القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»

المعرفة... ما قبلها وما بعدها

القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»
TT

القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»

القوة الكامنة خلف الأفكار «المُهملة»

يقول آينشتاين إن «الخيال أهم من المعرفة»، لأن الخيال يطوف الدنيا والمعرفة محدودة، كما علّل قوله.
أفكار كثيرة لا تكون منتجة، وتبدو عديمة الفائدة في لحظتها وغير مهمة ومسلّية، وقد يكون تجسيدها مُكلفاً! ولكن حين نعود إلى أغلب الاختراعات والأفكار المنتجة، سنجدها نتاج أكثر من شخص وأكثر من مرحلة. فآينشتاين لم يكن يعلم عندما وضع نظرية النسبية العامة، أننا سنستخدمها اليوم في نظام تحديد المواقع، GPS، ولكن الذي جاء بعده جعلها كذلك.
المعرفة مفهوم مائع ونسبي وغير نهائي. ماذا نعرف؟ ما قيمة ما نعرف؟ وهل معارفنا تناسب هذا الزمان أو المستقبل؟
نقضي معظم حياتنا في الانسياق وراء ما نعتقد أنه معرفة، فلكي تعرف شيئا عليك أولاً أن تبحث في احتمال صحته أو نقيضها. فالنقيض أيضاً يخلّف معرفة.
وأسئلة يطرحها الإنسان كل حين، والعلم يقدم آليات لتبرير الثقة في المعرفة التي يولدها - أي أنه ينتصر في النهاية دوماً!
ما أنا بصدد متابعته في هذا المقال، ليس المعرفة تحديداً ولكن ما هو قبلها وبعدها الـ«ما بَعْد» يعتمد على الإمكانات. ولكن ماذا عن الـ«ما قبل»؟ وماذا عن التعامل مع المألوف بطريقة غير مألوفة؟
الاتصالات اللاسلكية، مثلاً، وكل التقنيات التي صاحبتها، لم تكن في حقيقة الأمر من اختراع غولييلمو ماركوني. فهي تدين بالفضل في وجودها إلى ماكسويل وهيرتز، وهما العالمان اللذان توصلا إلى أساسيات الموجات الكهرومغناطيسية، من دون أن يشغل ذهنيهما أي هدف عملي منها، وأنه سيكون هناك هاتف فيما بعد.
ولك أن تتخيل أن مفهوم البطاقة الائتمانية موجود في طيّات رواية «النظر إلى الخلف» لإدوارد بيلامي في العام 1887، وسماعة الأذن ضمن رواية «فهرنهايت 451» لراي براندبوري العام 1953، والاتصال المرئي في كتاب لهوغو جيرنسباك العام 1936، والهبوط على سطح القمر في كتاب «من الأرض إلى القمر» لجول فيرن 1865، قبل نحو قرن من الصعود إلى القمر. وشبكات التواصل العالمية تكهن بها العالم الإنجليزي آرثر كلارك العام 1945.
والكثير من الأفكار التي كانت لا تعدو إلا أفكاراً، أصبح فيما بعد أهم الاختراعات التي تخدم البشرية. وهناك قصتان حدثتا في ذات الوقت:
- قصة ليسينكو الذي تسبب في موت ملايين البشر. استغل هذا العالم حالة العصبية والجهل بالنظرية الماركسية وأنتج أبحاثاً مزيفة في مجال الزراعة. وكانت ادعاءاته هي ما يريد سماعه القادة السوفيات آنذاك. وفي أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين، وضع جوزيف ستالين مخططاً كارثياً لتحديث الزراعة السوفياتية، مبنياً على نظريات ليسينكو، مجبراً ملايين الأشخاص على الانضمام إلى المزارع الجماعية التي تديرها الدولة. وأدى فشل المحاصيل على نطاق واسع في البلاد إلى المجاعة. ومع ذلك رفض ستالين تغيير المسار، وأمر ليسينكو بعلاج الكارثة بأساليب تستند إلى أفكاره الراديكالية. ولم تنتهِ قصة ليسينكو إلاّ بعد وفاة ستالين.
- وقصة أبراهام فليكسنر الذي كان مهتماً بالتعليم الطبي ثم صار يهتم بالتعليم في الجامعات. ذات يوم، جاءه شخص اسمه «فلد» مع أخته «لوي»، وقالا له: لدينا تجارة كبيرة وقد جنينا مالاً وفيراً ونريد أن نكافئ هذه الولاية، ولاية نيوجيرسي، بالتبرع بشيء من المال. ونعلم أنك مهتم جداً بالتعليم الطبي. فهل ترى أن نقدم مالاً لإنشاء مؤسسة لتعليم طب الأسنان؟
قال لهما: هذا ممكن. ولكن عندي فكرة إذا اقتنعتما بها نستغل هذا المال لإنشاء مؤسسة من نوع جديد على الأقل في أميركا. تركّز المؤسسة على إنتاج المعرفة الصرفة غير التطبيقية. فنأتي بعلماء ونقول لهم: ابحثوا فيما تشاءون، أي في الأفكار والنظريات من دون الاهتمام بتطبيقاتها. كما يمكنكم النظر في المواضيع التي لا نجد لها تطبيقات مهما كانت قديمة. وبعد خمسين سنة أو مائة سنة ستأتي لنا بالفوائد الفكرية والاقتصادية والتطبيقية. فلا يمكن حصر أنفسنا من البداية في المواضيع التطبيقية.
وهذا الأمر مطبق في كثير من المؤسسات الأوروبية في ألمانيا، وبريطانيا في أكسفورد، وفي فرنسا في كولاّج دو فرانس، وفي بعض الكليات الخاصة، ونريد أن يكون لنا هذا في أميركا. فوافق المموّلان على ذلك.
ثم قال لهما: سآتي بعلماء كبار من مستوى آينشتاين، وأعطيهم رواتب. وأقول لهم: ابحثوا فيما تشاءون. بالطريقة التي تريدون ولا تكترثوا لشيء آخر. وكان عندما يتصل فليكسنر بأحد العلماء ليدعوه إلى الانضمام لـ«معهد الدراسات العليا». يسأله العالم: ما هي واجباتي؟ فيجيبه: ما عليك أي واجبات، فقط تأتي إلى مكتبك أو لا تأتي، وتتحاور مع زملائك.
وكان من تصريحات آينشتاين حول هذه المؤسسة التي بقي فيها حتى مماته، أنه أمضى أفضل أوقاته وأكثرها إنتاجاً علمياً وفكرياً، وبخاصة تلك النزهات على الأقدام برفقة كوت كودال، عالم رياضيات المنطق الشهير، وعلماء كبار آخرين التحقوا بالمؤسسة، مثل فلنويمن «أبو الحواسيب»، ويويجن فكنر، وإدور تلر «أبو القنبلة الهيدروجينية»، وأيولزراد «أبو القنبلة النووية الانشطارية»، وأوبنهايمر، وأولينتلك... وغيرهم من علماء القرن العشرين الذين التحقوا بالمعهد.
ما أهمية تلك الخطوة؟
يقول فليكسنر: «أريد أن أعطي فرصة للعلماء أن يسبحوا ضد التيار، تيار الاعتبارات التطبيقية». أي أنه كان يريد أن يعطي فرصة لفضولهم العلمي من دون أي عوائق وعقبات. أي الفضول الحرّ في كل ما تريد.
وكتب روبرت ديكراف الذي جاء بعد أكثر من 60 أو 70 سنة من فليكسنر، وهو حالياً أحد مديري هذا المعهد، أن أبراهام فليكسنر بفعلته هذه، نقل مركز الثقل للأبحاث العلمية والمعارف العليا من أوروبا إلى أميركا. وعندما توفي فليكسنر كتبت جريدة «نيويورك تايمز» في صفحتها الأولى تأبيناً له، قالت فيه: «لم يسهم أميركي من عصره أكثر مما ساهم هو في الحياة وفي الثراء وفي المعيشة بالنسبة إلى بلده، وبالنسبة إلى البشرية جمعاء».
ويقول ديكراف: هل تعرفون أن 30 في المائة من الناتج الوطني العام لأميركا أو الناتج الاقتصادي، أي كل الإلكترونيات والتطبيقات الطبية والاقتصادية الأخيرة تعود بطريقة وأخرى إلى نظريات ميكانيك الكم؟ ويضيف أن هذه النسبة ستتزايد في المستقبل. بمعنى أن أبحاث ميكانيك الكم، حينما بدأت لم يتصور أحدٌ أنه سيكون لها تطبيقات أو استخدامات، ومع ذلك فإنها بعد 50 أو 100 سنة صار لها تطبيقات عظيمة جداً.
عندما قدم روبرت ولسن، وهو مؤسس وأول مدير لمسارع فيرميلب (FermilabTevatron)، في أميركا العام 1969 أحد أكبر المسارعات، إلى الكونغرس لكي يسمعوا منه لماذا يجب أن يمولوا هذا المشروع في زمن الحرب الباردة، سأله أحد النواب: هل سيساهم مشروعكم في الدفاع عن بلدنا؟ حيث إنهم كانوا يعيشون هوس الدفاع وضرب السوفيات، فرد عليه ولسن قائلا: «هذا المشروع مرتبط بشكل قوي جداً بالشرف والوطن، ولكن ليس له أي علاقة مباشرة بالدفاع عن وطننا، إلا أنه سيجعل وطننا جديراً بالدفاع عنه».
كيف يمكننا بلوغ حالة تمكّننا من إنتاج الأفكار والإضافة على ما سبق؟
أود الإشارة إلى أن مكتبات براءات الاختراع تعج بوثائق مهملة مرميّة، وهناك برامج بحثية وتجارب إكلينيكية كثيرة لم تُكلَّل بالنجاح. ويمكن لتحليل هذا الفشل أن يساعد الآخرين على النجاح. وقد يساهم في المساعدة على فَهْم ما الذي يحث على الابتكار وتطوير الأفكار بطرق مختلفة وجديدة. فالابتكار في الحقيقة هو الربط بين الأفكار التي تبدو في ظاهرها غير مترابطة. وقد أصبحنا اليوم محاطين بكَمّ هائل من الاكتشافات، كلّ منها في مجال منفصل عن الآخر، كما يقول الواقع. ولكننا لا نستطيع أن نحكم من خلال تحليلنا على فائدتها في المستقبل.
وكل ما علينا هو المساعدة على إيجاد ميدان للأفكار من خلال النقاش والحوار، والاختلاف واحترام الغرابة، لأن الابتكار لا يحدث إلا بوجود التنوع. ومحاولة تجريب الأفكار وصقلها من خلال المزج بين الطريقة العلمية والمقاربة الفنية. وأن ندرك أن «كل ما يستطيع العقل البشري تخيله هو حقيقة تنتظر التطبيق».

- كاتب سعودي، مختص في شؤون الملكية الفكرية والصناعية



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي