تركيا تبدأ التجارب على منظومة «إس 400» الروسية رغم اعتراض واشنطن

الكشف عن اسم حزب باباجان... وعزل نحو 4 آلاف قاض منذ الانقلاب

ترمب وإردوغان في نهاية مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض في 13 نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)
ترمب وإردوغان في نهاية مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض في 13 نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)
TT

تركيا تبدأ التجارب على منظومة «إس 400» الروسية رغم اعتراض واشنطن

ترمب وإردوغان في نهاية مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض في 13 نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)
ترمب وإردوغان في نهاية مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض في 13 نوفمبر الحالي (إ.ب.أ)

أطلقت تركيا أمس التجارب على منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400»، على الرغم من الاعتراضات الأميركية ومطالبة واشنطن لأنقرة بالتخلي عنها لعدم توافقها مع النظام الدفاعي لحلف شمال الأطلسي (ناتو).
وأعلن مكتب والي أنقرة بدء التجارب، مُنبّها إلى أن طائرات حربية من طراز «إف 16» ستُحلّق فوق العاصمة التركية لمدة يومين (أمس واليوم) أثناء إجرائها.
وقالت وسائل إعلام تركية إن الطلعات الجوية تستهدف خاصّة تجربة نظام رادار منظومة «إس 400» التي بدأت تركيا تسلمها في يوليو (تموز) الماضي، لكنها لم تدخل العمليات حتى الآن. ودفعت أنباء بدء التجارب على المنظومة الروسية الليرة التركية إلى التراجع إلى مستوى 5.7380 ليرة مقابل الدولار في تعاملات أمس، مقابل 5.7140 عند إغلاق تعاملات الأسبوع الماضي يوم الجمعة الماضي.
وتسبب توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، بشكل رئيسي، في هبوط الليرة التركية بنحو 30 في المائة العام الماضي، ولا تزال العملة التركية لم تتعاف وتواصل تذبذبها حتى الآن، لا سيما مع كل حدث تكون الولايات المتحدة طرفا فيه.
وكان شراء أنقرة لمنظومة «إس 400» في نهاية العام 2017 عاملا أساسيا في توتر العلاقات مع واشنطن، التي تقول إن المنظومة لا تتوافق مع دفاعات حلف الناتو، وتشكّل تهديدا للطائرة المقاتلة الأميركية «إف 35» القادرة على التخفي عن أجهزة الرادار.
وعلّقت الولايات المتحدة مشاركة تركيا في برنامج لإنتاج وتطوير المقاتلات «إف 35» لمعاقبتها على شراء المنظومة الروسية. وهددت بفرض عقوبات بسبب الصفقة، لكنها لم تفعل حتى الآن. وأكد مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأميركية، الخميس الماضي، أن تركيا في حاجة «للتخلص» من منظومة صواريخ «إس 400»، التي اشترتها من روسيا، إذا كانت ترغب في تجاوز الأزمة مع واشنطن. وأضاف أن «هناك فرصة لتعود تركيا إلى الطاولة. يعرفون أنهم، لإنجاز هذا العمل، بحاجة إما لتدمير (إس 400)، أو إعادتها، أو التخلص منها بطريقة ما».
ولفت المسؤول، الذي تحدّث لوسائل إعلام أميركية شرط عدم الكشف عن هويته، إلى أنه «على دراية بتعليقات إردوغان الأخيرة... هم (الأتراك) يعلمون أن أمامهم أحد خيارين، إما المضي قدماً، وإما التخلص من صواريخ (إس 400) بأنفسهم». وأكد أن «فرض عقوبات أميركية على تركيا لشرائها المنظومة الصاروخية الروسية ما زال أمراً قائماً».
وخلال لقاء في واشنطن، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي في واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لنظيره التركي رجب طيب إردوغان، إن أنقرة بحاجة للتخلص من منظومة «إس 400»، وإن الولايات المتحدة في المقابل مستعدة لبيعها صواريخ «باتريوت» الأميركية. لكن إردوغان قال لدى عودته إلى أنقرة، إنه أبلغ ترمب بأن تركيا لن تتخلى عن المنظومة الروسية، وعزا ذلك إلى العلاقات القوية مع موسكو. وأضاف أن تركيا يمكنها أيضاً اقتناء منظومة «باتريوت» الأميركية، لكن دون التخلي عن «إس 400».
وأكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس 400» سيتم تفعيلها، رغم الاعتراضات الأميركية. وقال: «سننفذ فعالياتنا المخططة عندما تنتهي عناصرنا من تدريباتهم على استخدام المنظومة». وأشار إلى أن وزارة الدفاع التركية بدأت دراسة كيفية استخدام منظومة «إس 400» الروسية ومقاتلات «إف 35» الأميركية معاً.
ورغم التحذيرات المتكررة، وخطر التعرض لعقوبات بموجب «قانون مكافحة أعداء أميركا عبر العقوبات» (كاتسا)، الذي أقره الكونغرس في 2017، الذي يوجب فرض عقوبات على أي صفقات كبيرة لشراء الأسلحة من روسيا، واصلت أنقرة المضي قدماً في اقتناء الصواريخ الروسية. وخلال المحادثات في البيت الأبيض اتفق ترمب وإردوغان على العمل من خلال الطرق الدبلوماسية لحل الأزمة.
على صعيد آخر، كشف كمال أوزكيراز، رئيس أبحاث «أوراسيا»، عن اسم الحزب الذي بدأ نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والاقتصاد الأسبق المستقيل من حزب العدالة والتنمية الحاكم، تأسيسه. وقال أوزكيراز، عبر «تويتر» أمس، إن باباجان يواصل جهوده لتشكيل الحزب الجديد بعد مغادرة حزب العدالة والتنمية، وإن اسم الحزب سيكون «حزب العقل والعلم»، وإن برنامجه يركز بشكل أساسي على إحياء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وتعزيز الحريات والحقوق والاقتصاد.
وفي الوقت ذاته، استمرت حالة الاشتباك والتراشق بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، على خلفية ما كشف عنه الكاتب الصحافي المخضرم في صحيفة «سوزجو» رحمي توران، الأسبوع الماضي، عن لقاء إردوغان في القصر الجمهوري مع نائب بارز بالشعب الجمهوري لتكليفه بخوض الانتخابات على رئاسة الحزب مبديا استعداده لبذل جميع الجهود لدعمه لأن المرحلة الراهنة في تركيا تتطلب ذلك.
وعقد المجلس التنفيذي لحزب الشعب الجمهوري اجتماعا أمس لتدارس الموقف، على ضوء ما كتبه الصحافي توران. واتهم المتحدث باسم الحزب فايق أوزتراك، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع، إردوغان وحكومته «بالتآمر» على الشعب الجمهوري.
وقال أوزتراك إن إردوغان وحكومته يخططان لاغتيال سمعة حزبنا وإن الشائعات عن اللقاء المزعوم بين إردوغان وعضو في الحزب تهدف إلى جر البلاد بعيدا عن أجندتها الحقيقية التي تتمثل في الأزمة الاقتصادية والتستر على المشكلة الحقيقية للبلاد حاليا، وهي «البطالة».
من جانبه، قال رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو في مقابلة مع صحيفة «حرييت» التركية أمس، إنه تم تشويه ملاحظاته بشأن ما كتب عن اللقاء، ليبدو الأمر كما لو أن لدي معلومات حول الشخص الذي تقابل معه.
وكان كليتشدار أوغلو علق على ما جاء في المقال يوم الخميس الماضي بقوله: «أعتقد أنه صحيح... لست مندهشا... حزب العدالة والتنمية الحاكم لديه فريق يعمل لإثارة الخلاف داخل حزبنا قبل المؤتمر العام للحزب».
وسيتم خلال المؤتمر العام للحزب إجراء انتخابات جديدة على منصب الرئيس ونوابه ومجلسه التنفيذي.
وتابع كليتشدار أوغلو: «نحن نعلم أن إردوغان فعل الكثير من الأشياء للتدخل في الشؤون الداخلية لحزبنا، مثل التدخل في تحالف الأمة (التحالف بين الشعب الجمهوري وحزب الجيد)، وإنتاج الشائعات واستخدام مسؤولي الدولة في هذا الغرض».
في المقابل، طالب المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشيليك في تصريحات أمس، حزب الشعب الجمهوري بتقديم الاعتذار لإردوغان، قائلا إن المشكلة توجد لديهم، وإذا كانوا يتحدثون عن «التآمر» فيجب أن يبحثوا داخل حزبهم. أما الرئيس (إردوغان) فلا علاقة له بالأمر. وأضاف «لا يمكن أن نجد أفضل من هذه المعارضة، حتى نواصل فوزنا في كل انتخابات».
وكان إردوغان تعهد بالاستقالة من رئاسة الجمهورية على الفور إذا قدم حزب الشعب الجمهوري دليلا على أنه التقى أحد نوابه، مطالبا كمال كليتشدار أوغلو بالاستقالة من رئاسة الحزب إذا لم يتمكن من تقديم الدليل.
من ناحية أخرى، قال وزير العدل التركي عبد الحميد غل إن أكثر من 3900 قاضٍ ومدع عام تم فصلهم من وظائفهم منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا في 15 يوليو 2016 التي تتهم السلطات حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن بتدبيرها.
وقال غل، خلال مناقشة ميزانية وزارة العدل للعام القادم في لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان التركي أمس، إن «عدد القضاة ومدعي العموم الذين تم عزلهم منذ محاولة الانقلاب الفاشلة وصل إلى 3926 قاضيا ومدعيا عاما». وأضاف أن تهديد «منظمة غولن» (أعلنت السلطات حركة الخدمة منظمة إرهابية عقب محاولة الانقلاب) لم يبدأ أساساً في ليلة 15 يوليو، أو انتهى في صباح يوم 16 يوليو 2016، «فتركيا تواجه منظمة إرهابية اخترقت مؤسسات الدولة لمدة 40 عاماً... وليس صحيحا القول إننا انتهينا من القتال مع هذه المنظمة خلال 40 يوما».



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.