«الحب والصمت»... وثيقة كاتبة منتحرة

«الحب والصمت»... وثيقة كاتبة منتحرة

إيمان مرسال تتبعت دراما حياة عنايات الزيات
الأحد - 27 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 24 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14971]
القاهرة: منى أبو النصر
كان نداء عنايات الزيات الأول لإيمان مرسال هامساً، كأنه جاء من الماضي محملاً بغبار سور الأزبكية القديم. ففي غمرة انهماكها بالبحث عن كتاب «كرامات الأولياء» للنبهاني، لوح لها البائع بنسخة من «الحب والصمت»، وبصوته ينادي: «بجنيه»! تأخذها إيمان مرسال مُتصورة أن صاحبتها هي الشقيقة الصغرى للكاتبة لطيفة الزيات... هكذا كانت البداية: سوق مُكتظ بالكتب المُنهكة المنسية، وصدفة بحتة قادت الكاتبة في طُرقات استكشاف طويلة، في الأدب والكتابة والنسوية، وخرجت منها بمُغامرة كتابها الأحدث «في أثر عنايات الزيات».

الكتاب صدر أخيراً عن دار «الكتب خان» للنشر والتوزيع في القاهرة، ومن عنوانه تُطل عنايات الزيات التي ظل اسمها مُرتبطاً بكاتبات الخمسينات، عبر رواية يتيمة، وهي «الحب والصمت» التي نُشرت عام 1967، بعد انتحارها عام 1963. تقود مصادفة وقوع الرواية في يد إيمان مرسال إلى عالم شيدته الشاعرة المصرية، مُستعينة بأدوات السرد الأدبي، والبحثي، والاستقصائي والنقدي، وحتى الفانتازي الخيالي، تجتر مقاطع من الرواية، ومن يوميات عنايات على مدار الكتاب، مُتأملة مصير كاتبتها القاتم، متسائلة: «لم انتحرت عنايات الزيات، هذه الفنانة الموهوبة التي أجمع كل من عرفها على أنها كانت الرقة والشفافية تسير على قدمين؟».

تتبعت المؤلفة خيوط القصة كأُحجية صعبة، مفرداتها مُبعثرة بين شواهد المقابر، وخرائط الأحياء القديمة، بعد أن تبدلت أسماء الشوارع، وتاهت عناوين من سكنوها، ومعهم بيت عنايات وعائلتها، وحتى مقبرتها. دخلت مكاتب الأرشيف، وأجرت لقاءات بمن عرفن عنايات، لعل أبرزهن «بولا»، صديقة الطفولة والمدرسة الألمانية، التي صارت نجمة سينمائية لامعة اسم شهرتها «نادية لطفي».

على غلاف الكتاب، الذي يقع في 243 صفحة، تظهر عنايات في صورة وحدها، وفي أخرى تُشاركها نادية لطفي اللقطة الحُرة على الشاطئ في مدينة رأس البر، تتماثل ملابسهما وابتساماتهما الواسعة: «كانتا تشتريان القماش معاً، وتختاران الموديل من المجلات أو الأفلام، ثم تذهبان إلى خياطة اسمها مدام أفلاطون»، وهي واحدة من شذرات الحياة الحلوة التي لا تُفارق ذاكرة نادية لطفي التي كانت تسترسل في حكاياتها، مؤمنة بأن عنايات هي من أرسلت لها إيمان مرسال بعد كل هذا العمر، لتُجدد الحكاية والذكرى.

تكتب مرسال إيمان عن تحدياتها اليومية في تتبع خيوط الحكاية، مُشاهداتها وانطباعاتها، حتى مُراجعتها لنفسها مع كل مرة يُثقلها فيها الإحباط وهي تتعثر في الوصول: «هل أنا ألعب أم أهرب من حياتي بالبحث عن أي خيط يدلني على حياة امرأة كتبت رواية وماتت في شبابها؟ ألم أقرأ روايتها مرات؟ هل الرواية مهمة لدرجة البحث عن صاحبتها؟ هل قرارها الموت هو ما يشدني إليها أم احتمالات مستقبلها ككاتبة التي لم تتحقق؟ ألم تحكِ بولا عنها في حواراتنا التليفونية ما يكفي لأتخيل حياتها؟».

قبل أن تلتقي بها في القاهرة، كان التواصل بين بولا (نادية لطفي) وإيمان عبر الهاتف، ومنها تعرفت على الفترة المُبكرة من حياة عنايات، وهي طالبة في المدرسة الألمانية، وعلاقتها بوالدها المُتفتح الذي كان يصطحب عنايات وبولا للسينما لمشاهدة بطلتهما المفضلة آنذاك فاتن حمامة. ثم نقرأ عن دراما الزواج، وفزع عنايات من فقد حضانة ابنها الوحيد بعد طلاقها، وتوجه بولا للتمثيل وبدء عنايات الكتابة، وإحباطها الشديد، وتراكم الضغوط، وقبل ذلك تاريخ طويل من الاكتئاب، حتى مشهد الختام والانتحار، وجنازة عنايات التي لم تستطع بولا حضورها. «نادية لطفي عندها قدرة عجيبة على استحضار صوت عنايات الزيات بعد عقود على صمته»، تقول لنا الكاتبة.

تبدأ إيمان مرسال الكتاب من عنوان نشرته جريدة الأهرام عام 1967، تُعلن فيه أسرة عنايات الزيات عن إحياء ذكراها بمدفن رشيد باشا بالعفيفي، عنوان غامض غير تفصيلي يقود مرسال لمتاهة في عالم المقابر، حيث مدينة للموتى والأحياء معاً، ومتاهة أخرى مُوازية لتتبع تواريخ عائلات تحمل اسم رشيد باشا، لتصل بها لمقبرة عنايات، تحقيقات بوليسية بنزعة روحانية تُنقذها وسط التيه: «لو لم أصل إلى عنايات اليوم، فستُرسل لي إشارة عندما تريد»، هكذا آمنت.

تُعيد الشاعرة المصرية النظر مرات لـ«نجلاء»، بطلة «الحب والصمت»، وصدمتها المبكرة مع الفقد، والموت اليومي الذي تُحاربه البطلة في داخلها، والتعافي عبر بحثها عن هُويتها، وهي أزمات ترى مرسال أنها لا تنفصل عن أزمة عنايات الزيات الشخصية. تقول في تماس شخصي مع الرواية: «الامتنان ليس للأعمال العظيمة فقط، ولكن للأعمال التي كان دورها عظيماً في فهمنا لأنفسنا في لحظة محددة، حتى إننا عندما نلتفت لحياتنا يمكننا تعريفها بهذه الأعمال».

تمر رحلة إيمان مرسال البحثية على ما ترك الكُتاب «النجوم» في هذا الوقت من كتابات تتبعت صدور «الحب والصمت» بعد رحيل صاحبتها، منهم أنيس منصور الذي كتب أكثر من مرة عبر سنوات متعددة عن عنايات، في أداء أقرب لإعادة التدوير لسيرتها، وملاحظته لها على مسودة الرواية التي رفضت أن تأخذ بها، وصداقتها بنادية لطفي، وتوقفت عند قراءة المقدمة التي كتبها مع هذه الطبعة الدكتور مصطفى محمود بعد انتحار عنايات وليس قبل ذلك، في وقت طال فيه انتظار عنايات لتلك المقدمة «تسكن في بيت أبيها في الدقي، وطفلها معها، تذهب للعمل في المعهد الألماني في النهار، وتنتظر مكالمة من نادية، أو تُعيد تغيير كلمة أو جملة في روايتها في المساء، أو تقضي الليالي مؤرقة في انتظار أن يكتب مصطفى محمود المقدمة، أو تسمع خبراً من الدار القومية للنشر».

مع كل لحظة تتمكن فيها مرسال من الإمساك بخيط جديد للحكاية، كانت صورة عنايات تتراءى لها بشكل أنصع، وتصبح مغامرتها في الوصول إليها عابرة لمجرد إعادة كتابة قصة حياة كاتبة راحلة، بقدر ما هي نظرة تقترب من ثيمات إنسانية خصيبة حائرة بين الشعور بالرفض والقبول، التحقق والانكسار، الأحلام والصداقة والحب والاكتئاب والموت.

ومن أجل عنايات، وصلت إيمان لشقيقة عنايات «عظيمة»، وصديقة لها بالمدرسة تدعى «آفيز»، ومدام النحاس، تبحث في حديثهم عن صناديق عنايات المُغلقة، ويومياتها، وصورها، ويقودها البحث لمفاجآت في سيرتها، ومسودات لم تصل للنور، ومحاولات لتخطي أزمة الرواية الأولى، ولكن أجهضها إحباط الحياة من جديد.

وخلال بحثها الدؤوب عن أرشيف عنايات، تلتفت إيمان وكأنها تذكرت للتو أرشيفها الشخصي المُهمل، تقول مرسال: «تذكرت فجأة كل الصناديق التي تتآكل فوق سطح بيت أبي من التراب، حياتي قبل أن أترك مصر في 1998 يأكلها التراب! لماذا لم أفكر أبداً في فرزها، والحفاظ على المهم منها في شقتي بالمنيل. لا بد أنني أتفادى الألم الذي سيحدثه هذا. ثم تساءلت عن الفرق بيني وبين من يتخلصون من صناديق شخص ميت».

تتصاعد حالة الوصال بين عنايات وإيمان مرسال على مدار الكتاب، مما تستدعيه إيمان بروح شعرية تسللت إلى الكتابة، فنداهة الكاتبة الشابة الراحلة قادتها إلى هوامش التاريخ والشوارع، مستشفى «بهمن» النفسي، وحتى تحليل المادة الفعالة للحبوب الوردية المُنومة التي أجهزت على حياة عنايات، مروراً بتتبع قانون الأحوال الشخصية، والطلاق، والحضانة والأمومة... في كل المحطات، لم تتوقف إيمان مرسال عن انتظار إشارة من عنايات لتتبع أثرها «كان وقوفي أمام شاهد قبرها أسعد لحظة في تاريخ علاقتنا، لم يكن القبر تفصيلة جديدة تجعلني أتخيل أحلامها التي لم تتحقق، ولا أرقها ولا آلامها، كان القبر هو المكان الوحيد الذي هي فيه فعلاً. وبينما كان عليَّ أن أعود لكل ما تتبعته في حياتها، إلى الأرشيف وذكريات الأحياء والمكتبة وخيالي، شعرت أنها أخيراً صدقتني، وسمحت لي بالوصول إليها عبر سلسلة من الصدف السعيدة».
مصر كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة