مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي

باريس تواجه تحديات استراتيجية وأمنية وإرهابية في بلدان الساحل

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي
TT

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي

في أكبر خسارة يمنى بها الجيش الفرنسي منذ الهجوم الذي استهدف وحداته في بيروت في عام 1983 والمعروف باسم «هجوم دراكار» الذي أوقع 58 قتيلا في تفجير لمبنى كانوا يقيمون فيه في إطار عملهم داخل القوة الدولية في لبنان، قتل 13 ضابطا وصف ضابط في مالي ليلة أول من أمس بسبب اصطدام مروحيتين إحداهما هجومية من طراز «تايغر» والثانية للنقل من طراز «كوغار». ووقع الحادث جنوب شرقي مالي في المنطقة المعروفة باسم «ليبتاكو» التي تعد الأكثر خطورة بالنسبة لـ«عملية برخان» الفرنسية لمحاربة الإرهاب لكونها تقع داخل المثلث الحدودي لمالي وبوركينا فاسو والنيجر. وأفاد بيانان صادران عن وزارة الدفاع وقيادة الأركان الفرنسية بأن حادث الارتطام حصل خلال عملية إسناد جوي كانت تقوم بها الطوافتان إضافة لطائرة ميراج 2000 لمجموعة أرضية مقاتلة كانت تلاحق «إرهابيين» في المنطقة منذ عدة أيام.
حتى عصر أمس، لم تكشف السلطات العسكرية عن أسباب التحطم. وأفادت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي بأن تحقيقا قد فتح لجلاء أسباب «المأساة» التي تعد الخسارة الكبرى التي حلت بالقوة الفرنسية العاملة في مالي منذ عام 2013، وفي عام 2014 تحول اسم العملية الفرنسية من «سيرفال» التي كانت مهمتها، بداية، إنقاذ العاصمة المالية «باماكو» من هجوم مجموعات إرهابية كانت تحاول الوصول إلى العاصمة، إلى «برخان» وهو اسم تلة في مالي. وتنشر فرنسا، في إطار هذه القوة العسكرية التي مهمتها محاربة الإرهاب ليس في مالي وحدها بل أيضا فيما يسمى «دول الساحل» الممتدة من موريتانيا إلى التشاد، نحو 4500 جندي إضافة إلى قوة جوية. لكن هذه القوة تعمل بشكل أساسي في مالي التي يبدو وضعها الأمني الأكثر هشاشة من بين دول المنطقة كافة.

كان من الطبيعي أن تجمع الطبقة السياسية الفرنسية رئاسة وحكومة ومعارضة وأحزابا على التعبير عن تضامنها مع قوة «برخان» وعن تقديرها للدور الذي تقوم به دفاعا أولا عن فرنسا ومصالحها وفي محاربة الإرهاب المتنامي في كل دول المنطقة. ووصف الرئيس إيمانويل ماكرون في تغريدة العسكريين القتلى بـ«الأبطال الذين لم يكن لهم سوى هدف واحد هو حمايتنا». كذلك أشاد بـ«شجاعة» العسكريين وبـ«عزمهم الذي لا يلين» في إنجاز المهمة الموكلة إليهم. واستخدم رئيس الحكومة الكلمات الرئاسية نفسها في التعبير عن «العرفان الكبير لهؤلاء الأبطال» فيما أشار الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند الذي اتخذ قرار إرسال القوات الفرنسية للقتال في مالي عام 2013 إلى أن فرنسا كلها تبكي قتلاها الذين كانوا «يحاربون الإرهاب بشجاعة».
ومع القتلى الـ13 الذين ينتمون إلى نخبة القوات الفرنسية، إذ إن بينهم 12 ضابطا وصف ضابط، تكون فرنسا قد خسرت في مالي وحدها 38 قتيلا يضاف إليهم ثلاثة سقطوا في أماكن أخرى في المنطقة. وينتظر أن يقام لهم في الأيام القليلة القادمة احتفال تكريمي، كما أن الجمعية الوطنية «البرلمان» التزم دقيقة صمت بعد ظهر أمس حدادا وتكريما. ومن بين القتلى، ابن أحد أعضاء مجلس الشيوخ «جان ماري بوكل» وهو طيار لمروحية. ولم ينج أحد من راكبي المروحيتين. وخلال أمس، ركزت عمليات الإنقاذ على استعادة جثث القتلى وتجميع ما أمكن من تسليح المروحيتين اللتين ارتطمتا على ارتفاع منخفض. والغالب أن العواصف الرملية والغبار لعبتا دورا في حصول الحادثة حينما كانت الطوافتان تحلق كل منهما على مسافة قريبة من الأخرى. ولا يخفي المسؤولون الفرنسيون قلقهم من الوضع الأمني في مالي وفي بقية بلدان الساحل رغم الجهود المبذولة، ليس فقط فرنسيا، وإنما أيضا على المستوى الأوروبي والدولي. ذلك أنه إلى جانب قوة «برخان»، توجد في مالي القوة الدولية العاملة تحت علم الأمم المتحدة والمسماة «مينوسما» «القوة الدولية متعددة المهام الخاصة باستقرار مالي» التي تعد الأكبر من بين مهمات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ إذ إنها تضم 13 ألف رجل. وغالبية القوة الساحقة تأتي من الأفارقة أنفسهم وتحديدا من «المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب أفريقيا». وهذه القوة المنتشرة منذ عام 2013 خسرت نحو 200 رجل في مالي في عمليات إرهابية. لكن انتشارها في مالي رغم عددها الكبير لا يبدو مؤثرا كثيرا على الوضع الأمني كما أنها لا تحظى بتقدير واحترام السكان بسبب الاتهامات العديدة التي وجهت لبعض وحداتها ومنها الاغتصاب والتحرش. ويضاف إلى القوة الدولية «البعثة الأوروبية لتأهيل الجيش المالي» التي تضم نحو 700 جندي ينتمون إلى 28 بلدا أوروبيا وهم منخرطون في مهماتهم منذ ست سنوات. وعمد الاتحاد الأوروبي إلى تمديد مهمتها في 2018 لعامين إضافيين مع مضاعفة ميزانيتها لتقترب من 60 مليون يورو بسبب توسيع مهماتها لأنها أخذت تشمل تدريب ما يسمى «قوة مجموعة الـ5 في الساحل».
ومنذ عام 2013 وبداية عملياتها في مالي، تدعو فرنسا شركاءها الأوروبيين إلى توفير الدعم لها. وهذا الدعم رغم وجوده بأشكال مختلفة «لوجيستي، مالي - استخباري» لا يبدو كافيا بالنسبة لباريس التي تستفيد أيضا من الدعم الأميركي خصوصا الاستخباري؛ لذا، دفعت باريس باتجاه تشكيل قوة أفريقية مشتركة لبلدان الساحل الخمسة «موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد». وأسفرت الجهود الفرنسية عن إطلاق قوة «جي 5 ساحل» أواخر عام 2015 والغرض منها التضامن والعمل المشترك في محاربة الإرهاب. لكن هذه القوة لم تنطلق حقيقة حتى اليوم لعدة أسباب أولها فقدان التمويل الكافي وثانيها الحساسيات القائمة بين بعضها. وحتى اليوم، لم تقم تلك القوة إلا بعمليات محدودة للغاية ويسعى الأوروبيون، في إطار بعثتهم المشار إليها سابقا، جاهدين إلى تسهيل العمل المشترك بين أفراد القوة التي تحتاج للتسليح والتمويل والتأطير، وبالتالي فإن خطة نقل مهمة محاربة الإرهاب والمحافظة على استقرار المنطقة إلى الأفارقة أنفسهم تحتاج إلى كثير من الجهود حتى تتحول إلى واقع.
ويطرح هذا الوضع تحديات عديدة على السلطات الفرنسية وأولها التساؤل حول المدة الزمنية التي ستبقى خلالها «برخان» فاعلة في أفريقيا. ذلك أن ستة أعوام لم تكن كافية لجبه التنظيمات الإرهابية، وأهمها «القاعدة» و«داعش» بأسماء مختلفة، إضافة إلى مجموعات أخرى أقل أهمية تدور حولهما. وفي زمن عصر النفقات، تبدو كلفة «برخان» مرتفعة إذ تبلغ سنويا 700 مليون يورو. وثمة قناعة مترسخة قوامها أن مهمة «برخان» ستدوم أيضا لسنوات وسنوات؛ لأن المجموعات الإرهابية توسع عملها في السنوات الأخيرة وسيطرت على مناطق واسعة كما هي الحال في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ولا يمر أسبوع واحد من غير أن تقوم بعمليات إرهابية في هذا البلد أو ذاك.
ولعل أبرز اعتراف بالعجز عن التغلب على الإرهاب في المدى القريب ما جاء على لسان رئيس الأركان الفرنسي الذي أكد أكثر من مرة أن «توفير الأمن على مجرى نهر النيجر الذي يقسم مالي قسمين ويمر في بوركينا فاسو قبل أن يصب في خليج غينيا سيحتاج إلى العديد من السنين ولن يتحقق إلا بتصاعد التعاون مع القوى الشريكة لنا ومع الفاعلين في توفير الاستقرار». تحديات كبيرة تواجهها فرنسا التي بدأت بسحب قواتها من أفغانستان عقب الهجوم الذي استهدفها في أوزبين عام 2008.
لكن أفغانستان شيء وبلدان الساحل شيء آخر؛ إذ لفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية كبيرة؛ وهي ملاصقة لبلدان شمال أفريقيا، حيث الملف الليبي يشكل مصدر قلق كبير لفرنسا ولكل الأوروبيين؛ ولذا سيكون من الصعب على أي رئيس فرنسي أن يفكر في الانسحاب من هذه المنطقة وبالتالي سيتعين على باريس أن تضاعف جهودها الدبلوماسية والسياسية والأمنية والعسكرية حتى لا يكون العبء الأكبر من نصيبها وحدها.


مقالات ذات صلة

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (متداولة)

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

تمكّن الأمن المغربي، في عملية متزامنة ومشتركة مع نظيره الإسباني، اليوم الأربعاء، من تفكيك خلية إرهابية مُوالية لتنظيم «داعش» الإرهابي.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شؤون إقليمية اعتقلت السلطات التركية عشرات من بين آلاف المشاركين في الاحتفال بعيد نوروز في إسطنبول الأحد الماضي لرفعهم صوراً ولافتات تروج لحزب «العمال الكردستاني» (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

تركيا: صدام بين القوميين حول «السلام» مع الأكراد

تصاعد جدل جديد بشأن إقرار اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية المطلوبة لإتمام «عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».