراً على نقل حمولة 44 طنّا إلى مدار النقل إلى المرّيخ. وتقدّر شركة الصين للعلوم والتقنيات الجوفضائية أنّ تحقيق أهداف الصين المرسومة بين 2030 و2035، يتطلّب عشرة صواريخ «لونغ مارش 9» سنوياً. وسيصار إلى دفع «لونغ مارش 9» بواسطة جيل جديد من محرّكات الأوكسيجين- الكيروسين السائل و500 طنّ من قوّة الدفع».

قواعد قمرية
أمّا فيما يتعلّق بالطاقات الفضائية الأخرى، فقد أصبحت الصين الأولى في العالم في تأسيس مصنع لقواعد الأقمار الصناعية العاملة بالطاقة الشمسية بتمويل حكومي قيمته 30 مليون دولار في مقاطعة «بيشان» في «شونجكينغ» مع بداية هذا العام. كما تستثمر الصين اليوم في بناء مركبات فضائية عاملة بالطاقة النووية سيتمّ اختبارها في 2040، وستكون مهمّتها تنقيب الكويكبات والاستكشاف في الفضاء العميق. وكانت شركة الصين للعلوم والتقنيات الجوفضائية قد تحدّثت في تقرير عام 2016 للمرّة الأولى عن «فكرة بناء مركبات فضائية تعمل بالطاقة النووية». وورد في التقرير أنّ «تحقيق هذا الهدف سيدعم الاستكشافات الفضائية الكبيرة ومشاريع تطوير الموارد الفضائية، لا سيّما، أنه سيحوّل تنقيب الكويكبات وبناء مصانع الطاقة الشمسية الفضائية إلى حقيقة».
في سياق متصل، تشجّع الحكومة الصينية اليوم الشركات الناشئة المحليّة العاملة في المجال الفضائي على الالتحاق بركب شركات أخرى مثل «وان سبيس» و«لاند سبيس» و«لينك سبيس» و«آي سبيس».
تُعرف شركة «آي سبيس» أيضاً باسم «إنترستيلار غلوري سبيس تكنولوجي» والتي أصبحت أولى الشركات الصينية الخاصة التي تطلق صاروخها الخاص «هايبربولا 1» الذي وصل إلى مدار الأرض بنجاح في 25 يوليو (تموز) 2019. كما استعرضت الشركة صاروخ «هايبربولا 2» القابل لإعادة الاستخدام والذي يتميّز بقدرة على إطلاق حمولة بوزن 1.9 طنّ إلى مدار الأرض المنخفض. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ ميزة إعادة استخدام الصواريخ ستكون بمثابة نقطة تحوّل للبرنامج الفضائي الصيني.
سلاح مضاد للأقمار الصناعية
> في مجال الفضاء العسكري، عرضت الصين سلاحها الخاص المضادّ للأقمار الصناعية في مدار الأرض المنخفض منذ عام 2007. تبعه عام 2013 عرض ذراع روبوتي على قمر «إس واي - 7» قادرة على سحب قمر صناعي آخر. ومن الإنجازات الكبيرة الأخرى، نذكر تطوير قمر صناعي ذرّي غير قابل للقرصنة في 2016. وتفعيل قوة الدعم الاستراتيجي لجيش التحرير الشعبي الصيني المجهّزة بوحدة مضادّة للأقمار الصناعية عام 2018، وإطلاق قمر صناعي وصاروخ («لونغ مارش 3B») للمدار الجغرافي في 2019.
وكانت الصين قد تفوّقت على الولايات المتحدة الأميركية في 2018 بأكبر عدد من إطلاقات الأقمار الصناعية، 39 مقابل 31.
- «ذا دبلومات» خدمات «تريبيون ميديا»



دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
TT

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

تُعرف الكلاب دوماً بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ أن جعلها أول الحيوانات المستأنسة، وهي تنحدر منذ زمن بعيد من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

وتقدم الأبحاث الجينية الحديثة الآن نظرة فاحصة على هذا بما في ذلك تحديد أقدم كلب معروف ويعود إلى 15 ألفاً و800 عام.

وقال الباحثون إن هذا الكلب، الذي عُرف من خلال عظام عُثر عليها في موقع صخري في بينار باشي بتركيا كان يستخدمه الصيادون قديماً، أقدم بنحو خمسة آلاف سنة من أقدم حيوان ينتمي لفصيلة الكلاب معروف سابقاً وتم التأكد منه وراثياً.

وأضافوا أن تاريخ كلب بينار باشي وعدة كلاب أخرى، تم تحديدها في مواقع أخرى في أوروبا تعود إلى العصر نفسه تقريباً، تُظهر أن تلك الحيوانات كانت منتشرة على نطاق واسع وجزءا لا يتجزأ من الثقافة البشرية قبل آلاف السنين من ظهور الزراعة.

وجرى استعراض النتائج الجديدة في ورقتين علميتين نُشرتا، الأربعاء، في مجلة «نيتشر»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال وليام مارش الباحث في مختبر علم الجينوم القديم بمعهد فرنسيس كريك في لندن والمشارك في إعداد إحدى الدراستين إن أدلة الحمض النووي تشير إلى أن الكلاب كانت موجودة في مناطق مختلفة في غرب أوراسيا منذ 18 ألف عام، وكانت بالفعل مختلفة جينياً تماماً عن الذئاب.

وأضاف مارش: «نتصور أن مجموعتي الكلاب والذئاب انفصلتا قبل ذلك بكثير، على الأرجح قبل ذروة العصر الجليدي الأخير أي قبل 24 ألف عام. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين».

طريقة جديدة للتمييز وراثياً

كان الكلب، الذي ينحدر من سلالة ذئاب قديمة منفصلة عن الذئاب الحديثة، أول حيوان استأنسه الإنسان قبل حيوانات أخرى مثل الماعز والأغنام والماشية والقطط.

وقال عالم الوراثة أندرس بيرجستروم من جامعة إيست أنجليا في إنجلترا، المؤلف الرئيسي للدراسة الأخرى: «ظلت الكلاب رفيقة للبشر حين مروا بتحولات كبيرة في نمط الحياة وظهرت مجتمعات معقدة».

وأضاف بيرجستروم: «من المثير للاهتمام أيضاً أنه، على عكس معظم الحيوانات المستأنسة الأخرى، لا يكون للكلاب دائماً أدوار أو أغراض محددة بوضوح بالنسبة للبشر. ربما يكون دورها الأساسي في كثير من الأحيان هو مجرد الرفقة».

وأجرى بيرجستروم وفريقه بحثاً مستفيضاً عن الكلاب في العصور القديمة في أوروبا باستخدام طريقة جديدة للتمييز وراثياً بين الذئاب والكلاب من بين 216 من البقايا القديمة يتراوح عمرها بين 46 ألف سنة وألفي سنة من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا واسكتلندا والسويد وسويسرا وتركيا. وهذه أكبر دراسة من نوعها لهذه البقايا حتى الآن.

عظام الفك العلوي لكلب عُثر عليها في كهف بسويسرا ويعود تاريخها إلى نحو 14 ألف عام (رويترز)

وتمكن الباحثون من تحديد 46 كلباً و95 ذئباً. ونظراً لأن الهياكل العظمية للكلاب والذئاب كانت متشابهة جداً في المراحل المبكرة من استئناس الكلاب، فإن الدراسات الجينية ضرورية للتمييز بينها في البقايا القديمة.

وأقدم الكلاب التي حددها فريق بيرجستروم يعود تاريخه إلى 14 ألفاً و200 عام من موقع كهف كيسلرلوخ في سويسرا. وتبين أن أقدم الكلاب الأوروبية التي حددتها هذه الدراسة تشترك في الأصل مع الكلاب في آسيا وبقية العالم مما يدل على أن هذه المجموعات المختلفة من الكلاب لم تنشأ من حالات استئناس منفصلة.

أسئلة دون إجابة

ويعد كلب بينار باشي، في الدراسة التي عمل عليها مارش، دليلاً على منزلته الكبيرة لدى الصيادين الذين كانوا يربون الكلاب.

وقال مارش: «في بينار باشي، توجد مدافن للبشر والكلاب ودُفنت الكلاب بجوار البشر».

وهناك أدلة أيضاً على أن سكان بينار باشي كانوا يطعمون كلابهم السمك.

وحددت هذه الدراسة خمسة كلاب يعود تاريخها إلى ما بين 15 ألفاً و800 و14 ألفاً و300 سنة، بما في ذلك بقايا كلاب من كهف جوف بالقرب من تشيدر في إنجلترا.

عظام فك كلب عمرها 14 ألفاً و300 عام عُثر عليها في كهف بإنجلترا (أ.ب)

وخلصت الدراسة إلى أن كلاب بينار باشي وكهف جوف أكثر ارتباطاً بأسلاف السلالات الأوروبية والشرق أوسطية الحالية مثل البوكسر والسلوقي، مقارنة بالسلالات القطبية مثل الهاسكي السيبيري.

ووفقاً للباحثين، فإلى جانب الرفقة ربما ساعدت الكلاب القديمة البشر في الصيد أو الحراسة، نوعاً ما كنظام إنذار في العصر الجليدي. وقالوا إنه على عكس عدد من سلالات الكلاب في عصرنا الحالي، من المرجح أن تلك الكلاب القديمة كانت لا تزال تشبه إلى حد كبير الذئاب المنحدرة منها.

وأوضح بيرجستروم أن «الأسئلة المتعلقة بمتى وأين وسبب ترويض البشر للكلاب تظل دون إجابة إلى حد كبير... نعتقد أن ذلك حدث على الأرجح في مكان ما في آسيا لكن لا يزال يتعين تحديد المكان بدقة أكبر».


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟