«الحب والصمت»... وثيقة كاتبة منتحرة

إيمان مرسال تتبعت دراما حياة عنايات الزيات

«الحب والصمت»... وثيقة كاتبة منتحرة
TT

«الحب والصمت»... وثيقة كاتبة منتحرة

«الحب والصمت»... وثيقة كاتبة منتحرة

كان نداء عنايات الزيات الأول لإيمان مرسال هامساً، كأنه جاء من الماضي محملاً بغبار سور الأزبكية القديم. ففي غمرة انهماكها بالبحث عن كتاب «كرامات الأولياء» للنبهاني، لوح لها البائع بنسخة من «الحب والصمت»، وبصوته ينادي: «بجنيه»! تأخذها إيمان مرسال مُتصورة أن صاحبتها هي الشقيقة الصغرى للكاتبة لطيفة الزيات... هكذا كانت البداية: سوق مُكتظ بالكتب المُنهكة المنسية، وصدفة بحتة قادت الكاتبة في طُرقات استكشاف طويلة، في الأدب والكتابة والنسوية، وخرجت منها بمُغامرة كتابها الأحدث «في أثر عنايات الزيات».
الكتاب صدر أخيراً عن دار «الكتب خان» للنشر والتوزيع في القاهرة، ومن عنوانه تُطل عنايات الزيات التي ظل اسمها مُرتبطاً بكاتبات الخمسينات، عبر رواية يتيمة، وهي «الحب والصمت» التي نُشرت عام 1967، بعد انتحارها عام 1963. تقود مصادفة وقوع الرواية في يد إيمان مرسال إلى عالم شيدته الشاعرة المصرية، مُستعينة بأدوات السرد الأدبي، والبحثي، والاستقصائي والنقدي، وحتى الفانتازي الخيالي، تجتر مقاطع من الرواية، ومن يوميات عنايات على مدار الكتاب، مُتأملة مصير كاتبتها القاتم، متسائلة: «لم انتحرت عنايات الزيات، هذه الفنانة الموهوبة التي أجمع كل من عرفها على أنها كانت الرقة والشفافية تسير على قدمين؟».
تتبعت المؤلفة خيوط القصة كأُحجية صعبة، مفرداتها مُبعثرة بين شواهد المقابر، وخرائط الأحياء القديمة، بعد أن تبدلت أسماء الشوارع، وتاهت عناوين من سكنوها، ومعهم بيت عنايات وعائلتها، وحتى مقبرتها. دخلت مكاتب الأرشيف، وأجرت لقاءات بمن عرفن عنايات، لعل أبرزهن «بولا»، صديقة الطفولة والمدرسة الألمانية، التي صارت نجمة سينمائية لامعة اسم شهرتها «نادية لطفي».
على غلاف الكتاب، الذي يقع في 243 صفحة، تظهر عنايات في صورة وحدها، وفي أخرى تُشاركها نادية لطفي اللقطة الحُرة على الشاطئ في مدينة رأس البر، تتماثل ملابسهما وابتساماتهما الواسعة: «كانتا تشتريان القماش معاً، وتختاران الموديل من المجلات أو الأفلام، ثم تذهبان إلى خياطة اسمها مدام أفلاطون»، وهي واحدة من شذرات الحياة الحلوة التي لا تُفارق ذاكرة نادية لطفي التي كانت تسترسل في حكاياتها، مؤمنة بأن عنايات هي من أرسلت لها إيمان مرسال بعد كل هذا العمر، لتُجدد الحكاية والذكرى.
تكتب مرسال إيمان عن تحدياتها اليومية في تتبع خيوط الحكاية، مُشاهداتها وانطباعاتها، حتى مُراجعتها لنفسها مع كل مرة يُثقلها فيها الإحباط وهي تتعثر في الوصول: «هل أنا ألعب أم أهرب من حياتي بالبحث عن أي خيط يدلني على حياة امرأة كتبت رواية وماتت في شبابها؟ ألم أقرأ روايتها مرات؟ هل الرواية مهمة لدرجة البحث عن صاحبتها؟ هل قرارها الموت هو ما يشدني إليها أم احتمالات مستقبلها ككاتبة التي لم تتحقق؟ ألم تحكِ بولا عنها في حواراتنا التليفونية ما يكفي لأتخيل حياتها؟».
قبل أن تلتقي بها في القاهرة، كان التواصل بين بولا (نادية لطفي) وإيمان عبر الهاتف، ومنها تعرفت على الفترة المُبكرة من حياة عنايات، وهي طالبة في المدرسة الألمانية، وعلاقتها بوالدها المُتفتح الذي كان يصطحب عنايات وبولا للسينما لمشاهدة بطلتهما المفضلة آنذاك فاتن حمامة. ثم نقرأ عن دراما الزواج، وفزع عنايات من فقد حضانة ابنها الوحيد بعد طلاقها، وتوجه بولا للتمثيل وبدء عنايات الكتابة، وإحباطها الشديد، وتراكم الضغوط، وقبل ذلك تاريخ طويل من الاكتئاب، حتى مشهد الختام والانتحار، وجنازة عنايات التي لم تستطع بولا حضورها. «نادية لطفي عندها قدرة عجيبة على استحضار صوت عنايات الزيات بعد عقود على صمته»، تقول لنا الكاتبة.
تبدأ إيمان مرسال الكتاب من عنوان نشرته جريدة الأهرام عام 1967، تُعلن فيه أسرة عنايات الزيات عن إحياء ذكراها بمدفن رشيد باشا بالعفيفي، عنوان غامض غير تفصيلي يقود مرسال لمتاهة في عالم المقابر، حيث مدينة للموتى والأحياء معاً، ومتاهة أخرى مُوازية لتتبع تواريخ عائلات تحمل اسم رشيد باشا، لتصل بها لمقبرة عنايات، تحقيقات بوليسية بنزعة روحانية تُنقذها وسط التيه: «لو لم أصل إلى عنايات اليوم، فستُرسل لي إشارة عندما تريد»، هكذا آمنت.
تُعيد الشاعرة المصرية النظر مرات لـ«نجلاء»، بطلة «الحب والصمت»، وصدمتها المبكرة مع الفقد، والموت اليومي الذي تُحاربه البطلة في داخلها، والتعافي عبر بحثها عن هُويتها، وهي أزمات ترى مرسال أنها لا تنفصل عن أزمة عنايات الزيات الشخصية. تقول في تماس شخصي مع الرواية: «الامتنان ليس للأعمال العظيمة فقط، ولكن للأعمال التي كان دورها عظيماً في فهمنا لأنفسنا في لحظة محددة، حتى إننا عندما نلتفت لحياتنا يمكننا تعريفها بهذه الأعمال».
تمر رحلة إيمان مرسال البحثية على ما ترك الكُتاب «النجوم» في هذا الوقت من كتابات تتبعت صدور «الحب والصمت» بعد رحيل صاحبتها، منهم أنيس منصور الذي كتب أكثر من مرة عبر سنوات متعددة عن عنايات، في أداء أقرب لإعادة التدوير لسيرتها، وملاحظته لها على مسودة الرواية التي رفضت أن تأخذ بها، وصداقتها بنادية لطفي، وتوقفت عند قراءة المقدمة التي كتبها مع هذه الطبعة الدكتور مصطفى محمود بعد انتحار عنايات وليس قبل ذلك، في وقت طال فيه انتظار عنايات لتلك المقدمة «تسكن في بيت أبيها في الدقي، وطفلها معها، تذهب للعمل في المعهد الألماني في النهار، وتنتظر مكالمة من نادية، أو تُعيد تغيير كلمة أو جملة في روايتها في المساء، أو تقضي الليالي مؤرقة في انتظار أن يكتب مصطفى محمود المقدمة، أو تسمع خبراً من الدار القومية للنشر».
مع كل لحظة تتمكن فيها مرسال من الإمساك بخيط جديد للحكاية، كانت صورة عنايات تتراءى لها بشكل أنصع، وتصبح مغامرتها في الوصول إليها عابرة لمجرد إعادة كتابة قصة حياة كاتبة راحلة، بقدر ما هي نظرة تقترب من ثيمات إنسانية خصيبة حائرة بين الشعور بالرفض والقبول، التحقق والانكسار، الأحلام والصداقة والحب والاكتئاب والموت.
ومن أجل عنايات، وصلت إيمان لشقيقة عنايات «عظيمة»، وصديقة لها بالمدرسة تدعى «آفيز»، ومدام النحاس، تبحث في حديثهم عن صناديق عنايات المُغلقة، ويومياتها، وصورها، ويقودها البحث لمفاجآت في سيرتها، ومسودات لم تصل للنور، ومحاولات لتخطي أزمة الرواية الأولى، ولكن أجهضها إحباط الحياة من جديد.
وخلال بحثها الدؤوب عن أرشيف عنايات، تلتفت إيمان وكأنها تذكرت للتو أرشيفها الشخصي المُهمل، تقول مرسال: «تذكرت فجأة كل الصناديق التي تتآكل فوق سطح بيت أبي من التراب، حياتي قبل أن أترك مصر في 1998 يأكلها التراب! لماذا لم أفكر أبداً في فرزها، والحفاظ على المهم منها في شقتي بالمنيل. لا بد أنني أتفادى الألم الذي سيحدثه هذا. ثم تساءلت عن الفرق بيني وبين من يتخلصون من صناديق شخص ميت».
تتصاعد حالة الوصال بين عنايات وإيمان مرسال على مدار الكتاب، مما تستدعيه إيمان بروح شعرية تسللت إلى الكتابة، فنداهة الكاتبة الشابة الراحلة قادتها إلى هوامش التاريخ والشوارع، مستشفى «بهمن» النفسي، وحتى تحليل المادة الفعالة للحبوب الوردية المُنومة التي أجهزت على حياة عنايات، مروراً بتتبع قانون الأحوال الشخصية، والطلاق، والحضانة والأمومة... في كل المحطات، لم تتوقف إيمان مرسال عن انتظار إشارة من عنايات لتتبع أثرها «كان وقوفي أمام شاهد قبرها أسعد لحظة في تاريخ علاقتنا، لم يكن القبر تفصيلة جديدة تجعلني أتخيل أحلامها التي لم تتحقق، ولا أرقها ولا آلامها، كان القبر هو المكان الوحيد الذي هي فيه فعلاً. وبينما كان عليَّ أن أعود لكل ما تتبعته في حياتها، إلى الأرشيف وذكريات الأحياء والمكتبة وخيالي، شعرت أنها أخيراً صدقتني، وسمحت لي بالوصول إليها عبر سلسلة من الصدف السعيدة».


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».