المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة

شهدت تحولا في نوع التقارير التي تستميل الصحافيين والقراء

المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة
TT

المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة

المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة

صحيفة «واشنطن بوست» التي حوصرت من قبل شهدت أخيرا تحولا في نوع التقارير التي تستميل الصحافيين والقراء. ويشمل ذلك فيما يشمل التغطية التي لعبت دورا في الاستقالة التي تقدمت بها رئيسة جهاز الخدمة السرية الأميركية، وإجراءات التحقيق التي أدت في نهاية المطاف إلى إدانة الحاكم السابق لولاية فيرجينيا، إثر اتهامات بالفساد.
ظل العاملون في الصحيفة لعقود منهكين لعدم تحقيق أمجاد تماثل أيام فضيحة ووترغيت، ومن المشكوك فيه أن ينجح أحد في ذلك الآن، ولكن في الآونة الأخيرة، وبعد سلسلة من حالات الاستحواذ وبعض الأخطاء الإدارية، كان الانخفاض الذي شهده الطموح والجودة واضحا وجليا أمام الجميع، فقد صارت الصحيفة عاجزة وضعيفة بدلا من أن تتقدم صفوف النجاح والتفوق.
وعلى غرار مجلة «بوليتيكو»، التي بدأت على يد محرري «واشنطن بوست» الساخطين، والتي نالت شهرتها إثر تغطياتها السياسية الجريئة، صارت الهمسات أعلى من أن تتجاهلها الآذان، بأن صحيفة «بوست» لم تعد ذات صلة بالواقع. وقالت مجلة «Columbia Journalism Review» إن التخفيضات الكبيرة في عدد الموظفين والقادة في صحيفة «بوست» قد أدت إلى إضعاف جودتها، وانتقدت مجلة «فانيتي فير» الصحيفة، حيث وصفتها بأنها صارت «رمزا للانهيار»، ووسمتها مجلة «الجمهورية الجديدة» الليبرالية بأن «الصحيفة أصابتها حالة من الفوضى».
وقررت عائلة غراهام، رعاة للصحيفة لفترة طويلة، قبل عام مضى، أن التمويل الكبير والتفكير المغاير قد يدفعان إلى المحافظة على الصحيفة، ومن ثم بيعت الصحيفة إلى جيف بيزوس، مؤسس موقع «أمازون».
ولكن الآن، وبعد مرور عام على صفقة البيع، تغير هذا الخطاب، وصارت صحيفة «واشنطن بوست» مثار حديث الجميع للأسباب الصحيحة.
هل أثار بيزوس بعض العواصف الرقمية التي غيرت من معادلات الصحافة الحديثة؟ وبعيدا عن ذلك، فإن استعداده للتمويل من أجل تعيين موظفين جدد (أكثر من مائة موظف حتى الآن خلال هذا العام) قد خلق جوا من الثقة والاستقرار المالي في المؤسسة.
كانت الصحيفة متهمة بإشباع قرائها مللا من أحاديث الماضي، ولكن الإصدار الجديد هو لمؤسسة إخبارية مثيرة للدهشة ومتباهية، ربما ليست هي سفينة القراصنة التي أراد المحرر بين برادلي أن يقودها محررا تنفيذيا، ولكنها صحيفة رقمية صارمة وذات جمهور كبير من القراء. إنها تخلق التحديات، بمزيد من الاهتمام، حيال منافسيها، وتكتسب قدرا عاليا من التقدير، من خلال الخبطات الصحافية التي تحققها.
إن المغفل فقط هو من يدعي تحطيم سمعة صحيفة يومية تصدر في عاصمة البلاد، حيث تغطي صحيفة «بوست»، وتُعدّ جزءا من الطبقة السياسية في العاصمة واشنطن، وهناك اهتمام مدني كبير في الحصول على أخبار من صحيفة ذات تمويل جيد ذات مصادر متعددة ونظرات ثاقبة في الشؤون البيروقراطية والسياسية الأميركية.
واحدة من أمتع اللحظات في تغطية الإعلام العالمي تكمن أحيانا في شخص ما، يصل في الوقت المناسب، ويمكنه تغيير مسار مؤسسة بأسرها. فلنأخذ مثالا بتينا براون في «نيويوركر»، ويوجين روبرتس في «فيلادلفيا انكوايرر»، أو «آدم موس» في مجلة «نيويورك». أما في صحيفة «بوست»، ضمن السيد بيزوس بقاء الأنوار مضاءة، ولكنه السيد مارتن بارون، الذي أصبح محررا في الصحيفة، طليعة عام 2013، دفع الصحيفة مرة أخرى إلى المعترك.
يقول توم روزنستيل، المدير التنفيذي لمعهد الصحافة الأميركية: «إن مارتي رجل أخبار جيد، ولا علاقة له بالهراء، وهو رجل ذكي جدا يؤمن بقوة الخبر، وهو أمر مهم في غرف الأخبار. حيث الزخم ذو أهمية قصوى في المؤسسات الإخبارية».
وبارون إنسان مخضرم ومحنك وخبير كان قد عمل لدى «ميامي هيرالد»، و«لوس أنجليس تايمز»، و«نيويورك تايمز»، قبل أن يصبح المحرر التنفيذي في صحيفة «هيرالد» عام 2000، وسرعان ما انتقل إلى قمة العمل الوظيفي لدى صحيفة «بوسطن غلوب» عام 2001.
وفي تلك الفترة، ميز نفسه بوصفه زعيما للصحافيين، ولكن في صحيفتي «غلوب» و«هيرالد» تزامنت فترة عمله مع الفوضى المالية، مما قلل وقطع السبيل أمام الطموحات.
ولأول مرة يمسك مارتن بارون بهراوة ليست مشتعلة بالنيران، ولكنه ركض بها رغم كل شيء، لم يكن ماركوس بروكلي المحرر السابق معروفا عالميا، ولكنه حقق خطوات مهمة في تحديث نهج الصحيفة إزاء الأخبار.
قال بارون في محادثة هاتفية: «مع جيف، لدينا استقرار وموارد للاستثمار. أعتقد أن هناك أمورا غير ملموسة في مجال عملنا تُعد ذات أهمية قصوى. يحتاج المراسلون إلى الشعور بأنهم مدعومون، وأن زملاءهم لن يختفوا فجأة، وأنهم يمكنهم تأدية أعمالهم من دون الشعور بالقلق طوال الوقت من فقدان وظائفهم. التفاؤل مثله مثل السلبية تماما، يمكن أن يكون معديا».
جزء من الرؤية الحالية للصحيفة يتسق مع التطور المتزايد في تعزيز محتواها على الصعيد الدولي، طبقا إلى شركة «كومسكور»، فإن صحيفة «بوست» تلقت 39.452.000 زيارة على موقعها في شهر يوليو (تموز)، بزيادة قدرها 63% عن العام الماضي. ولكن الأمر أكثر بكثير من مجرد سحر الأرقام، فالتطبيق القاتل، كما كتبت من قبل، هو أمر حقيقي، وهي الأخبار الفعلية. وقد خرجت صحيفة «بوست» بأطنان من ذلك. وبصرف النظر عن القصة المخفية حول سلسلة من الثغرات الأمنية في جهاز الخدمة السرية الأميركية، بما في ذلك الكشف عن تفاصيل جديدة حول الشخص الذي قفز فوق سياج البيت الأبيض، والتقرير الصادر حول الفساد في ولاية فيرجينيا، وتحقيق كبير حول استيلاء الشرطة على ملايين الدولارات من سائقي السيارات غير المتهمين بأي جرائم، ومقالة نشرت حول الإدارة الجيدة للمشروعات التي اتخذت منحى مغايرا إزاء السياسات أثناء التمهيدات لقانون الرعاية الصحية.
كان هناك كثير من المقالات الأخرى، ولكن الشوط الحالي قد بدأ بـ«فرقعة» إعلامية كبيرة في يونيو (حزيران) من عام 2013، حينما جاء بارتون جيلمان بسلسلة من المقالات شديدة الخطورة وشديدة التعقيد إلى الصحيفة، بناء على تسريبات قدمها عن وكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن.
وتلقت الصحيفة، جنبا إلى جنب مع صحيفة «غارديان» البريطانية، جائزة «بوليتزر»، إثر جهودهما في ذلك المضمار.
يقول دين باكوي، المحرر التنفيذي في صحيفة «نيويورك تايمز»، الذي يتنافس مع السيد بارون، وهو كذلك صديق له: «أعتقد أن صحيفة (بوست) تتمتع بثقة عالية في الوقت الحالي. إنهم يختارون القصص الجيدة، ويبعثون بكثير من المراسلين وراءها، ويلاحقون الخبر بمزيد من الجهد. إنها غرفة أخبار ذات قيادة ممتازة».
رغم مظهرهم الخارجي الجريء والمتبجح، فإن العاملين في الصحيفة يمكن أن يكونوا زهورا رقيقة تواجه المزيد من الصعاب في أداء أعمالها، حين يعتقدون أنهم يعملون تحت التهديد.
يقول مارك فيشر، وهو محرر بارز في «واشنطن بوست»: «إنها الطبيعة البشرية. إذا جاءتك دعوة كل يوم جمعة لحضور حفل وداع أحد الزملاء، فسوف ينتابك شعور مختلف قليلا. وفي جو مثل هذا، قطع مارتي شوطا كبيرا، من حيث رفع طموحات الناس في المكان». الأخبار الجيدة عن الصحافة هي من الندرة، مثل تلقي التأييد من الحزبين الرئيسين حيال السياسات الأميركية. وكما اتضح الأمر، فإن تصرف عائلة غراهام الأخير حيال رعاية الصحيفة، من حيث نقل الصحيفة إلى المالك الذي يمكنه تحمل الأمر ودعم الصحيفة، كان من بين أهم القرارات التي اتخذوها.
وفي حين لم يعرف بيزوس حتى الآن كيف سيستخدم أسلوب التحليق عاليا لتغيير اقتصاديات امتلاك الصحيفة، فإنه موَّل الأمر بامتياز، وظل بعيدا عن المتاعب.
لن يخطئه أحد كأطيب الرجال في عالم الصحافة. خلال الشهر الماضي، أعلنت الشركة عن تخفيضات صارمة في المعاشات، مثل إلغاء المزايا الطبية للموظفين المتقاعدين. وجرى أيضا تجميد خطة للمزايا المجزية للمديرين، مع فرض الإجراء نفسه على موظفي النقابة لدى صحيفة «بوست».
ولا يعني الأمر أيضا أن الصحيفة قد أعادت اختراع معادلات الخروج بالمعلومات عالية الدقة، في عصر تحكمه أسعار السلع الاستهلاكية. لكن، وحتى الآن، يبدو أن تمكين الصحافيين من الحصول على الأخبار، والتفرد بالأخبار الصحافية، والحفاظ على الزخم في موقع الإنترنت، يبدو أنه مسار أفضل من السماح لهم بتناول كعكات الوداع.



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».