جنوب العراق ينزف ويوم دامٍ وحداد في الناصرية... وإقالة القائد العسكري في ذي قار

توتر في النجف بعد ليلة حرق القنصلية الإيرانية... والمرجعية الدينية ترفض تدخل «الحشد» لحمايتها

محتجون امام قاعدة عسكرية في الناصرية أمس (إ.ب.أ)
محتجون امام قاعدة عسكرية في الناصرية أمس (إ.ب.أ)
TT

جنوب العراق ينزف ويوم دامٍ وحداد في الناصرية... وإقالة القائد العسكري في ذي قار

محتجون امام قاعدة عسكرية في الناصرية أمس (إ.ب.أ)
محتجون امام قاعدة عسكرية في الناصرية أمس (إ.ب.أ)

بينما ساد التوتر، أمس، محافظة النجف، بعد ليلة عاصفة، انتهت بقيام المحتجين بحرق القنصلية الإيرانية، عاشت مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار الجنوبية، يوماً دامياً، نتيجة الصدامات العنيفة التي وقعت بين قوات الأمن والمتظاهرين، وأدّت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، انتهت بإقالة القائد العسكري للمحافظة، وإعلان الحداد لمدة ثلاثة أيام.
وبدأ إطلاق النار منذ الصباح الباكر، في الناصرية، وأدى إلى مقتل 32 شخصاً، وإصابة أكثر من 200 آخرين بجروح بحسب مصادر طبية، عند محاولة القوات الأمنية تفريق المتظاهرين الذين شيعوا جثامين الضحايا متحدين حظر التجوال الذي فرضته السلطات.
يأتي ذلك غداة قيام متظاهرين بإضرام النار في القنصلية الإيرانية في مدينة النجف. وقتل متظاهران بنيران القوات الأمنية خلال اشتباكات وقعت في النهار، كما قتل اثنان قرب القنصلية الإيرانية، أول من أمس، الأربعاء. وعلى أثر الأحداث الدامية، قرر رئيس الوزراء إقالة القائد العسكري الفريق جميل الشمري بعد ساعات من تعيينه مسؤولاً عسكرياً على هذه المدينة التي تشهد منذ أيام احتجاجات متواصلة.
وسقط أربعة آخرون قتلى في العاصمة بغداد، حيث أطلقت قوات الأمن الذخيرة الحية والطلقات المطاطية قرب جسر على نهر دجلة. واتهمت «منظمة العفو الدولية» القوات العراقية باستخدام العنف المفرط على مدى شهرين، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف «سفك الدماء».
ويعتبر حادث إحراق القنصلية الإيرانية الثاني من نوعه في أقل من شهر، بعد أن قام متظاهرون في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بعملية حرق مماثلة لقنصلية إيران في محافظة كربلاء المجاورة، وسبق أن أحرق متظاهرو البصرة، قنصلية إيران في البصرة، نهاية عام 2018. وفيما ترفض بعض الجهات عمليات حرق القنصليات، ويعتبروها مضرة لسمعة العراق وتخرج المظاهرات عن سلميتها، تدافع اتجاهات مؤيدة عن ذلك، وتعتبرها نوع من «رد اعتبار» عراقي لما يرون أنها «هيمنة إيرانية غير مقبولة وانتهاك وتحكم إيراني مطلق بالقرار العراقي».
ورغم قرب المسافة الفاصلة بين منزل المرجع الديني علي السيستاني ومبنى القنصلية، فإن المتظاهرين وجماعات الحراك عموماً يؤكدون حرصهم على «حماية المرجعية، وعدم الاقتراب من مقامها». وقد أعرب كثيرون عن استهجانهم لدعوات صدرت من بعض قادة فصائل «الحشد الشعبي» وطالبت بالتوجه إلى النجف، بذريعة حماية منزل المرجع الديني، معتبرين أن تلك الجهات تسعى للاستفادة من قضية الحرق للتقرب من المرجع الأعلى.
وفيما يبدو رداً على دعوات بعض قيادات الحشد للتوجه إلى النجف لحماية المرجعية الدينية، رأى زعيم ائتلاف «الوطنية»، إياد علاوي، أمس، أن «النجف آمنة مطمئنة، ومظاهرات أبنائها ستبقى الأكثر انضباطاً والتزاماً بالسلمية رغم محاولات تخريبها أو حرفها عن مسارها السلمي».
وأضاف، في تغريدة عبر «تويتر»، أن «أبناء النجف الكرام والمتظاهرين السلميين أدرى بقيمة ومكانة المرجعية الدينية والأقدر على حمايتها والأحرص على سلامتها». واختتم منشوره بـ«هاشتاغ»، قائلاً: «دُعاة السلمية سيهزمون رعاة المحاصصة».
وأبلغ الصحافي راجي نصير «الشرق الأوسط» أن «الهدوء عاد صباحاً إلى النجف، وافتتحت معظم الطرق التي أغلقها المتظاهرون، قبل يوم». ورأى أن «كثيراً من التهويل رافق عملية حرق القنصلية الإيرانية، فالحياة طبيعية في المدينة القديمة، ولا خطر على منازل مراجع الدين، كما أن القوات الأمنية كثفت انتشارها في الطرق والتقاطعات، وثمة أعداد كبيرة من المتظاهرين والمعتصمين بالقرب من ساحة ثورة العشرين».
وأكد وكيل المرجعية الدينية رشيد الحسيني، أمس، أن المرجع الأعلى علي السيستاني لا يحتاج إلى حماية بقدر ما يحتاج لتنفيذ مطالب الشعب، داعياً إلى عدم التنصل من تنفيذ هذه المطالب. ونقلت مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة عن الحسيني، قوله: «يتم تداول منشورات هنا وهناك بأن قوة متوجهة للنجف لحماية مكاتب المرجعية، وأيضاً صدر من بعض السياسيين أو القادة العسكريين هكذا تصريحات، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على جهل كبير بوضع مدينة النجف الأشرف الحالي».
وكان الأمين العام لـ«عصائب الحق»، قيس الخزعلي، غرد على خلفية حرق القنصلية الإيرانية قائلاً: «واهم من يعتقد أنه يمكن أن يمس شيئاً من السيد السيستاني». وترددت أنباء، أمس، عن توجه الخزعلي إلى محافظة النجف بشكل مفاجئ.
وتحولت القنصلية الإيرانية في النجف، إلى أنقاض متفحمة. واتهم المحتجون، وأغلبهم من الشيعة، السلطات العراقية بالعمل ضد شعبهم للدفاع عن إيران. وقال محتج شهد إشعال النار في القنصلية إن قوات الأمن فتحت النار، في محاولة لمنع المتظاهرين من إحراقها. وأضاف لـ«رويترز»: «كل شرطة الشغب في النجف وقوات الأمن بدأت بإطلاق النار علينا وكأننا نحرق العراق كله».
وقال محتجّ يُدعى علي في النجف: «إحراق القنصلية كان عملاً شجاعاً ورد فعل من الشعب العراقي... لا نريد الإيرانيين». وأضاف: «سيكون هناك رد انتقامي من إيران أنا واثق من ذلك، ما زالوا هنا، وستواصل قوات الأمن إطلاق النار علينا».
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي أمس إن الحكومة العراقية مسؤولة عن حماية قنصلية إيران. ونقل التلفزيون الرسمي عن موسوي قوله: «الحكومة العراقية مسؤولة عن حماية المراكز والبعثات الدبلوماسية لديها... طهران تستنكر بقوة هذا الاعتداء وتطالب باتخاذ إجراءات مسؤولة وحازمة ومؤثرة من قبل الحكومة العراقية في مواجهة العناصر المخربة والمعتدية».
وقالت «وكالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية» للأنباء إن موظفي القنصلية، الذين تم إجلاؤهم من المبنى قبل قليل من اقتحامه، «سالمون وبخير».
من جهتها، أدانت وزارة الخارجيّة ما تعرضت له القنصلية الإيرانية في النجف، معتبرة أن «الاعتداء وقع من قبل أشخاص غرباء عن واقع المظاهرات الحقة التي تشهدها عدد من مُدُننا العراقيّة، ونرى أنَّ الغرض منها بات واضحاً، وهو إلحاق الضرر بالعلاقات التاريخيّة بين العراق وإيران».
وحذرت الوزارة من «دخول أشخاص يبتغون حرف المظاهرات ذات المطالب الحقة عن جادّة الانضباط القانوني، ومسارها الصحيح». ودعت المتظاهِرين إلى «أخذ الحيطة والحذر من هؤلاء المشبوهين الذين يرومون تشويه سمعة المظاهرات المُطالِبة بالإصلاح».
وأجرى وزير الخارجيّة العراقي محمد علي الحكيم اتصالاً هاتفيّاً مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وبحث معه التطوّرات الأخيرة في الوضع العراقيّ، وما تعرَّضت له قنصليّة إيران من اعتداء من قبل أشخاص مجهولين دخلوا بين صفوف المتظاهِرين السلميين. وأعرب الوزير الحكيم بحسب بيان للخارجية أمس الخميس عن «أسفه لما حدث، عادّاً أنَّ هذا العمل الإجرامي لن يمرَّ من دون مُحاسَبة الأشخاص الذين قاموا به، وأنَّ السلطات الأمنيّة تُجري تحقيقاتها؛ لغرض التوصُّل إلى الفاعلين».
من جانبه قال زعيم ائتلاف النصر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي إن «الإصلاح ليس بالاعتداء على الممتلكات والمدارس والبعثات». وأضاف في تغريدة على حسابه في «تويتر»: «سلاح التغيير هو السلمية ومن يريد استخدام العنف فهو ضد ثورة الشعب السلمية، وأداة الإصلاح ليس الاعتداء على الممتلكات ولا المدارس ولا البعثات».
وأضاف العبادي: «إنها صفحة سوداء في سجل من يقمع الشباب... ثورتكم بيضاء.. وبوعيكم وثباتكم وسلميتكم نقضي على ظلمات المحاصصة والفساد والتبعية».

واعتبر محافظ النجف السابق والقيادي في تحالف «النصر»، عدنان الزرفي، أمس، أن «حرق القنصلية الإيرانية في محافظة النجف مؤامرة ضد الاحتجاجات السلمية، وضد المتظاهرين الثوار، الهدف منها خلط الأوراق، والتأثير على قوة قرار النجف».
وفي الناصرية مركز محافظة ذي قار التي تعد أكثر المدن الجنوبية إضراباً لجهة المواجهات العنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين، ويؤكد ناشطون مقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً وجرح 160 آخرين. وتأتي التطورات الخطيرة بعد يوم واحد من تعيين رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الفريق جميل الشمري على رأس قيادة الخلية الأمنية في المحافظة. الأمر الذي دفع محافظة ذي قار عادل الدخيلي، أمس، إلى مطالبة رئيس الوزراء بإبعاد الشمري لـ«إخلاله بأمن المحافظة».
وذكر المكتب الإعلامي للدخيلي في بيان أن المحافظ طالب بـ«تشكيل لجنة تحقيقية ومعاقبة كل من تسبب بسقوط دماء أبناء المحافظة». وفي تطور لاحق من يوم أمس، استجاب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لطالب محافظ ذي قار، وأمر بسحب يد الفريق جميل الشمري من إدارة خلية الأزمة.
ولم يحل إعلان حظر التجوال الذي أعلنته السلطات في المدينة دون خروج المتظاهرين وقيامهم بقطع الطرق والجسور، وتفيد الأنباء الواردة من الناصرية إلى دخول العشائر على خط الأزمة الشديدة، وتضامنهم مع المحتجين، كما تردد أنباء عن وقوع حالات تمرد ورفض للأوامر من قبل عناصر في وحدات الجيش وقوات الشرطة. كما أشارت بعض الأنباء إلى حرق مقر فوج المهمات الخاصة في المدينة إلى جانب انهيار أفواج أخرى، وسيطرة المتظاهرين على مقارهم.



عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.