الفلسفة والشعر... تاريخ من الحكمة والجنون

الجزائرية حبيبة محمدي تتناول اشتباكاتهما جمالياً عبر نيتشه

الفلسفة والشعر... تاريخ من الحكمة والجنون
TT

الفلسفة والشعر... تاريخ من الحكمة والجنون

الفلسفة والشعر... تاريخ من الحكمة والجنون

رغم أن الفلسفة بدأت شعراً، حسب بعض الآراء، خصوصاً في بحثها عن أصل الكون والأشياء على يد الفلاسفة الطبيعيين الأول، من أمثال طاليس وهيراقليطس... وغيرهما، فإن العلاقة بينها وبين الشعر ظلت مثيرة للجدل... هذه العلاقة بأبعادها الإنسانية والفنية تتناولها الباحثة الشاعرة الجزائرية د. حبيبة محمدي في كتابها «نيتشه.. شهوة الحكمة وجنون الشعر»، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية للكتاب، مشيرة إلى أنه عبر أفكار نيتشه الجدلية ثمة محاولة للإجابة عن تساؤل مفاده: ما أهمية أن يتضمن الشعر الأفكار الفلسفية؟ وهل من الممكن أن تقدم الأفكار الفلسفية في إطار شعري؟
ويقع الكتاب في 4 فصول، عبر 175 صفحة من القطع المتوسط، تتبع فيها الباحثة بدايات الفكر الفلسفي، كاشفة أن كلاً من الفيلسوف والشاعر يستخدم الكلمات في محاولة إعادة تشكيل العالم وفهمه، مستعينة بمقولة للفيلسوف الألماني هايدغر: «إن كل تفكير تأملي يكون شعراً، وإن كل شعر يكون بدوره نوعاً من التفكير». وتعود إلى جذور التراث الصوفي الإسلامي، الذي جمع بين الفلسفة والشعر، حيث صاغ ابن سينا نظريته الفلسفية الخاصة بالنفس البشرية شعرياً.
ويضم الفصل الأول رحلة في تاريخ الفلسفة اليونانية، حيث نظم الفلاسفة قصائد شعرية تضمنت أفكارهم الفلسفية بداية من بارميندس (520 - 450 ق.م)، مروراً بهيراقليطس والسوفسطائيين الذين ظهروا أواسط القرن الخامس قبل الميلاد، ثم تتطرق لموقف أفلاطون المعادي للشعر والشعراء، رغم كونه ألف الشعر في شبابه، وعد الشعر نوعاً من المس الإلهي الذي يفجر الطاقة الإبداعية عند الإنسان، لكنه مع ذلك عده مصدراً مضللاً للمعرفة، وفضل استبعاده من مدينته الفاضلة.
فيما تكشف المؤلفة موقف أرسطو من الشعر الذي عده محاكاة للطبيعة، وهو باعث فن الشعر ومؤسس جذوره في تاريخ الفلسفة، إلا أن القصور الذي يشوب نظريته هو أنه لم يتناول أشكال الشعر كافة، كما أنها لم تفسر قوة الخلق لدى الشاعر الذي يسعى عبر الفن لاستكمال نقص الطبيعة التي لا تكون دائماً كاملة.
وتنتقل حبيبة محمدي إلى الفلسفة والشعر في العصر الحديث، متخذه من هيغل نموذجاً كونه عد الشعر حداً وسطاً بين الفنون التشكيلية والموسيقى (بين التمثيل والتجريد)، كما تتناول رؤية هايدغر للشعر بصفته تأسيساً للوجود عن طريق الكلام. وتعقد المؤلفة مقاربة بين الشعر والفلسفة، مشيرة إلى أن موضوعات الشعر والفلسفة تكاد تكون واحدة، فالفلسفة تبحث في المعرفة والوجود والقيم والشعر كذلك.
وتستشهد الباحثة بأقوال لباحثين سابقين حول الفلسفة، بصفتها فكراً يتداخل فيه الأدب والشعر، فتأثيرها واقع على مضامينها. أما من حيث الغاية، فإن الشعر يشترك مع الفلسفة في غاية واحدة، هي المعرفة والكشف عن الحقيقة «تأسيس الموجود بما هو موجود».
وتستشهد بكثير من المقولات لفلاسفة وباحثين تؤكد أن للشاعر تأثيراً أخلاقياً وعاطفياً، تماماً كما للفيلسوف.
وخصصت حبيبة محمدي الفصل الثاني كمدخل إلى فلسفة نيتشه، مستعرضه نشأته والنزعة الدينية التي لازمته في بداية حياته، ثم منابع فكره وفلسفته ومراحل تطوره الفكري. واستعرضت من خلال ممارسات نيتشه في الكتابة العلاقة بين الشعر والفلسفة عنده، عبر أفكاره الفلسفية الرئيسية الثلاث: إرادة القوة، والإنسان الأعلى، والعود الأبدي. وهنا، يحسب للمؤلفة تناولها بشكل مكثف مبسط للأفكار والمبادئ الفلسفية الرئيسية لنيتشه بشكل يسهل استيعابه لدى القارئ غير المتخصص.
وكما هو معروف للدارسين، تتلخص فلسفة نيتشه في الدعوة للسعادة والبحث عنها والتفاؤل والأمل، حتى لو كان ذلك من خلال المأساة، وهي الفلسفة التي علمتها له الحياة عبر سلسلة مآسي مر بها في حياته الشخصية؛ لذا فإننا من خلال التعرف على حياته سوف نفهم دعوته للإنسان لكي يحب مصيره وحياته، فكانت وصيته: «اتصفوا بالصلابة وتشددوا».
لكن المؤلفة لا تتفق مع فلسفة نيتشه عن الإنسان الأعلى والعود الأبدي ورؤيته للأزمنة الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، فهو «كان محارباً للماضي، ومناضلاً ضد التاريخ وضد النزعة العقلية، وثار على سقراط الذي قدس المعرفة العقلية»، كما تشير إلى مشروع نيتشه النقدي للحضارة.
ويناقش الفصل الثالث النزعة الفنية عند نيتشه، ومعنى الفن لديه الذي يعود لنظرته «الديونيزوسية» للحياة، نسبة لأحد آلهة اليونان، التي أراد من خلالها التأكيد على أهمية انتصار الحياة على العقل. فالتراجيديا اليونانية امتزجت في رأي نيتشه بعناصر القوة والشجاعة والمخاطرة، وهي أمور جعلت اليونانيين يقبلون على الحياة بكل طاقتهم.
ويعد نيتشه الفن مظهراً من مظاهر القوة، فهو الذي يمنحنا إمكانيات جديدة للحياة، ويساعدنا في التغلب على كل ما من شأنه أن يستنفد إرادتنا. وعن الشعر يقول نيتشه: «حين يريد الشعراء أن يلطفوا حياة الناس، فإنهم إما أن يحولوا الأنظار عن الحاضر المعذب، وإما يضفون على هذا الحاضر ألواناً جديدة تشع ضوءاً».
وتناقش محمدي أثر الموسيقى في فلسفة نيتشه التي عدها «الحقيقة الماهوية للعالم»، مشيرة لحبه لموسيقى فاغنر وللشعر الذي له إيقاع يشبه اللحن الموسيقى، والموسيقى بالنسبة له هي أحد جذور الشعر، لذا كتب: «فوق الحافة المتألقة - الجندول، والأضواء، والموسيقى - ثملاً أعيش في البعيد، في الظلام - نفسي آلة مشدودة - تغني أغنية الجندول سراً - هل سمعها أي منكم؟».
وفي الفصل الرابع، تتطرق المؤلفة لمضامين التعبير الشعري عند نيتشه ومضامينه الفلسفية، مسلطة الضوء على الفروق بين الشعر والنثر، من حيث الصورة الشعرية والصياغة والموسيقى في الشعر والنثر، وتكشف إلى أي مدى كان نيتشه يرى أن رداءة الشعر تتحقق حين يضطر الشاعر إلى تصنع فكرة تتناسب مع القافية حتى تبدو القصيدة أكثر اتساقاً.
ثم تتناول الأمثلة بالتفصيل، والأمثلة نماذج تطبيقية للعلاقة بين الشعر والفلسفة عند نيتشه «إذ إن كتاباته تمتلئ بخصائص الشعر من إيقاع بين الجمل واستعارات وتشبيهات ورموز، فهو يتمتع بتفكير حدسي يعتمد على الصور والخيال والقدرة على الاستنباط. فشخصية زرادشت الهائم الذي يتجول في بلاد شتى غريبة هي شخصية نيتشه نفسه. وقد أصبح زرادشت على وجه الخصوص رمزاً لنيتشه ومفتاح أسرار فلسفته».
والجزء المميز في هذا الكتاب هو تقديم المؤلفة قراءة في أفكار نيتشه عبر كتاباته النثرية، في أسلوب هو أشبه بتحليل الخطاب في العلوم الإنسانية لكتابات الفيلسوف الألماني الشهير، منتقية نصوصاً من أعماله تكشف فلسفته التي استطاع بها أن يحول الكتابة إلى حالة حياتية، والحياة إلى حالة شعرية. وكما يقول جيرارد جينتي، الذي تستشهد به حبيبة محمدي، كانت الحياة بالنسبة لنيتشه لا تحتمل من دون الشعر «فالشعر هو تطهير من عفن كل ما هو يقيني».
وترصد المؤلفة أن حالة العزلة كانت شرطاً من شروط الإبداع عند نيتشه، مسلطة الضوء على حالة الاغتراب التي كان يعيشها في المجتمع الألماني، حيث عبر عن ذلك يقول: «أيتها العزلة، أنت وطني».
وتستعرض المؤلفة نماذج من قصائد نيتشه من كتاب «العلم والمرح». وتخلص في خاتمة الكتاب إلى أن كتابات نيتشه تؤكد أن الفلسفة يمكن أن تتضمن الشعر، كما يمكن للشعر أن يتضمن الأفكار الفلسفية، وأن إمكانية التداخل أقوى من إمكانية التباعد عبر كل الثقافات القديمة والحديثة. لكن التحديات التي تواجه كل باحث في كتابات نيتشه، كما تقول، هي التداخل الكبير بين فلسفته وحياته الخاصة، الأمر الذي يحتاج لكثير من الدراسات والأبحاث.
وفي الختام، تعبر حبيبة محمدي عن سر شغفها بنيتشه وإعادة اكتشافه قائلة: «عش في خطر... هذه هي تركة الفيلسوف نيتشه لي، الذي استلهمت منه الإرادة. فيلسوف القوة والإرادة. المواجهة والحرية... كان هذا هو مدخلي لقراءة الفلسفة والشعر عند نيتشه. وفي هذا الكتاب، حاولت أن أشد الخيط بين الشعر بدهشته والفلسفة بتأملاتها، وأن أقيم الجسور والمقاربات بين الحكمة والجنون».



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.