ليبيا.. على كف عفريت

تصدع في جبهة المتطرفين ومكاسب للجناح المدني.. ولكن الحرب لم تنته

ليبيا.. على كف عفريت
TT

ليبيا.. على كف عفريت

ليبيا.. على كف عفريت

لم يعد من الممكن فهم الوضع في ليبيا من أول نظرة.
أنت لست أمام فريقين لكرة القدم، ولا أمام جبهتي قتال. الحرب هنا تسير عبر طرق متقاطعة.. أفقية وأخرى رأسية، وفي الخلفية توجد مسارات متباينة. وتوجد على السطح جبهتان تتقاتلان، جبهة المتطرفين بقيادة شخصيات تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين وأخرى إلى «الجماعة الليبية المقاتلة» وجهاديين كُثُر، وجبهة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر. ويبدو مستقبل ليبيا «على كف عفريت»، فرغم ظهور تصدع في جبهة المتطرفين، ومكاسب للجناح المدني، فإن الوصول إلى الاستقرار ما زال بعيد المنال.
ومنذ انتهاء نظام القذافي وتشكيل مؤتمر وطني (برلمان مؤقت) وحكومة مؤقتة، ظهر على واجهة الأحداث فريقان متنافسان في السياسة، لكن لكل منهما تسليحه الذي لا يستهان به.. الأول يمثل تيار المتشددين وتقوده جماعة الإخوان، والثاني التيار الليبرالي وكان يقوده محمود جبريل، رئيس أول حكومة للثوار. وكان القذافي قبل ثورة «17 فبراير» (شباط) 2011، يدير الأمور وهو يتحسب في خطواته للثقل القبلي والجهوي في البلاد ذات الطابع العشائري والتحيز الجغرافي، وكان أيضا يضع اعتبارا لهذا في تشكيل الحكومة والأجهزة الأمنية المتعددة، والوزارات السيادية وغيرها. وفجأة انفرط العقد، لأن هناك فرقا جوهريا بين ليبيا وباقي دول ما يعرف بـ«الربيع العربي» يتعلق أساسا بالجيش وبالسياسة.

يوجد جيش وقوى سياسية في كل من مصر وتونس، لكن ليبيا، حين قامت «ثورة فبراير» لم يكن فيها جيش مماثل، ولا قوى سياسية منظمة.. وبينما جرى تحريم العمل الحزبي في البلاد منذ سبعينات القرن الماضي، كانت القوات المسلحة الليبية أيضا عبارة عن مجموعة من الكتائب التي يقف على رأس كل منها قائد قائم بذاته تقريبا، ويعمل دون تنسيق يذكر مع غرفة العمليات الرئيسة، بينما كانت وزارة الدفاع الليبية المفترض أنها تمثل عصب الجيش، مجرد اسم، ووزير دفاع لا حول له ولا قوة، وإن ظل صديقا مخلصا للقذافي حتى قُتل معه بسرت في خريف 2011.
وظلت كتائب القذافي تحارب وتقاتل في الشوارع والمدن، بعد أن تحولت الهبَّة الشعبية لانتفاضة مسلحة، غاب عنها السياسيون والحزبيون الفاعلون على الأرض وفي جبهات القتال، وفي المقابل شارك في تأجيج الانتفاضة الكثير من قادة التيارات المتطرفة، خاصة أولئك الذين خرجوا من السجون بعفو من القذافي ونجله سيف الإسلام، مثل قادة بـ«الجماعة المقاتلة» التي تأسست أصلا في أفغانستان في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وقادة من «الإخوان»، وآخرون من حركات جهادية كانت كامنة في الظل.
ولهذا، كما يقول عبد الله ناجي، وهو عضو في حزب التحالف الديمقراطي: «في نهاية المطاف، كما نرى اليوم، تغلب الصراع بالأسلحة على الصراع السياسي.. القيادات المتطرفة تدربت في السابق في أفغانستان والعراق، ولدى البعض منهم خبرات في العمل السري والتنظيمي وحروب العصابات»، مشيرا إلى أن الإسلاميين هم من بدأوا هذا النوع من الصراع الدامي مع الطبقة السياسية التي بدأت الظهور على السطح بعد مقتل القذافي.
لكن الإسلاميين من جانبهم يدافعون عن أنفسهم بالقول إنهم «يحرسون ثورة فبراير من الليبراليين والعلمانيين وأنصار النظام السابق»، كما يقول أحد المقربين من محمد الزهاوي، رئيس جماعة أنصار الشريعة، وهي واحدة من الميليشيات التكفيرية التي يتركز وجودها في كل بنغازي ودرنة، ولديها صواريخ ومخازن أسلحة ضخمة وقامت أخيرا بإعلان موالاة فرع الجماعة في درنة لـ«داعش».
ويبدو أن المتطرفين كانوا يعززون من قدراتهم العسكرية والقتالية منذ وقت مبكر.. أي منذ بدأ المئات من قادتهم يعودون من الخارج للاشتراك في قتال قوات القذافي. ويقول محمد عايزينة، وهو ضابط انشق بعدد من جنوده سريعا من كتيبة الكويفي شرق بنغازي، أثناء أحداث 2011، إنه منذ الأسبوع الأول للثورة وحتى مقتل القذافي في أكتوبر (تشرين الأول) من تلك السنة.. «كان جميع المنخرطين في قتال النظام يعملون جنبا إلى جنب دون تفرقة مع الإخوة المجاهدين ومع باقي الناس العاديين، سواء من الشبان المدنيين المتطوعين في الحرب ضد القذافي، أو من الجنود النظاميين والضباط الذين انضموا إلى الثورة».
ويضيف: «كانت هناك أمور لم نفهمها في وقتها، لكن بدأنا نفهمها الآن.. ففي بداية الثورة، كان قادة المجموعات المتطرفة يأمرون أنصارهم بجمع الأسلحة من معسكرات القذافي ثم يختفون بها في مخازن وفي مواقع تخصهم، وزادت هذه الظاهرة حتى بعد مقتل العقيد معمر، وانتهاء الحرب، حيث أصبح تحت أيديهم ألوف الصواريخ العابرة للمدن، بالإضافة إلى أعداد مهولة من القذائف والأسلحة والآليات العسكرية كالمدرعات والدبابات».
وبعد انهيار النظام القديم، ألقى معظم المتطوعين المدنيين أسلحتهم، وعادوا إلى بيوتهم وأعمالهم. كما بدأ ألوف الجنود والضباط العودة للالتحاق بمعسكراتهم، لكن قطاعا بعينه من هؤلاء «الثوار» ظل متمسكا بأسلحته وقواته وميليشياته، تحت زعم الدفاع عن الثورة وحمايتها من الانقلاب عليها من جانب الموالين للقذافي. وقاد عدد من المتشددين في كل من جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة»، وقطاعات جهادية أخرى، هذا التوجه الذي عززته أوامر أصدرها المجلس الانتقالي في أواخر 2011 تتلخص في إلزام الدولة صرف رواتب لهذه الميليشيات نظير حمايتها المنشآت العامة والمؤسسات الرسمية والحدود وغيرها.
ويقول الباحث الليبي أحميدة علي، إن صرف رواتب من الدولة للميليشيات، منذ البداية، أغرى قطاعات مختلفة من الشباب صغار السن للانخراط فيها، بغض النظر عن توجهات قادتها، سواء كانوا سياسيين أو جهاديين، كما دفع عاطلين وطامحين إلى تشكيل ميليشيات إضافية وإرغام الحكومة على صرف رواتب لهم مقابل أي أعمال يكلفون إياها حتى لو كانت غير ذات أهمية.
ويضيف: «بدأت هذه الميليشيات، أو الكتائب كما يطلق عليها البعض، تشعر بخطورة السماح بوجود مؤسسة قوية للجيش والشرطة، لأن وجود مثل هذه المؤسسة يقضي على السبب الذي تتقاضى من أجله تلك الميليشيات رواتب شهرية بملايين الدولارات. ولهذا، كانت ملامح الصدام تلوح في الأفق بين من يريدون استمرار الفوضى ومن يريدون بناء الدولة كما ينبغي، خاصة مع ارتفاع أصوات السياسيين والناشطين المدنيين بالمطالبة بحل الميليشيات وجمع الأسلحة منها.
وبدأت على هذا عملية جديدة مضادة وواسعة لعرقلة بناء المؤسسات الأمنية، كان أهم مظاهرها تكاثر عدد الميليشيات من مختلف المشارب، جهاديون ومتطرفون أجانب ولصوص، وإن ظل أقواها وأكثرها تنظيما تلك التي تهيمن عليها جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة». وجرى استهداف ضباط الجيش والشرطة الذين كانوا يحاولون الانتظام في معسكراتهم وإداراتهم، دون أي تشجيع حقيقي من وزارة الدفاع التي سيطر على مقاليد الأمور فيها محسوبون على التيار المتطرف. وقُتل في عمليات الاغتيال تلك أكثر من 140 من القادة العسكريين في مدينة بنغازي وحدها.
وتزامنت مع ذلك عمليات نفي لكل من كانت له صلة بالنظام السابق، كان أبرزها إصدار قانون العزل السياسي في مطلع عام 2013 ليتخذ الوضع في ليبيا ما يشبه محاولات الاجتثاث الجذري لكل من عمل في الدولة أيام القذافي منذ عام 1969 حتى 2011 بما فيه من قادة عسكريين وسياسيين وكوادر لديها خبرة بإدارة الدولة. وتمكن التيار المتطرف بأذرعه الميليشياوية المسلحة، منذ تشكيل «المؤتمر الوطني» والحكومة الجديدة في 2012، من الهيمنة على مقدرات الدولة، حتى ارتفعت أصوات دول الجوار وبعض دول العالم وهي تشكو وتحذر من خطر استفحال وجود المتطرفين في ليبيا. ولم يكن اسم حفتر قد ظهر على الساحة السياسية بعد.
وطوال نحو عامين فشلت كل محاولات ترويض الميليشيات، وكان من بين هذه المحاولات اقتراح بضم ألوف المسلحين في جهاز مستحدث تحت اسم «الحرس الوطني»، لكن جرى إفشال هذه المحاولة أيضا. وحين استشعر المتطرفون تململ الشارع الليبي، جرى التلويح باستخدام السلاح ضد المحتجين، بالتزامن مع إشاعة وجهة نظر تقول إن الميليشيات «هم الثوار الذين أسقطوا النظام السابق، وأنهم لا يريدون الانخراط في جيش يتولى القيادة في معسكراته ضباط كانوا يعملون في القوات المسلحة في عهد القذافي»، ويقولون أيضا إنه «توجد محاولات من أنصار النظام السابق للعودة للحكم والانقلاب على الثورة».
ومن جانبه، يقول حسين عبد الله، وهو ضابط كبير في الجيش الوطني الليبي، إن الإسلاميين استغلوا مواقعهم الرسمية في الدولة، خلال العامين الماضيين، وفتحوا الباب واسعا لعمليات تهريب شحنات ضخمة من الأسلحة إلى داخل البلاد، ووفروا ملاذا آمنا لألوف الجهاديين من مختلف دول العالم، خاصة الفارين من مالي والجزائر ومصر وتونس وسوريا والعراق والشيشان وغيرها.
ويضيف: «بكل بساطة، تستطيع أن تقول إن القلق تمكن من قطاعات كبيرة من الليبيين، منذ نحو سنة، أي مع اقتراب انتهاء المدة القانونية لعمل (المؤتمر الوطني)»، مشيرا إلى أن هذا «المؤتمر» حاول باستماتة ترحيل موعد إجراء الانتخابات البرلمانية الجديدة، ولوح عدد من قادته بالعنف من أجل أن يستمر في إدارة شؤون الدولة، بوصفه أعلى سلطة في البلاد. وعلى هذا، انتشرت أعمال التوقيف والاعتقال والخطف والقتل أكثر من السابق.
ويقول الباحث أحميدة علي: «في تلك الأثناء، أي في الشهور الأخيرة من العام الماضي والأسابيع الأولى من هذا العام، بدأ عدد من قادة الجيش السابقين وبعض الوجهاء والقادة السياسيين المخضرمين، يعقدون لقاءات في العاصمة طرابلس، بشكل علني، بحثا عن حلول لإنقاذ الدولة الليبية». وكان حفتر من بين من يحضرون في تلك اللقاءات، وخرج عقب واحد من هذه الاجتماعات، ودعا إلى ضرورة تكاتف الليبيين من أجل إعادة «ثورة فبراير» إلى مسارها الذي قامت من أجله، أي بناء دولة ديمقراطية تنعم بالحرية والعدالة والمساواة.
ويضيف علي: «هنا، سارع المتشددون، في (المؤتمر الوطني) وحكومته، باتهام حفتر، في لهجة ذات طابع إخواني، بأنه كان يحاول القيام بالانقلاب العسكري على الثورة. وصدر أمر من السلطات بتوقيف حفتر وكل من كان يحضر معه اجتماعات طرابلس، على أساس أنهم خونة.
وهنا، كما يقول علي، بدأت الأمور تزداد وضوحا في البلاد، خاصة مع تزايد رغبة الليبيين في التخلص من المتطرفين الذين يهيمنون على «المؤتمر» والحكومة، وبينما أطلق حفتر النفير لتجميع ما تبقى من قوات الجيش الوطني، لشن ما سماه «عملية الكرامة» ضد الإرهاب، كان الضغط الشعبي أجبر «المؤتمر» على إجراء انتخابات للبرلمان، وقام فيها الناخبون بإسقاط الإسلاميين بطريقة مهينة.
وعلى هذا الأساس، بدأت الحرب السافرة والمدمرة بين الطرفين منذ أكثر من 5 أشهر حتى اليوم. الجبهة الأولى التي يقودها «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة»، تضم ميليشيات كل من قوات «فجر ليبيا» و«غرفة ثوار بنغازي» و«درع الوسطى». والجبهة الثانية تشمل قوات الجيش الوطني الذي يقوده حاليا بشكل رسمي اللواء عبد الرزاق الناضوري، ويسهم فيه بشكل غير رسمي اللواء حفتر (على أساس أنه لواء متقاعد)، وتعمل بالتنسيق معه أيضا ميليشيات الزنتان التي كانت تتولى تأمين وحراسة مطار طرابلس الدولي.
وطيلة الشهرين الأخيرين، أخذ كل فريق يضع المتاريس الحربية والسياسية في محاولة لكسب الشارع الليبي والدولي أيضا. وتمكنت الجبهة الأولى من طرد الزنتان من مطار طرابلس في اقتتال أدى إلى تدميره، وعدت هذا مكسبا فأعادت «المؤتمر الوطني»، الذي كانت ولايته انتهت، للانعقاد في طرابلس، وشكلت حكومة بقيادة عمر الحاسي. بينما تمكنت الجبهة الثانية من تحقيق نتائج؛ أهمها النجاح في عقد جلسات البرلمان الجديد للبلاد في مدينة طبرق الهادئة في الشرق، واعترف بالجيش الوطني، وعين رئيس أركان له، وتمكنت هذه الجبهة من الحصول على تأييد دولي على أساس أنها تمثل الشرعية في ليبيا.
ويبدو أن الحظ بات قليلا بالنسبة للجبهة الأولى، التي تقودها جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة»، لأن الخلافات بدأت تظهر على الكتل الرئيسة المكونة لها، رغم الحروب المستمرة التي تشنها حتى الآن في جنوب غربي طرابلس. وقامت جماعة أنصار الشريعة التي كانت تؤيد عملية «فجر ليبيا» و«كتائب الدروع» باتهامهما بالكفر في حال مطالبتهما بالديمقراطية والحوار، وأعلن بعض قادة «أنصار الشريعة» تأييد جماعة «داعش» في درنة. كما بدأ بعض قادة مصراتة يعترضون على الاستمرار في ركوب حصان جماعة الإخوان إلى النهاية، وشارك عدد منهم بالفعل في حوار مع نواب بالبرلمان الجديد، وهو ما أدى إلى خلافات أخرى داخل الجبهة المتشددة.
ويقول العقيد إدريس العيقوري، من الجيش الوطني الليبي في طبرق، إنه، وفي المقابل تمكنت الجبهة الثانية التي يحلو لوسائل الإعلام الإخوانية تسميتها «جماعة الانقلابي حفتر» في حشد تعاون دول الجوار وبعض دول العالم، لبناء المؤسسات الليبية والقضاء على الفوضى والتطرف والإرهاب، مشترطة على من يريد أن يشارك في المستقبل أن يضح السلاح جانبا، ويدخل في الحوار سواء برعاية محلية أو إقليمية أو دولية.
ويضيف أن البرلمان الوليد يحاول أن يعزز قدراته بمساعدة دول الجوار، ويحاول التوصل لحلول مع شركاء الوطن في الداخل، من خلال وضع الاعتبارات القبائلية والجهوية في الحسبان أيضا، مشيرا إلى أن «قوات الجيش الوطني، تقوم أيضا بمواصلة الغارات الحربية على مواقع المتشددين في كل من درنة وبنغازي، بالإضافة إلى وصول بعض وحدات الجيش إلى مشارف طرابلس، لاستعادة العاصمة بالحوار أو بالقتال، ولو بعد حين».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.