تساؤلات عن سبب تأخر عون بالدعوة للمشاورات الحكومية

«القوات» أبلغت الرئيس رفضها دخول التشكيل الجديد

TT

تساؤلات عن سبب تأخر عون بالدعوة للمشاورات الحكومية

أثار تريث الرئيس اللبناني ميشال عون في الدعوة إلى المشاورات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الوزراء المكلف تشكيل الحكومة الجديدة، تساؤلات عن رهاناته، خصوصاً في ظل تفاقم الوضع الميداني مع هجوم أنصار «الثنائي الشيعي» على متظاهرين في بيروت أول من أمس.
واستغرب مرجع حكومي سابق تأخر عون، متسائلاً: «على ماذا يراهن رئيس الجمهورية في إصراره على التريث بدعوة الكتل النيابية للمشاركة في الاستشارات المُلزمة؟ وهل يتحمل التداعيات الأمنية والسياسية المترتّبة على إقحام البلد في حرب شوارع كما حصل في هجوم محازبي الثنائي الشيعي على المتظاهرين أمام جسر الرينغ؟ وماذا سيقول للبنانيين عن الفلتان الأمني المفتوح على احتمالات ارتفاع منسوب الاحتقان الطائفي والمذهبي في ظل انسداد الأفق في وجه إخراج البلد من التأزّم الحكومي الذي بلغ ذروته؟».
وقال المرجع الحكومي السابق الذي فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «لا مصلحة لرئيس الجمهورية في لجوء طرف سياسي من لون واحد إلى استخدام فائض القوة ضد الحراك الشعبي»، معتبراً أن «ما حصل (ليل أول من أمس) يشكل إحراجاً له قبل سواه من القوى السياسية التي قالت كلمتها في شأن المخرج المطروح لتشكيل الحكومة الجديدة في مقابل من يحاول فرض الحلول على الآخرين».
ودعا الرئيس إلى «الإفراج» عن الاستشارات المُلزمة «لعلها تكون المعبر الوحيد لوقف الفلتان الأمني، خصوصاً أن نقل الخلاف إلى الشارع ستترتب عليه مضاعفات جسيمة تدفع باتجاه انهيار البلد على المستويات كافة». وقال: «أنا لا أفهم لماذا الإصرار على ربط التكليف بعملية تأليف الحكومة، وصولاً إلى إيهام اللبنانيين بأن الكرة لا تزال في مرمى رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري بذريعة أنه لا يزال يتردد ولم يحسم أمره مع أنه كان أول من بادر فور استقالته إلى تحديد مواصفات الحكومة الجديدة انطلاقاً من تقديره بأن تشكيلها من اختصاصيين هو المدخل للالتفات إلى الأزمة المالية والاقتصادية وتوفير الحلول المرحلية لها».
ولفت المرجع الحكومي السابق إلى أن «البلد لا يحتمل المزيد من استدراج العروض بحثاً عمن يتولى تشكيل الحكومة العتيدة». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التيار الوطني الحر هو من يقوم بتسريب أسماء المرشحين الواحد تلو الآخر ثم يبادر إلى حرقها، وإلا ما هي الدوافع التي أملت على الوزير جبران باسيل التصرف وكأنه الآمر الناهي في تحديد مواصفات رئيس الحكومة تكليفاً وتشكيلاً، وبالتالي يحرج رئيس الجمهورية ويقدّم نفسه على أنه هو من ينوب عنه؟».
واعتبر أن «المواقف من تسمية الرئيس المكلف باتت واضحة، وهذا لا يبرر الاستمرار في ترحيل الاستشارات المُلزمة في الوقت الذي ينهار فيه البلد»، لافتاً إلى أن «التذرّع بالتريث لا يُصرف سياسياً في مكان، خصوصاً أن رئيس الجمهورية وحلفاءه يشكّلون الغالبية في البرلمان، وهذا ما يسمح لهؤلاء بالتوافق على اسم معين يكلّف بتشكيل الحكومة التي تتمتع بثقة نيابية لا غبار عليها».
وأكد، أن الحريري «ليس في وارد تشكيل حكومة من غير الاختصاصيين». وقال إن «لا مجال لتعديل موقفه حتى لو بادرت الكتل النيابية إلى حشره بتسميته لتشكيل الحكومة». ورأى أن «التذرّع بعدم مبادرة الحريري إلى حسم موقفه ما هو إلا محاولة للهرب إلى الأمام مع أنه لم يعد من مجال لكسب الوقت، واتهامه بأنه لا يريد غيره على رأس الحكومة ليس في محله؛ لأنه ليس من الذين يحصرون الرئاسة بأشخاصهم». واتهم «التيار الوطني» بـ«امتهان سياسة التعطيل»، مشيراً إلى أنه «يبرر التأخّر في الدعوة إلى الاستشارات النيابية بعدم وجود نص في الدستور يُلزم رئيس الجمهورية القيام بها فور استقالة الحكومة، لكنه يغيب عن باله تعطيله لانتخابات رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان وغيابه عن جلسات الانتخاب ما لم يُنتخب العماد عون رئيساً للجمهورية مع أن الدستور ينص على أن البرلمان يبقى في حالة انعقاد دائمة إلى حين انتخاب الرئيس».
وكشف عن أن «التيار الوطني» يميل إلى تشكيل «حكومة مواجهة من لون واحد كأمر واقع، لكنه يصطدم بمعارضة الثنائي الشيعي، وإن كان الأخير يتفق مع رئيس الجمهورية وتياره السياسي على أن تشكّل الحكومة من سياسيين وتكنوقراط». ورأى أن «الأكثرية النيابية في حاجة إلى غطاء سياسي لا يوفّره إلا الحريري أو من يسميه لرئاسة الحكومة».
في هذا السياق، سأل عما إذا كان «حزب الله» على استعداد للقبول بإعفاء باسيل من التركيبة الوزارية. وقال إنه «يصر على تعويمه مباشرة أو عبر حصة وزارية لئلا تتراجع حظوظه التي تمكّنه من المنافسة على رئاسة الجمهورية، رغم أنه لم يعد كما كان في السابق، بعد أن تمكن الحراك الشعبي من استهدافه بضربات سياسية أدت إلى فقدانه الكثير من أوراقه السياسية الضاغطة».
واعتبر المرجع الحكومي السابق، أن التذرّع لتبرير تأجيل الاستشارات بوجود تحرك دولي داعم لتشكيل الحكومة بلا شروط «في غير محله». وقال إن «لا توافق دولياً يتعلق بالأزمة الراهنة، وهناك ضرورة لإعادة تعويم مقررات مؤتمر سيدر، وهو ما يمكن أن يسهم به وجود الحريري على رأس الحكومة، وإن كان في حاجة إلى بذل جهد استثنائي لدى الأطراف المشاركة في المؤتمر، فكيف سيكون الحال إذا أوتي برئيس ينتمي إلى محور الممانعة، خصوصاً أن الأخير لا يلقى تجاوباً من الحريري الذي يرفض أن يكون مظلة لحكومة الآخرين».
وفي هذا السياق أيضاً، فإن «الحزب التقدمي الاشتراكي» باقٍ على موقفه بعدم المشاركة في الحكومة من جهة وإصراره على تشكيل حكومة تكنوقراط من اختصاصيين، وكذلك الحال بالنسبة لحزب «القوات اللبنانية».
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية، أن موقف «القوات» من الحكومة الجديدة أُثير في اجتماع عقده الوزير السابق ملحم رياشي وإيلي براغيد، مدير مكتب رئيس «القوات» سمير جعجع، مع عون بناءً على طلبه، لكن الاجتماع لم يبدّل من موقف «القوات». وكشفت المصادر، عن أن عون تبلغ من موفدي جعجع بعدم وجود رغبة لدى «القوات» للاشتراك في الحكومة، وأن الحزب يفضّل المجيء بحكومة مستقلة من الاختصاصيين، لكن عون أبلغهما بأن «حزب الله» يصر على تشكيل حكومة مختلطة من تكنوقراط وسياسيين.
لكن الوفد «القواتي» أصر على موقفه، ورأى أن لا مانع من مثول حكومة من هذا النوع أمام البرلمان، وقد تشكل له إحراجاً حتى لو لم تحصل على ثقته. وفي المقابل، رأى عون أن عدم نيلها الثقة سيحولها إلى حكومة تصريف أعمال، فرد الوفد: «ما المشكلة وتقوم أنت بإجراء استشارات ملزمة للمرة الثانية وعندها ننتظر لنرى ماذا سيحصل؟».
وعليه، فإن حرب الشوارع التي شهدها جسر الرينغ أحدثت مضاعفات لا يمكن القفز فوقها، وبالتالي فإن سحب فتيل التفجير من الشوارع لن يكون إلا بمبادرة رئيس الجمهورية إلى إعادة النظر في حساباته وصولاً إلى إقراره بوجوب إجراء الاستشارات المُلزمة اليوم قبل الغد؛ لأنها وحدها تعيد الاعتبار لدور المؤسسات الدستورية وضرورة تأمين انتظامها.
لذلك؛ لم يعد في وسع عون التأخير طالما أن المعطيات الخاصة بالحكومة الجديدة باتت واضحة تكليفاً وتشكيلاً، وإلا فإن مجرد التأخير سيؤدي حتماً إلى استنزاف النصف الثاني من الولاية الرئاسية بعد أن انتهى النصف الأول بلا إنجازات على صعيد إنقاذ الوضعين الاقتصادي والمالي رغم الوعود الوردية التي ظلت حبراً على ورق.



مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.


اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي، في محاولة لوضع التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع امتد إلى الساحل الغربي ومناطق أخرى من البلاد، وتحذيرات أممية وغربية من أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة داخل اليمن.

وتزامن هذا التحرك مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لبحث التصعيد الحوثي، شهدت مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية حازمة حيال الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والملاحة البحرية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن عودة الحرب باتت واقعاً، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز الحدود اليمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اليمنية في جهودها لإنهاء ما وصفته بإرهاب الحوثيين المدعومين من إيران وإحلال الاستقرار والسلام، كما أكدت وقوفها إلى جانب السعودية وحقها في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال فعالية للحشد والتعبئة (أ.ب)

وقالت المندوبة الأميركية إن هجمات الحوثيين تمثل جزءاً من أساليب ترهيب اليمنيين، مشيرة إلى قصف المدن وما نجم عنه من نزوح آلاف الأسر وسقوط مدنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بميناء المخا وبنيته التحتية الحيوية. وعدّت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

وربطت واشنطن بصورة مباشرة بين التصعيد الحوثي والدعم الإيراني، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى تعطيل الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق باب المندب، وتهديد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية. كما أشارت إلى هجمات نفذها الحوثيون في 5 سبتمبر (أيلول) ضد 4 مدن سعودية، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجمات سابقة على منشآت مدنية وسفن في البحر.

ودعت الولايات المتحدة، مجلس الأمن، إلى تشديد تنفيذ القرارات الصادرة عنه، وحرمان الحوثيين من الموارد التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، مؤكدة ضرورة أن يتحدث المجلس بصوت واحد تجاه التصعيد، وأن يتحمل الداعمون له مسؤولية تبعاته.

تحذيرات غربية وأممية

من جهتها، أكدت فرنسا تمسكها بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية بوصفها الجهة المخولة ممارسة سلطة الدولة. وقال رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي جيروم بونافون، إن الشعب اليمني وحده صاحب الحق في تقرير مستقبله، ولا ينبغي أن يظل رهينة للسياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار.

وأدانت باريس بشدة الهجمات الحوثية في اليمن والسعودية، مؤكدة أن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره، وأن التصعيد الراهن يمثل أخطر أزمة يشهدها اليمن منذ هدنة 2022.

وفي الشق البحري، قالت فرنسا إن هجمات الحوثيين تهدد الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة، ومشيرة إلى استمرار التزامها بهذا المسار عبر العملية الأوروبية «أسبيدس» ذات الطابع الدفاعي، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من المقاتلين لخوض المعارك في الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

أما بريطانيا فأدانت استئناف الحوثيين الحرب في اليمن واستمرار هجماتهم على السعودية، مؤكدة حق البلدين في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما، وفق القانون الدولي. وحذرت لندن من أن استئناف الحرب يعرض اليمنيين الأكثر ضعفاً لمزيد من المخاطر ويعمق الأزمة الإنسانية، مشيرة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وربطت بريطانيا كذلك بين التصعيد وتهديد حرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة أهمية التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216، بما في ذلك منع نقل الأسلحة والدعم العسكري والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي تمكن الحوثيين من تنفيذ هجماتهم.

وجاءت إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن لتضيف بعداً أممياً إلى التحذيرات الغربية؛ فقد قال إن تحذيره السابق من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة 2022 إلى العودة لنزاع واسع النطاق تحول إلى واقع، مع اشتداد القتال على جبهات عدة، خصوصاً الساحل الغربي.

وقال غروندبرغ إن هذا التطور يمنح الجماعة الحوثية وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم، مع استمرار القتال وإمكان تغير الوضع الميداني.

وحذّر غروندبرغ من أن عودة الحرب لا تعني فقط احتمال انزلاق اليمن إلى صراع طويل، وإنما تنطوي أيضاً على خطر جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد تكون له تداعيات عالمية.

تحرك يمني متعدد المسارات

في موازاة التحرك داخل مجلس الأمن، وسعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، اتصالاتها مع القوى الدولية، في مسار يبدو أنه يستهدف بناء موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه البعد البحري للتصعيد الحوثي.

وخلال اتصال مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، أكدت الزوبة أهمية الدور البريطاني بوصف المملكة المتحدة حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، ودعت إلى حشد موقف دولي واضح تجاه التهديدات التي تطال المدنيين ودول الجوار والبحر الأحمر وباب المندب.

وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (أ.ب)

وقالت إن التهديد الحوثي تجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية، وإن معالجة مصادره تتطلب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، إلى جانب الحد من تدفق السلاح والتكنولوجيا والتمويل إلى الحوثيين.

وفي لقاء مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن وسفراء الدول الأعضاء، ركزت الوزيرة على محاولات الحوثيين التمدد باتجاه باب المندب، معتبرة أن حماية الدولة لسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ليست قضية يمنية داخلية فحسب، وإنما ركيزة لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

كما طرحت أمام الجانب الأوروبي الحاجة إلى تعزيز قدرات القوات البحرية وخفر السواحل وتأمين الموانئ ومكافحة شبكات تهريب السلاح والتمويل، بحيث يبقى باب المندب ممراً آمناً للتجارة الدولية، ولا يتحول إلى ورقة ضغط بيد جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وفي اتصالها مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، دفعت الزوبة بالطرح ذاته، مؤكدة أن حماية السفن بعد وصول التهديد إلى الممرات البحرية تظل إجراءً ضرورياً، لكن المعالجة الأكثر استدامة تبدأ من تمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.

كما بحثت الوزيرة مع السفير الروسي يفغيني كودروف، أهمية الحفاظ على موقف دولي متماسك تجاه اليمن، مستفيدة من عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد التأييد لتنفيذ القرارات الدولية، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

وتوجت الحكومة اليمنية هذا المسار برسالة وجهتها الزوبة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن التطورات العسكرية في تعز والحديدة، ومخاطر التحركات الحوثية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.

وأكدت الرسالة أن التحركات الحوثية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً معزولاً، وإنما في سياق مسعى أوسع لفرض واقع عسكري جديد يمكن أن يعزز قدرة الجماعة وداعميها الإيرانيين على تهديد الملاحة الدولية والتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بموقف واضح وحازم تجاه التصعيد، وإدانة استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية، إلى جانب اتخاذ تدابير لوقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل إلى الحوثيين.