الانتفاضة الإيرانية تهزّ النظام رغم انتظارها تبلور قيادة موحّدة

قراءة وسط اتساع الاحتجاجات الشعبية وارتباك السلطة

الانتفاضة الإيرانية تهزّ النظام رغم انتظارها تبلور قيادة موحّدة
TT

الانتفاضة الإيرانية تهزّ النظام رغم انتظارها تبلور قيادة موحّدة

الانتفاضة الإيرانية تهزّ النظام رغم انتظارها تبلور قيادة موحّدة

على مدار العقود الأربعة الماضية، أي منذ تأسيس آية الله الخميني الجمهورية الإسلامية في إيران، لم يكن يمر عام من دون أن تشهد البلاد مظاهرة أو مسيرة أو احتجاجاً لدى بعض شرائح المجتمع الإيراني. وتوثق قائمة من إعداد الباحث الإيراني باري صحابي، اندلاع ما لا يقل عن 800 حالة احتجاج ضمت أكثر من 1000 مواطن منذ عام 1979. ولقد اشتملت القائمة على العديد من الشرائح والطبقات الاجتماعية التي تضم المزارعين، وعمال النقل، وعمال المناجم، والمعلمين، والجماعات العرقية، والناشطات في قضايا حقوق المرأة، والمعارضة الدينية، والمواطنين الذين فقدوا مدخراتهم، أو غيرهم ممن تعرضوا لعمليات الاحتيال الاقتصادي التي غالباً ما تشارك فيها عناصر مؤيدة للنظام الحاكم.

هناك تساؤل مطروح للنقاش في الدوائر السياسية في طهران، مع استمرار الاضطرابات الشعبية في إيران: ما الذي يحدث بالفعل هناك؟
على الرغم من أن الاحتجاجات ليست من الظواهر نادرة الحدوث في إيران الخمينية، فإن الموجة الراهنة منها سببت هزّات صادمة وعنيفة لدى النخبة الإيرانية الحاكمة أكثر من أي وقت مضى خلال السنوات الـ40 الماضية، ولكن لماذا؟
لا تبدو الاحتجاجات الراهنة في حجم شيوع أو انتشار الانتفاضة التي عمت أرجاء إيران في شتاء عام 2017 - 2018 الماضيين، ومن المؤكد أنها ليست ذات دوافع سياسية على غرار «الحركة الخضراء» التي شهدتها البلاد قبل 10 سنوات. إلا أن وزارة الداخلية الإيرانية تقرّ بأن الانتفاضة الحالية شملت 110 مدن وبلدات من أصل 1080 تحمل تصنيف المدن والبلدات في إيران، بمعنى أنها في الأماكن التي يتجاوز عدد سكانها 10 آلاف مواطن أو أكثر.
حتى الآن، لم يصدر حصر رسمي بشأن أعداد الوفيات في الانتفاضات الأخيرة. وكانت السلطات الإيرانية، في بداية الأمر، قد أشارت إلى سقوط نحو 30 قتيلاً في المظاهرات، غير أنها تراجعت بعد ذلك، وقالت إنه من غير المسموح الإعلان عن أي أرقام على المستوى المحلي. مع هذا، تقدر منظمة العفو الدولية عدد القتلى في المظاهرات الإيرانية خلال الأسبوع الأول منها بأكثر من 100 قتيل. وتقول مصادر موثوقة إن لديها قائمة بأسماء 57 مواطناً إيرانياً لقوا حتفهم في 14 بلدة، فضلاً عن تقارير إخبارية أخرى تفيد بمقتل 80 مواطناً آخرين، ولكن من المستحيل الآن التأكد من وفاتهم. بعبارة أخرى، حتى مع افتراض أكبر عدد ممكن من الوفيات، فإن الانتفاضة الحالية لم تكن دموية على غرار الحالات السابقة من الانتفاضات الإيرانية الأخرى.

هزّة سياسية وأرقام

في الانتفاضات الأخرى، بلغت حالات الوفيات أكثر من 1000 قتيل، مع أرقام للمعتقلين في انتفاضة عام 2017 - 2018 تجاوزت 10 آلاف مواطن جرى احتجازهم لفترات زمنية متفاوتة.
مع ذلك، يبدو أن النظام الإيراني الحاكم يعاني من زلزلة شديدة الآن أكثر من أي وقت مضى. إذ ظهرت، للمرة الأولى على الإطلاق، انقسامات واضحة في الرواية الرسمية للأحداث الراهنة. فإحدى الروايات الرسمية، التي روّج لها الفصيل الموالي للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، تفيد بأن الأمر برمته ليس إلا مؤامرة أجنبية خبيثة تشمل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل وبلداناً عربية مختلفة. وهناك رواية أخرى صادرة عن وسائل الإعلام، التي لا تزال تحت سيطرة الفصيل الموالي للرئيس حسن روحاني، تقول بأن المظالم الشعبية الإيرانية لها ما يبررها على اعتبار أنها واحدة من بين أسباب الانتفاضة، وتحاول تمييز «المحتجّين الحقيقيين» عن المتظاهرين من «أصحاب النوايا الخبيثة».
كذلك، أعربت النخبة الإيرانية الحاكمة عن مخاوفها الواضحة من خلال لعبة «لست أنا الفاعل»، فيما يتعلق بقرار مضاعفة أسعار الوقود ثلاث مرات دفعة واحدة، ما أدى إلى اندلاع المظاهرات العارمة في البلاد. وافتتح الرئيس روحاني اللعبة بالزعم أن القرار قد اتخذ من جانب لجنة حكومية ثلاثية برئاسته، وعضوية رئيس هيئة القضاء آية الله إبراهيم رئيسي، وعضوية رئيس البرلمان علي أردشير لاريجاني. ومع ذلك، نفى رئيسي ولاريجاني تلك الأنباء، زاعمين أنهما أُبلغا فقط بالقرار الرئاسي المنفرد بشأن رفع أسعار الوقود، وأن مبدأ الفصل بين السلطات لا يسمح للجهاز القضائي، ولا للجهاز التشريعي، بالتدخل في المسائل ذات الصلة بالسلطة التنفيذية في الدولة.
ولمواصلة تبادل إلقاء الاتهامات واللوم، قامت الحاشية المُلاصقة للرجال الثلاثة بتعميم رواية أخرى تفيد بأن القرار الحكومي الأخير نال استحسان المرشد الأعلى علي خامنئي. وأثار ذلك التصريح ردود فعل غاضبة من جانب حاشية خامنئي التي زعمت أن المرشد الأعلى لم يشارك على نحو مباشر في اتخاذ القرار الحكومي الأخير. وفي وقت لاحق، زعم خامنئي بنفسه أنه لم يكن لديه علم مسبق بذلك القرار، وأنه لا يملك الخبرة الكافية في مثل تلك الأمور الاقتصادية، بيد أنه لم يعترض على القرار حين صدروه.

انتشار الخوف

هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها كبار صناع القرارات السياسية في طهران النأي بأنفسهم تماماً عن أي خطوة لا تحظى بالشعبية في إيران، وهذه إشارة واضحة إلى خشيتهم من عواقب الأمور كما حدث.
ونظراً لأن الخوف يملك المقدرة على التوالد والتكاثر، فإنه سرعان ما انتشر إلى قطاعات أخرى من النظام. إذ أصدر أربعة، من آيات الله التسع الذين يشكلون «مجلس العلماء» الموالي للنظام في مدينة قُم، بياناً شجبوا فيه بقوة القرار الحكومي بزيادة أسعار الوقود، ودعوا الحكومة إلى إعادة النظر في القرار الأخير. وهذه أيضاً هي المرة الأولى التي يعارض فيها آية الله صافي كلبايكاني (غولبايغاني) وآية الله علوي كركاني (جرجاني) وآية الله جوادي آملي وآية الله مكارم شيرازي، علانية، أحد القرارات الحكومية الصادرة عن السلطة مما كان المرشد الأعلى قد أقره بنفسه لاحقاً.
هذا، وصار من الواضح للعيان ذلك الانقسام الذي يشوب رجال الدين الرسميين الموالين للنظام الحاكم في إيران، الذين يقدر عددهم بنحو 6 آلاف من آيات الله والملالي من مختلف الدرجات والمستويات في عموم إيران، لا سيما مع انضمام بعض أئمة صلوات الجمعة إلى المظاهرات في البلدان والمدن الصغيرة، منها شهريار القريبة من العاصمة طهران، وسيرجان في الجنوب الشرقي من البلاد، داعين إلى إلغاء القرار الحكومي الأخير.
كذلك أشاعت التقارير الإخبارية المتنوعة قدراً من المخاوف بين صفوف الحكام في طهران، لا سيما تلك التي تفيد بأن قوات الأمن الإيرانية انضمت إلى صفوف المحتجّين، وسمحت لهم بكل بساطة بالسيطرة على المباني التابعة للحكومة في بعض المدن والبلدات، منها بوشهر وزنجان وجهروم. وفي بوشهر وماهشهر، في محافظة خوزستان (عربستان)، دخل الموظفون الحكوميون في إضراب غير رسمي عن العمل، وأعلنوا عن انضمامهم لصفوف المتظاهرين. وسرت مشاعر الخوف أيضاً بين أروقة البرلمان الإسلامي الإيراني عندما قدّم خمسة من أعضاء المجلس على الأقل استقالاتهم من مناصبهم تأييداً لمواقف المحتجين. وفي خطوة رمزية أخرى، دعا بعض أعضاء المجلس إلى عزل رئيس البرلمان لمشاركته المزعومة في اتخاذ قرار رفع أسعار الوقود، بصفة منفردة، من دون مشورة البرلمان.
من جهة ثانية، ساهمت الحكومة الإيرانية في بث مشاعر الخوف والذعر من خلال إلغاء كل مباريات كرة القدم، ومنع الحفلات الموسيقية، وقطع الاتصال بشبكة الإنترنت، وإجبار «المجاهدين» الأجانب الموجودين في طهران حالياً - لحضور مؤتمر «الوحدة الإسلامية» - على سرعة مغادرة البلاد. وكانت هناك جماعة من «الجهاديين» الأتراك، تحت قيادة المدعو محمد قره ملاّ، قد نُقلوا بالحافلات إلى المطار أثناء توجههم لزيارة قبر الإمام الخميني قرب طهران. كذلك أدى الإعلان عن حظر كل رحلات السفر إلى العراق إلى زيادة الخوف من اهتزاز نظام طهران بسبب الانتفاضات التي اندلعت في الداخل الإيراني وفي العراق. وسادت حالة من الارتباك داخل أروقة النظام الإيراني أثناء بحثه المستمر عن الأعذار والمبرّرات التي أدت إلى اتخاذ القرار المفاجئ بزيادة أسعار الوقود.

روحاني وأعذار السلطة

كان العذر الأول، الذي صدر عن الرئيس حسن روحاني، يتمثل في أن الحكومة في حاجة ماسة إلى توفير الموارد المالية الإضافية لتأمين حزمة المساعدات لـ60 مليون مواطن، أي ما يشكل نسبة 70 في المائة تقريباً من تعداد السكان، ممن يعيشون تحت خط الفقر في إيران. ومن شأن الإيرادات الإضافية المنشودة أن تمكن الحكومة من سداد مبلغ 110 دولارات في العام لـ18 مليون عائلة من العائلات الإيرانية الفقيرة. وكان المبرّر الشائع أن الذين يعارضون قرار رفع أسعار الوقود يمثلون نسبة 30 في المائة من الطبقة الوسطى المعتدلة مالياً في البلاد. وجاء في تصريح لروحاني قوله «نعلم من هم نسبة الثلاثين في المائة، كما نعلم أنهم يعيشون حياة طيبة ولا يهتمون بشؤون الآخرين».
إلا أن بعض الشخصيات النافذة في النظام الإيراني عارضت مزاعم الرئيس. ففي اجتماع المجلس الأعلى للثورة الثقافية الإسلامية، فوجئ روحاني بهجوم من طرف حسن رحيمبور أزغدي، العالم الديني الإيراني، وأحد منظّري الثورة الإسلامية والمقرّبين من خامنئي، اتهمه فيه «بمحاولة تقسيم الأمة على أساس الدخل الفردي». ووفقاً للتقارير الواردة عن بعض الحاضرين في الاجتماع، فإن أزغدي قال إن المهم في البلاد ليس ما يكسبه المواطن من دخل شهري أو سنوي، بل مدى التزامه بالإسلام الصحيح. وانتهى الاجتماع بفوضى عارمة، قرّر روحاني على أثرها المغادرة بعد نوبة غضب واضحة.
وفي اليوم التالي، تقدّم علي ربيعي، المتحدث الرسمي باسم رئيس الجمهورية، بتفسير جديد قال فيه إن قرار مضاعفة أسعار الوقود إنما اتخذ لتلبية الالتزامات الإيرانية بموجب «اتفاقيات باريس» بشأن التغيرات المناخية. وقال ربيعي في تصريحه، «نحن في حاجة ماسة إلى إنقاذ الكوكب. ومن أجل ذلك علينا خفض الاستهلاك العام من الوقود، لا سيما البنزين، من 110 لترات إلى أقل من 90 لتراً أو أدنى». وسرعان ما تحرك خامنئي، الذي زعم أنه وجّه الأوامر إلى الحكومة بخفض استهلاك البنزين إلى نحو 65 مليون لتر، لتأييد مزاعم ربيعي بصورة غير مباشرة، إذ قال: «لسنا في حاجة إلى إهدار الكثير من موارد الوقود والطاقة».

ارتباك حكومي كبير

في إشارة أخرى على الارتباك الواضح، حذرت وزارة الاقتصاد الإسلامي الإيرانية من مخاطر التضخم المفرط الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود. ومع معدلات التضخم التي تحوم حول 40 في المائة خلال العام الحالي، من شأن الارتفاع في أسعار الوقود أن يزيد من تفاقم وتعقيد الأوضاع. ومع ذلك، عارض بنك إيران المركزي تلك المزاعم قائلاً إن ارتفاع الأسعار من شأنه الإسهام بنسبة لا تتجاوز 3.5 إلى 4 في المائة من معدل التضخم. وفي إشارة أخرى إلى الارتباك الحكومي في إيران، أعلن رضا أردكانيان وزير المياه والطاقة الإيراني، أن قرار رفع أسعار الكهرباء والمياه قد تأجل لمدة عام كامل لمنع معدلات التضخم من مواصلة الارتفاع.
في أي حال، يبدو أن النخبة الإيرانية الحاكمة عاجزة عن تحديد تشخيص معين لاندلاع الاحتجاجات الجماهيرية الكبيرة. فهي تجهل ببساطة ماهية التهديدات التي تتعامل معها.
أيضاً، اتسمت ردود فعل النظام بالتناقض الصارخ. وجرى في بعض الحالات الاستعانة بالقوة الأمنية المفرطة من دون الحاجة الماسة إليها. فعلى سبيل المثال في شهريار قرب طهران، وصلت قوة أمنية مكونة من ألفي ضابط وجندي إلى البلدة، وبلغت حالة من الهستيريا في التعامل مع الأوضاع، الأمر الذي أسفر عن اشتباكات خطيرة كان من الممكن تفاديها بكل سهولة. وفي أماكن أخرى مثل مدينة شيراز، عاصمة إقليم فارس، تخيّرت قوات الأمن ألا تمارس القوة المفرطة، وكانت «القوات الخاصة» التي أرسلت من طهران قد وصلت في وقت متأخر، وتعيّن عليها الاشتباك لاستعادة السيطرة على المباني الحكومية التي استولت عليها جموع المتظاهرين.
من ناحية ثانية، اتسمت الاحتجاجات الشعبية، التي جرى تنظيمها وترتيبها بصورة جزئية عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بقدر معتبر من الابتكار. ففي بداية الأمر، جرى التركيز على المدن والبلدات الصغيرة والمتوسطة. وذلك لأن النظام الإيراني يعتمد سياسة أمنية تدور حول الافتراض بأن طهران هي الأهم إلى جانب عدد من المدن الرئيسية الأخرى، وخصص لأجل ذلك ما يقدر بنحو 600 ألف من أفراد الخدمة الأمنية من الرجال والنساء هناك. وفرض الاضطرابات في أكثر من 100 بلدة ومدينة صغيرة، وفي الحالة الراهنة يمكن القول بأكثر من 300 بلدة دفعة واحدة، يجعل من العسير على النظام الحاكم فرض الأمن والحفاظ على السيطرة على الصعيد الوطني بأسره. والأسوأ من ذلك، أن تكتيكات المعارضة الحالية تهدف إلى إجبار النظام الحاكم على تخفيف الدفاع عن العاصمة طهران والمراكز الإقليمية الرئيسية الأخرى ما يجعلها معرّضة لموجة ثانية من الاحتجاجات الشعبية.
ونظراً لأن السياسات الإيرانية كانت تتمحور على الدوام حول طهران، على الأقل منذ بدايات القرن العشرين، فلن يمكن لأي نظام حاكم في طهران البقاء من دون بسط السيطرة الكاملة على العاصمة. وحالياً ستحتاج العاصمة الإيرانية، التي يزيد تعداد سكانها على 15 مليون نسمة، إلى قوة تأمين أمنية تضم ما لا يقل عن 100 ألف جندي للحؤول دون السيطرة عليها من قوة المعارضة جيدة التنظيم، وإن كانت أصغر عدداً من ذلك بكثير. وعندما يكون النظام متمتعاً بقاعدة قوية من الدعم الشعبي، يمكنه الاعتماد على جزء من السكان في مساعدة قوات الأمن الحكومية في مواجهة مجموعات المعارضة. أما الآن، بسبب الصعوبات الاقتصادية المتزايدة والفساد الرسمي المتفشي في مختلف المجالات، لا يستطيع النظام الإيراني الاتكال على مثل هذا السيناريو.
لقد احتاج النظام الإيراني لستة أيام كاملة من بدء الاحتجاجات الجارية لمحاولة تنفيذ أحد أساليب السيطرة القديمة: أي تنظيم المسيرات الشعبية المؤيدة له. ورغم مناشدة روحاني «أبناء الثورة الإسلامية» الخروج والمسير، وإظهار بأسهم وقوتهم، فإنه، حتى يوم الأربعاء الماضي، لم يستطع إلا الإشادة بثلاث مدن إيرانية، هي تبريز وزنجان وشهركُرد، لتنظيمها مسيرات شعبية مؤيدة للنظام. بل حتى هنا، أفادت بعض المصادر المطلعة في مدينة تبريز، ذات المليون نسمة تقريباً، أن عدد المشاركين في المسيرة المؤيدة للحكومة بالقرب من السوق المركزية لم يتجاوز 500 من المشاركين. ووفقاً للتقارير الإخبارية، التي لم تتمكن من تأكيد خطط المسيرات الشعبية في العاصمة طهران، بصورة مستقلة، ألغيت المسيرات المماثلة في مشهد وأصفهان (ثاني وثالث أكبر مدن إيران) خشية أن تتحول إلى معارضة النظام والاحتجاج عليه. أما اختيار مدينة زنجان لتنظيم مسيرة مؤيدة للحكومة، فكان مثيراً للاهتمام من زاوية أن المدينة نفسها كانت قد شهدت قبل أربعة أيام انضمام قوات الأمن المحلية إلى المتظاهرين المحتجين ضد النظام.
أخيراً، في حين أن وزارة الداخلية ومؤسسة الرئاسة الإيرانيتين قد بثتا مزاعم تفيد بأن الاحتجاجات عفوية وعشوائية وغير منظمة إلى حد كبير، وتفتقر إلى القيادة الواضحة، فإن «الأمن الإسلامي»، الخاضع لسيطرة «الحرس الثوري الإيراني»، يزعم أن الاحتجاجات الحالية جرى التخطيط لها بعناية خارج البلاد، وهي تحت قيادة سبعة من الرجال تم تحديد هوياتهم، وإلقاء القبض عليهم في طهران. كذلك تزعم مصادر «الأمن الإسلامي» أن كل أعضاء مجموعة «المخرّبين السبعة» يحملون جوازات سفر ألمانية وأفغانية وتركية.

اتهامات النظام شملت أسرة الشاه ومناصريها

> اتهم المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، بنفسه، أسرة الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، بالتعاون مع منظمة «مجاهدي خلق»، الناشطة في المنفى، في التحريض على الانتفاض ضد النظام الخميني القائم.
غير أن الأمير رضا بهلوي، ولي عهد الشاه الإيراني الأسبق، أعلن في رسالة بعث بها بعد خمسة أيام من اندلاع الانتفاضة الحالية، أنه يؤيد الاحتجاجات ضد النظام الإيراني، لكنه لم يزعم المطالبة بقيادة تلك الاحتجاجات. وللعلم، شهدت بعض المدن الإيرانية، مثل بوشهر (المطلة على الخليج) وساري (عاصمة مازندران بشمال البلاد على بحر قزوين)، هتافات وشعارات مؤيدة لأسرة بهلوي، ووصفت الملك رضا بهلوي، مؤسس الأسرة الحاكمة، بـ«الرجل العظيم».
أيضاً، ظهرت شعارات من شاكلة «أين أنت يا رضا بهلوي؟» على بعض الجدران في العاصمة طهران. أما بالنسبة إلى منظمة «مجاهدي خلق»، فإن الأساليب المستخدمة في مسيرات بعض الأماكن، كمسيرات مدينة أصفهان، على سبيل المثال، لم تتغير بصمتها منذ سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من ذلك، مما تجمع لناشطين جيّدي الاطلاع من أدلة وتقارير وإفادات، يبدو أن الانتفاضة الشعبية الحالية خلفها قادة محليون قادرون ومستنيرون، وتتمتع بزخم شعبي هائل في كل مكان اندلعت فيه تقريباً، غير أنها لا تزال تفتقر إلى القيادة الوطنية الشاملة والموحّدة.
بعبارة أخرى، هناك موجة عارمة من الاستياء والسخط الشعبي الواضح في إيران، ما يمكن أن يزلزل أركان النظام الحالي، ويعصف باستقراره الواهي، أو حتى يطيح به تماماً، لكنه ما زال مركباً بلا قائد واحد.


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.