قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين

«قطارات تصعد نحو السماء» لفاتح عبد السلام

قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين
TT

قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين

قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين

يُبرهن القاص فاتح عبد السلام، في مجموعته القصصية الجديدة «قطارات تصعد نحو السماء»، الصادرة عن «ناشرون»، على مقدرته الواضحة في كتابة النص القصصي، الذي يعتمد على البنية المتوازية، فما من حدث يقع في لندن إلاّ ويقابله حدث آخر في بغداد أو البصرة أو الموصل، أو في جبهات القتال التي كانت مشتعلة في ثمانينيات القرن الماضي على الحدود العراقية الإيرانية. وهذا التوازي هو الذي يمنح قصص فاتح عبد السلام نكهتها الزمكانية متنقلاً بين الماضي والحاضر، بتقنية استرجاعية تقرّب البعيد، وتستفيد من حكمة الآباء والأجداد، وهي تُلقي بظلالها الوارفة على مُخيّلات الأبناء وطرائق تفكيرهم في ظروف شاقّة وعصيّة لا يُحسدون عليها. أما الحبل المتين الذي يشدّ القصص جميعها فهو القطار بوصفه بؤرة مكانية تدور فيها غالبية الأحداث، لكن ذلك لا يمنع من تشظّيها إلى أماكن أخرى كالبيت، والشارع، والمدينة، وجبهة الحرب، وما إلى ذلك.
تتميز القصة الأولى «تحت سماء القبّعات» عن بقية القصص بفضائها السُريالي؛ فكل الرُكّاب الجالسين والواقفين يرتدون القبّعات بعد أن تخلّوا عن رؤوسهم، ما عدا الراوي الذي هرب من الحرب، ونجا بجلده، فهو الوحيد الذي احتفظ برأسه، ولا يريد أن يفرّط به بعد أن خاطر بكل شيء، وقطع آلاف الأميال كي يصل إلى برّ الأمان. أما الاستعادة الذهنية التي تضعنا في قلب البنية المتوازية، فتتمثل بحديث الأم التي تتمنى على ابنها ألا يرثَ منها ألم الأسنان «فالألم يُورَّث، والعذاب مثل الرزق مقدّر من الله».
في قصة «من بغداد إلى ديفالي»، تعود بنا الراوية إلى ذكرياتها القديمة عن طاغور، الشاعر الهندي الكبير الذي كانت تقرأ قصائده في المرحلة الإعدادية، وتتذكّر صورته الفوتوغرافية التي يقف فيها بين الملك وجدها رئيس الحكومة آنذاك. وعلى الرغم من جمالية البنية الفنية لهذه القصة، إلا أن شذراتها الفكرية أكثر أهمية، حينما تؤكد الساردة أن العراقيين يفكرون بالمُشتركات، ولا يعيرون بالاً للاختلافات العرقية والدينية والمذهبية. ولعل أغرب ما في هذه القصة أن الصديقة الهندية قررت ألا تحتفل بديفالي أو «عيد الأنوار»، بعد الآن، لأنها غيّرت ديانتها، وآمنت بديانة جديدة عمرها بضع سنوات. لا بد للقارئ أن يبحث عن المعاني المجازية التي تكمن وراء تغيير الديانة بهذه السهولة، وبين التزمّت والقتل على الهوية الطائفية.
كثيرة هي مفارقات هذه المجموعة القصصية، فالعراقي الذي هرب إلى لندن، طالباً حق اللجوء السياسي، ينضمّ إلى قادة الإضراب الأربعة، ويُدخل الرمز لتتوقف حركة القطارات في محطاتها، فيتذمر الناس، وتتعطّل مصالحهم لبعض الوقت قبل أن يُدخل رقم كسر الإضراب لتعاود القطارات حركتها الطبيعية المنسابة، فلا غرابة أن تنضوي القصة تحت عنوان «العراقي الذي حرّر لندن» بعد أن ارتهنها لمدة 10 دقائق لا غير.
تجمع قصة «لو لم تكن المحطة الأخيرة قريبة» بين ثيمتي الهجرة والحُب، فقد طلب الراوي الإقامة الدائمة للمرة الثانية، لكنهم رفضوا طلبه، لأنّ مدينته أصبحت آمنة، وليس هناك مبرّر لمنحه حق اللجوء. قد لا يركّز القارئ كثيراً على مسار الحدث، لكنه ينتبه بالضرورة إلى لقطة مقرّبة رسمها القاص بذكاء يبيّن فيها تعلّق الفتاة البريطانية بأصابع يده التي تُحبها على وجه التحديد، وتتأكد محبة هذا الجزء من الجسد حينما يخبرها بنيّته حرق بصماته حينما تقول: «أتحرق الأصابع التي أحببتها؟»، علماً بأن مُستهل القصة قد أخذ من كاتبها أكثر من صفحة، وهو يصف هذا التعلّق الحميم بين أصابعها «الناطقة» التي تتحسس أصابعه «المتلعثمة»، وتحتويها في كفها المرتعشة، وكأنها تبحث عن شيء ضائع. ولعل استدراكها الاستفهامي أكثر وقعاً من فكرة التعلّق حين ترد عليه: «ألمْ تقل لي أنهم أخذوا بصمة عينيك؟» فهل يتمكن من مسح هذه البصمة أو إحراقها كي يعود من النافذة إن أخرجوه من الباب، خصوصاً بعد أن بنى حياة أخرى في هذا البلد، الذي لم تنتبه قاضيته إلى صعقة الحُب وأثرها على هذا اللاجئ القادم من أتون الحرب والديكتاتورية؟
في «قفزة القرد»، يدخل مسلّحان ويحتجزان التلاميذ رهائن، وعلى الرغم من أنّ الأب ينقذ ابنه سامي وصديقه الياباني يان، إلا أنّ شرطياً جاء متأخراً ورآه يحمل المسدس الذي أعطاه إياه العقيد فأطلق عليه النار وأصابه برصاصتين أخرجهما الطبيب من ساقه.
تحضر البنية المتوازية، فيتذكر الأب قول الضابط المجنّد: «الأرض مثل جسد المرأة تتسع لك حين تشعر أنها تحبكَ فتحتويك وتضمّكَ وتتستر عليكَ إذا لزم الأمر»، هكذا كان الأب يشعر وهو يفكر بالوصول إلى نافذة القاعة التي تمّ فيها احتجاز التلاميذ.
تنطوي قصة «المرأة القطة والرجل القنفذ» على قدر كبير من البراعة والتشويق والإثارة، ومكتوبة بنَفَس سينمائي واضح، فالمرأة هنا مومس، لكنها في لحظة فارقة قررت أن تحمي الجندي الهارب، وتنقذه من الموت، لأن الإعدام هو عقوبة الهاربين من الجيش العراقي في أثناء المعارك. أجلست الجندي المذعور إلى جوارها، وطلبت منه أن ينام، أو يدّعي النوم، وألاّ يفتح عيناه مهما حصل، وأن يترك الباقي عليها. وحينما اقترب منها أحد رجال المفرزة الذين تعرفهم قالت له: «حبيبي هذا من لوازم الشغل»، بعد أن أسقطته في فخ الغواية ووعد بلقاءٍ قريب.
لا يمكن مقارنة قطة مفقودة مع ألفي طالب مختطَف من طلاب القوة الجوية، لكن دقّة البنية المتوازية بين ضياع قطة بريطانية اسمها «لولايكا» سيتم العثور عليها في نهاية القصة التي تحمل الاسم ذاته، وبين ألفي مُختطَف عراقي سيلقون حتفهم على أيدي عصابات «داعش»، الأمر الذي يدفع شقيقه للعودة إلى العراق محملاً بالنقود التي استدانها من البنك على أمل مقايضة أخيه بفدية يحددها الخاطفون أنفسهم. وعلى الرغم من يأسه المطلق، إلاّ أن شقيقته لم تقطع أملها في العثور عليه حيّاً.
تتمحور «الرغبات المتكسّرة» على قصة جندي يأتي مُجازاً من البصرة إلى الموصل، وهناك يلتقي بصديقته التي أحبّها في الجامعة، ولم يستطع الاقتران بها لضيق ذات اليد. وحينما يعرف أنها ذاهبة إلى بغداد لإنجاز معاملة تتعلق بالسكن، يقرر السفر معها في القطار ذاته، على أمل أن يتسلل إلى مقصورتها، لكنه لم يكن يعرف أن المرور عبر المقصورات ممنوع تماماً.
ينجح الراوي في كتابة قصة كل يوم يرمي فكرتها في ذهن القارئ، ويتركها تنمو بهدوء، وإذا لم تنضج جيداً يُدرك أنها وُلدت ميتة، فلا يأسف عليها، ويشرع في كتابة القصة التالية. تُرى، هل كانت الكتابة اختباراً قوياً لوقته وأفكاره وإرادته، أم رغبة في الخروج من عزلته الاختيارية التي تحولت إلى عزلة إجبارية؟
أما قصة «الضفدع الرمادي»، فتتمحور على شخص يُعتقَد أنه متسوّل، لأنه يجمع النقود في قبّعة متسخة خلال الدقائق التسع، قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة، لكن براعة القاص يفاجئنا دائماً بانعطافة فنية محددة تكشف أنّ هذا الشخص الذي لا يراه الرُكّاب هو آخر الخارجين من الحرب بعد أن احترق الجميع. ومع أنه يعيش بينهم منذ 10 سنوات، إلاّ أنه لا يحمل سوى لقب مجنون تتلقفه الشرطة كلما أثار صخباً أو روّع الآخرين في عربة هادئة.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.