طليطلة... مدينة الثقافات الثلاث

طليطلة... مدينة الثقافات الثلاث

تختصر أجمل التاريخ العربي الأوروبي
الأربعاء - 23 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 20 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14967]
طليطلة: شوقي الريّس
نادرة هي المدن التي تحتضن هذا القدر من المعالم التاريخية التي تجتمع في طليطلة (توليدو)، عاصمة الإمبراطورية الإسبانية في أوج عزّها بعد أن استحقّت لقب «مدينة الثقافات الثلاث» التي تعايش فيها وتمازج الإسلام مع المسيحية واليهودية طوال قرون، وانتقلت منها الفلسفة والعلوم الإغريقية إلى بقية أوروبا عبر مدرسة الترجمة الشهيرة التي تأسست فيها على يد الكتّاب والمفكّرين الأندلسيين.

تبعد طليطلة نحو 70 كيلومتراً عن مدريد التي تربطها بها طريق تعبر سهول قشتالة قبل أن تطلّ عليها رابضة على هضبة مستديرة يزنّرها نهر «التاج» Tajo الذي يدور حولها كالسوار قبل أن يتابع سيره حتى مصبّه في المحيط الأطلسي عند أقدام العاصمة البرتغالية لشبونة.

لكن إذا كان الوصول إلى طليطلة بالسيّارة مهيباً، فإن الدخول إليها بالقطار يحمل مفاجأة جميلة عند الوصول إلى المحطة المبنيّة في عام 1919 على الطراز المدجّن الذي يستقي أشكاله وخطوطه من الفن الإسلامي الحاضر بقوّة في كثير من مباني المدينة القديمة.

يغادر الزائر محطة القطار ويتّجه مباشرة إلى مدخل المدينة الرئيسي القديم من بوابة «بيساغرا» التي تعود للقرن السادس عشر، ويشعر فوراً بأن التاريخ توقّف في هذه المدينة التي ما زالت شوارعها ومبانيها ومعالمها القديمة كما كانت عليه منذ قرون.

طليطلة اليوم لا تختلف كثيراً عن تلك التي وصل إليها ابن جزيرة كريت اليونانية، الرسّام المعروف باسم «الغريكو»، في عام 1577 وأمضى فيها آخر 37 سنة من حياته أبدع خلالها أجمل أعماله التي تخصّص لها المدينة متحفاً عالميّاً في المنزل الذي عاش فيه، وكان المحترف الذي ولدت فيه مدرسته الفريدة بالرسم.

في تلك الفترة كانت المدينة تشرّع أبوابها أمام رياح النهضة التي كانت تهبّ على أوروبا من الحواضر الإيطالية، وإليها تعود مجموعة المباني التي ما زالت ترصّع طليطلة إلى اليوم. من هذه المباني مستشفى «سانتا كروز» القديم الذي أصبح اليوم متحفاً للفن المعاصر يضمّ مجموعة نفيسة لكبار الفنانين الإسبان في قاعاته الأنيقة التي تعود إلى القرن السادس عشر. وعلى مقربة منه مبنى «آلكازار» الذي يرتفع مُطِلاً على المدينة بأكملها. ويضمّ حاليّاً متحف الجيش بعد ترميمه عقب الدمار الذي لحق به إبّان الحرب الأهلية الإسبانية عندما قصفته قوات الجمهورية بعد أن رفض قائد حاميته تسليمه تحت تهديده بقتل ابنه.

من مبنى «آلكازار» نتجّه نحو جسر «القنطرة» للعبور إلى الضفة الأخرى التي يرتفع عليها قصر «سيرفاندو» من القرن الحادي عشر، ومنه إلى الشوارع القديمة المرصوفة بالحجر في حي «سان مارتين» الذي كان يتعايش فيه المسلمون مع المسيحيين واليهود في القرون الوسطى، والذي يضمّ اليوم حوانيت الحرفيين الذين يواصلون تقاليد الصناعات اليدوية المعروفة باسم «الدمشقيّة».

الطبق الرئيسي في زيارة طليطلة هو الكاتدرائية التي لا يضاهيها أي معبد قوطي آخر في أوروبا، تعود إلى القرن السادس عشر عندما كانت ثاني أهمّ المراكز الكاثوليكية بعد روما. وفي داخلها مجموعة نفيسة من الأعمال الفنّية، أبرزها ثلاث لوحات أنجزها «الغريكو» في الفترة الأخيرة من حياته عندما كان فنّه قد بلغ مرحلة من النضج والاكتمال جعلت منه مدرسة قائمة بذاتها. وإلى جانب الكاتدرائية يقوم القصر الأسقفي الذي يستحقّ زيارة متأنية لجمال معماره. فهو يمزج بين الطرازين الكلاسيكي والأندلسي، ولما تزخر به قاعاته من روائع فنّية.

وتجدر الإشارة إلى أنه حتى المعابد اليهودية في طليطلة مبنيّة على الطراز الأندلسي، خصوصاً كنيس «القديسة ماريّا» الذي يخال الواقف في داخله أنه في مسجد.

قد لا تكون الحضارة العربية الإسلامية ظاهرة هنا كما في غرناطة وإشبيلية وقرطبة، لكن تطالعك كيفما اتجهت في أقواس المباني والرسوم والشعارات المحفورة على المداخل، وفي الصناعات الحرفيّة والأطعمة والحلوى التي كانت شائعة في بلاد الأندلس وتفتخر طليطلة اليوم باستعادتها وتطويرها. وعندما تصل إلى ساحة «زوكودوفير» التي ينبض قلب المدينة بين أطرافها، فإن أول ما تقع العين عليه هو الحمّامات العربية التي تجعلك تشعر لوهلة بأنك في فاس أو مرّاكش.

ولعلّ هذا العمق التاريخي الذي تحتضنه طليطلة بوصفها مدينة تعايشت فيها الديانات والثقافات الكبرى، وبقيت تتمازج بانسجام حتى بعد سقوط آخر الممالك الأندلسية في غرناطة وخروج اليهود من إسبانيا، هو الذي جذب إليها دائماً كبار الفنّانين والشعراء والأدباء، الإسبان والأجانب، يبحثون عن ذلك المكان الذي قال فيه الشاعر الألماني ريلكيه: «هنا تتقاطع نظرات الأحياء مع نظرات الموتى والملائكة».

جاء راينير ماريّا ريلكيه إلى طليطلة في عام 1912 وكتب فيها صفوة أشعاره، وجاءها همنغواي ثم تبعه أورسون ويلز وآفا غاردنر يقضون فترات طويلة في المدينة التي خرجت من التاريخ بعد أن كانت تختصر أجمل التاريخ الذي عاشته أوروبا. ثم قصدها أيضاً شاعر الإسبانية الكبير غارسيّا لوركا الذي قال: «إن هجرتني يوماً غرناطة، فليس لي في الدنيا غير طليطلة».

ثمّة سحر في زيارة طليطلة يدفع إلى الاستزادة منها ويجعل من الصعب على المرء أن يغادرها. لذلك نقترح، بعد التجوال فيها طوال النهار، قضاء الليل في فندق «بارادور» من سلسلة الفنادق الأثرية التابعة لوزارة السياحة، والذي يقع على الضفة الأخرى من نهر «التاج» ويطلّ على المدينة الرابضة فوق الهضبة. ليس أجمل من طليطلة سوى طليطلة تحت ضوء القمر.
اسبانيا أخبار اسبانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة