الخلافات تطفو على السطح بين أعضاء «الناتو» في الذكرى الـ70 لتأسيسه

باريس تعتبره «ميتاً دماغياً» وبرلين تنأى بنفسها عن تصريحات ماكرون حول تكتل الحرب الباردة

ماكرون مع ستولتنبرغ في باريس أمس لتسوية الخلافات بين فرنسا والحلف إثر تصريحات الرئيس الفرنسي (أ.ب)
ماكرون مع ستولتنبرغ في باريس أمس لتسوية الخلافات بين فرنسا والحلف إثر تصريحات الرئيس الفرنسي (أ.ب)
TT

الخلافات تطفو على السطح بين أعضاء «الناتو» في الذكرى الـ70 لتأسيسه

ماكرون مع ستولتنبرغ في باريس أمس لتسوية الخلافات بين فرنسا والحلف إثر تصريحات الرئيس الفرنسي (أ.ب)
ماكرون مع ستولتنبرغ في باريس أمس لتسوية الخلافات بين فرنسا والحلف إثر تصريحات الرئيس الفرنسي (أ.ب)

يطالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمزيد من الاستقلالية الأوروبية عن الولايات المتحدة، معتبرا أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أصبح «ميتاً دماغياً» بسبب مواقف إدارة الرئيس دونالد ترمب، في مقابلة نشرتها مجلة «ذي إيكونوميست»، منتقداً قلّة التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا والسلوك الأحادي الذي اعتمدته تركيا، الحليفة الأطلسية، في سوريا.
وأثارت الأحداث الجارية في شمال شرقي سوريا تحديا للناتو، وهو عدم قدرته على اتخاذ إجراء ضد أعضائه الذين يخرجون عن خطه. وقال أحد الدبلوماسيين مؤخرا إن الناتو «يمكنه فقط أن يتخذ خطوة ما في حالة اتخاذ الدول الأعضاء قرارات بالإجماع»، مشيرا إلى أن معاهدة تأسيس الحلف «لم تتضمن اتخاذ إجراءات ضد أحد الأعضاء».
ونأت برلين بنفسها عما عبرت عنه باريس. وحذر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس من حدوث انقسام بين الأوروبيين، بسبب الموقف الفرنسي وذلك قبل وقت قصير من انعقاد قمة الحلف. وقال ماس أمس الخميس في خطابه لدى مؤسسة «فريدريش - إبرت» في برلين: «الألعاب الذهنية حول فصل الأمن الأميركي والأوروبي تقلقني، ليس فقط فيما يتعلق بأمننا الخاص... إنني أتخوف من أن تقسم صفوف أوروبا».
وسوف يجتمع رؤساء دول وحكومات الحلف البالغ عددها 29 دولة في لندن الأسبوع القادم بمناسبة الذكرى السبعين على تأسيسه. وبعد تصريحات ماكرون طرحت ألمانيا وفرنسا مقترحات لتشكيل لجنة من الخبراء، للتوصل إلى توصيات لإصلاح التحالف الذي يرجع تأسيسه لحقبة الحرب الباردة. ورحبت الدول الأعضاء بهذه الفكرة خلال اجتماع لوزراء خارجية الحلف الأسبوع الماضي في بروكسل وفقا لما قاله أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ. ومن المرجح أن تؤتي الفكرة ثمارها في اجتماع لندن. ويعمل الناتو ليظهر أنه يواكب الأحداث المتسارعة في عالم متغير، فأعلن الأسبوع الماضي أنه سيضيف فرعا جديدا خامسا للقوات العسكرية وهو الفضاء، إلى جانب الأفرع التقليدية للدفاع وهي القوات البرية والبحرية والجوية، فضلا عن الفرع الذي أضيف مؤخرا وهو الفضاء السيبراني. في الأمس استقبل ماكرون ستولتنبرغ في الإليزيه، في محاولة لتسوية «الخلافات» بعد الضجّة التي أثارها كلامه. وقال ستولتنبرغ قبل لقاء الإليزيه إنّه سيأتي للقاء ماكرون «من أجل أن يفهم بشكل أفضل رسالته والأسباب الكامنة وراء» انتقاداته. وأضاف «عندما تكون لدينا اختلافات، الأفضل هو التحدّث عنها». ومن المتوقّع أن يلتقي ماكرون قادة آخرين قبل القمّة، وفقاً للرئاسة. كما سيعقد اجتماعات ثنائيّة لدى وصوله إلى لندن، حيث سيكون الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والتركي رجب طيب إردوغان أيضا حاضرين. كما دافعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الأربعاء عن الحلف الأطلسي وقالت إن لألمانيا مصلحة في ضمان وحدة التكتل اليوم أكثر من أي وقت مضى حتى أثناء الحرب الباردة. وقبل أيام على انعقاد قمة الحلف، قالت ميركل إن التكتل كان «سدا منيعا من أجل السلام والحرية». وكان من المفترض أن يكون اجتماع هذا العام لزعماء الحلف في إحدى ضواحي لندن، بمثابة فرصة لتهدئة الخلافات الناجمة عن أحداث الماضي والتركيز على الوحدة، وأيضا على الدور الأساسي لبريطانيا في هذا التحالف العسكري على الرغم مما يتعلق بخروجها من الاتحاد الأوروبي. وكان قد صرح ستولتنبرغ قبل أسبوعين أن «هذا الاجتماع للزعماء يجيء في وقته المناسب، ليس فقط بسبب التساؤلات المثارة حول قوة العلاقات عبر الأطلسي».
وكان الرئيس ترمب قد سحب فجأة في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي القوات الأميركية المرابطة في شمال شرقي سوريا، حيث كانت تساند الميليشيات الكردية التي قادت العمليات القتالية الدولية ضد «تنظيم داعش»، وأدى هذا الانسحاب إلى تمهيد الطريق أمام التدخل العسكري التركي الذي استهدف المقاتلين الأكراد الذين تعتبرهم أنقرة تهديدا إرهابيا. وتسارعت مجريات الأحداث في أعقاب اتصال هاتفي بين ترمب والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ولم تقم الولايات المتحدة ولا تركيا بتنسيق خطواتهما مع الحلف. وتساءل ماكرون قائلا: «ماذا تعني المادة الخامسة من ميثاق الحلف مستقبلا؟»، وذلك في إشارة إلى التعهد الأساسي للناتو بأن يدافع جميع الحلفاء عن أي عضو يتعرض لهجوم، مضيفا «يجب أن نعيد تقييم الواقع الذي يعايشه الناتو في ضوء التزام الولايات المتحدة حياله».
وسارع زعماء آخرون بالناتو إلى التنصل من تصريحات الرئيس الفرنسي، بينما حذر المحلل الفرنسي فرنسوا هيزبورغ وهو مستشار سابق لماكرون في شؤون الدفاع، في تغريدة له على «تويتر» من «خطر نبوءة يمكن أن تتحقق لتماشيها مع الواقع». بينما علقت المستشارة الألمانية ميركل على تصريحات ماكرون بقولها: «وجهة النظر هذه لا تتوافق مع وجهة نظري»، وبالنسبة لموقف واشنطن قال سفير الولايات المتحدة لدى الناتو كاي بيلي هوتشيسون إن بلاده تختلف «بشدة» مع هذا التقييم.
وعلق رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافسكي إنه «لأمر خطير» أن نشكك في المادة المعنية بالدفاع المشترك عن أعضاء الناتو، وقال لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إن ماكرون «لا يشعر بملامسة الأنفاس الحارة للدب الروسي لرقبته». ولكن بالعودة إلى أرض الواقع يعمل الحلفاء الأوروبيون من أجل تعزيز القدرات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي، في إطار جهود أوسع نطاقا لإعطاء التكتل الأوروبي استقلالية أكبر عن الولايات المتحدة، ومع ذلك يشكك عدد قليل من الأعضاء في دور الناتو المحوري في الدفاع عن أوروبا.
ووجه ترمب انتقادات منذ فترة طويلة للحلفاء في الناتو لعدم تحملهم نصيبهم في عبء نفقات الدفاع، وفي قمة الناتو العام الماضي أثار ترمب احتمال انسحاب واشنطن من الحلف في حالة عدم زيادة الدول الأعضاء الأخرى معدلات إنفاقها العسكري.
ويبدو أن هذا المنهاج الذي طرحه ترمب قد أتى بثماره، حيث زادت الدول المتحالفة بنود ميزانيات الدفاع، وتسير الآن ألمانيا - وهي إحدى الدول الرئيسية التي تركزت عليها انتقادات ترمب - على طريق إنفاق 42.‏1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لديها على الدفاع خلال العام المقبل، وبذلك تقترب من الهدف المحدد للناتو برفع هذه النسبة إلى 2 في المائة. وأكد روبرت أوبراين مستشار الأمن القومي للرئيس ترمب، في مقابلة مع صحيفة «بيلد» الألمانية أن هدف الـ2 في المائة «ليس سوى العتبة الدنيا». وقال، كما اقتبست عنه الوكالة الألمانية، «سيكون من الرائع أن تكون ألمانيا بمستوى دورها في قيادة العالم. قدرتها الاقتصادية هائلة وهي تلعب دورا مهما في العالم». وتابع «نتيجة لذلك من واجب ألمانيا الاستثمار بشكل مناسب في الدفاع لمصلحة الدفاع عنها وعن حلفائها».
وأوضحت المستشارة الألمانية التي خصصت الجزء الأكبر من عرض الميزانية الفيدرالية للعام 2020 للحديث عن الحلف، أن «أوروبا لا يمكنها أن تدافع عن نفسها بمفردها حاليا، نحن نعتمد على حلف الأطلسي ومن المهم أن نعمل من أجل هذا الحلف ونتحمل مزيدا من المسؤوليات».
ووعدت بأن تحقق ألمانيا هدفها في الإنفاق العسكري «مطلع» العقد المقبل، ملمحة في هذه الثناء إلى أنها تنوي البقاء في السلطة حتى انتهاء الدورة التشريعية الحالية في 2021 على الرغم من التهديد الذي يواجهه تحالفها الحكومي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي. ولا يزال المراقبون ينتظرون قمة الناتو ليروا ما إذا كان هذا المعدل الذي تحقق من التقدم كافيا بالنسبة للرئيس ترمب.
كما سيواجه زعماء الناتو جدول أعمال حافلا يجرون حوله مباحثاتهم في مقر بملعب للغولف شمالي لندن، حيث من المقرر أن تستغرق جلسة المناقشات الرسمية ثلاث ساعات فقط يتم خلالها اتخاذ نحو 50 قرارا.
ومن القضايا المطروحة على بساط البحث التهديد الذي تشكله روسيا، وإجراءات الناتو لاتخاذ رد الفعل بسرعة إزاء الأحداث الجارية على حدود أعضائه، إلى جانب صعود الصين عالميا، ومواجهة مجموعة متنوعة من التهديدات، وما تمثله التكنولوجيا الجديدة من تحديات مثل الحروب بالروبوتات، كما تشمل المناقشات عمليات تدريب الجيوش الوطنية في كل من العراق وأفغانستان.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.