إيران تُقر باستمرار احتجاجات «ثورة البنزين» وتعد بإنهائها «خلال يومين»

التلفزيون الرسمي يبث مشاهد لملثمين في الشوارع... و«الباسيج» يتحدث عن أعمال نهب... وناطق حكومي يرى أن روحاني «ضحّى بنفسه»

إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد  - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)
إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)
TT

إيران تُقر باستمرار احتجاجات «ثورة البنزين» وتعد بإنهائها «خلال يومين»

إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد  - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)
إيرانيون أمام مصرف أُحرق خلال الاحتجاجات في مدينة أصفهان بوسط البلاد - ... وأمام حافلة أُحرقت خلال الاحتجاجات في أصفهان (أ.ف.ب)

واصلت السلطات الإيرانية، أمس (الاثنين)، قطع خدمات الإنترنت عن البلاد، ما أوحى بأنها ما زالت تحاول احتواء الاحتجاجات الدامية التي انفجرت يوم الجمعة عقب إعلان الحكومة رفع أسعار المحروقات. وأقرت إيران، أمس، بأن «أعمال الشغب» لم تتوقف كلياً لكنها أكدت أن الوضع أصبح «أكثر هدوءاً».
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الاحتجاجات التي يُطلق عليها بعضهم «ثورة البنزين»، تسببت في إغلاق طرق رئيسية وتخللها إحراق مصارف ونهب متاجر، مضيفة أنها أدت إلى مقتل «ما لا يقل عن شخصين»، هما مدني وشرطي. لكن تقديرات عديدة أخرى تضع رقم الضحايا بما بين 12 و25 قتيلاً، بالإضافة إلى عشرات، وربما مئات، الجرحى. والقيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على وسائل الإعلام تزيد من صعوبة التحقق من أرقام الضحايا التي يقدمها ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبث التلفزيون الإيراني الرسمي مشاهد لأعمال عنف ظهر فيها شبان ملثمون في شوارع تناثر فيها الركام، وهم يقومون بإضرام النار في مبانٍ، حسبما أوردت الوكالة الفرنسية التي لفتت، في الوقت ذاته، إلى أنه نادراً ما يقوم التلفزيون الرسمي ببث أي مظاهر للمعارضة في البلاد.
وتحدثت قوات «الباسيج» شبه العسكرية عن أعمال نهب، حسب وكالة «إسنا» شبه الرسمية. وكان قائد «الباسيج» الجنرال غلام رضا سليماني، ثد صرّح سابقاً بأن «المخطط الأميركي فشل»، في إشارة إلى زعم السلطات أن الاحتجاجات تقف وراءها الولايات المتحدة.
وبدأت المظاهرات، الجمعة، بعد الإعلان عن رفع سعر البنزين بنسبة 50% لأول 60 لتراً، و200% لكل لتر إضافي يتم شراؤه بعد ذلك كل شهر.
وقالت السلطات الإيرانية إنها اعتقلت أكثر من 200 شخص وفرضت قيوداً على استخدام الإنترنت، علماً بأن مواقع إيرانية تتبع أجهزة مختلفة في البلاد وضعت رقم الموقوفين عند حدود الألف.
وذكر موقع «نيتبلكس» الذي يراقب حركة «تويتر»: «بعد 40 ساعة من حجب إيران الإنترنت بشكل شبه تام، لا يزال الاتصال مع العالم الخارجي عند نسبة 5% من المستويات العادية».
ولم يتضح الوضع في شوارع المدن الإيرانية، صباح أمس (الاثنين)، بسبب انقطاع الإنترنت الذي أدى إلى توقف تدفق فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي لمظاهرات أو أعمال عنف متصلة. لكن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن علي ربيعي، المتحدث باسم الحكومة، قوله إن الوضع كان «أكثر هدوءاً» أمس. إلا أنه أضاف، في مؤتمر صحافي في طهران، أنه لا يزال هناك «بعض المسائل الصغيرة، ولن يكون لدينا غداً أو بعد غد أي مشكلات بشأن أعمال الشغب». وأقر بأن «هناك تجمعات في بعض المدن والمحافظات». وعند الطلب منه الكشف عن أرقام الإصابات في الاضطرابات، رد قائلاً: «ما أستطيع أن أقوله اليوم هو أن التجمعات هي أقل بنسبة نحو 80% عن اليوم السابق»، حسب تقرير الوكالة الفرنسية.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا) عن المتحدث ربيعي قوله أيضاً في المؤتمر الصحافي إن قرار «تصويب أسعار الوقود» كان ضرورياً في وقت «تشهد فيه البلاد عقوبات وضغوطاً غير مسبوقة». وقال إن الحكومة حصلت على موافقة السلطتين الأخريين (التشريعية والقضائية) والمرشد الإيراني علي خامنئي قبل اتخاذ القرار. واعتبر أن الرئيس حسن روحاني، بهذا القرار، «ضحّى بنفسه من أجل مصلحة البلاد والشعب»، حسبما جاء في وكالة «رويترز».
وأعلنت إيران قرارها المفاجئ برفع أسعار الوقود وتقنين توزيعه منتصف ليل الخميس - الجمعة، في خطوة تهدف إلى جمع أموال تستخدم لمساعدة مواطنين محتاجين، حسبما بررت حكومة الرئيس حسن روحاني. والقرار الصادر عن المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي المؤلف من الرئيس ورئيس مجلس الشورى ورئيس السلطة القضائية، يأتي في وقت حساس قبيل الانتخابات البرلمانية في فبراير (شباط) المقبل.
ونال القرار، أول من أمس (الأحد)، دعم المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قال في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي: «لست خبيراً، وهناك آراء مختلفة، لكنني قلت إنه إذا ما اتخذ قادة الفروع الثلاثة قراراً، فإنني أؤيده». وتابع: «البعض سيستاء حتماً من هذا القرار... لكن إلحاق الأضرار وإشعال النار (بالممتلكات) ليس أمراً يقوم به الناس (العاديون)، إنهم مشاغبون». وقال خامنئي أيضاً، حسب وكالة «رويترز»: «الثورة المضادة وأعداء إيران يدعمون دائماً أعمال التخريب والإخلال بالأمن ويواصلون فعل ذلك... للأسف حدث بعض المشكلات وفقد عدد من الأشخاص أرواحهم ودُمرّ بعض المراكز».
وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن بعض نواب البرلمان، الذين كانوا يعتزمون مناقشة السبل المقترحة لإجبار الحكومة على التراجع عن قرارها، سحبوا اقتراحهم بعد خطاب خامنئي، الأحد، حسبما أوردت «رويترز».
ودافع الرئيس حسن روحاني، الأحد، عن قرار رفع أسعار البنزين والذي تقول السلطات إنه سيوفر نحو 2.55 مليار دولار سنوياً لإضافة مزيد من الدعم لنحو 18 مليون أسرة إيرانية أو نحو 60 مليون شخص من ذوي الدخول المنخفضة. وأعلن روحاني، في تصريحات بعد اجتماع حكومي، أن أولى الدفعات لـ20 مليون شخص ستبدأ فوراً. ونقل عنه موقعه الرسمي أنه «أوعز إلى منظمة التخطيط والميزانية ببدء دفع مساعدات معيشية انطلاقاً من غد (أمس) الاثنين، وهي المتمثلة بالعوائد المتحصَّلة من زيادة أسعار البنزين». لكنه حذّر أيضاً من أن إيران لن تسمح بـ«انفلات الأمن». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عنه قوله: «الاحتجاج حق لجميع المواطنين لكننا لن نسمح لمثيري الفوضى والشغب بزعزعة الأمن في المجتمع».
وذكرت وكالة «إسنا» شبه الرسمية، الأحد، إنه تم اعتقال أربعين شخصاً في مدينة يزد (وسط). واعتُقل 180 شخصاً في الأيام الثلاثة الماضية في محافظة خوزستان (عربستان، جنوب إيران)، وفق ما أعلنت وكالة «إرنا» الرسمية للأنباء، أمس.
من جهتها، نقلت وكالة «فارس» للأنباء، المقربة من «الحرس الثوري» الإيراني، أنه لم يتضح بعد متى سيتم رفع القيود على الإنترنت، وذلك نقلاً عن مصدر حكومي مطلع. ونقلت وكالة «تسنيم» شبه الرسمية للأنباء عن بيان لوزارة المخابرات الإيرانية، أنها حددت هوية قادة الاحتجاج ويجري اتخاذ «الإجراءات المناسبة».
وذكرت وكالة «رويترز» أن رجال الدين الذين يحكمون إيران يحرصون على منع تكرار الاضطرابات التي حدثت في أواخر عام 2017 حينما خرجت احتجاجات في 80 مدينة وبلدة بسبب تدني مستوى المعيشة وترددت فيها دعوات لتنحي رجال الدين عن الحكم. وقال المسؤولون الإيرانيون إن 22 شخصاً لقوا حتفهم في تلك الاحتجاجات.
وعلى الرغم من أن الحكومة رفعت سعر البنزين إلى 15 ألف ريال (0.13 دولار) للتر من عشرة آلاف ريال، وحددت حصصاً لصرفه، وستبلغ تكلفة المشتريات الإضافية 30 ألف ريال للتر، فإن سعر الوقود في إيران لا يزال من بين الأرخص في العالم.
ويرزح الاقتصاد الإيراني تحت أزمة منذ مايو (أيار) العام الماضي، عندما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشكل أحادي من اتفاق نووي موقّع عام 2015، وأعاد فرض عقوبات مشددة على طهران.
وأدانت الولايات المتحدة، الأحد، استخدام إيران «القوة القاتلة» ضد المتظاهرين. وقالت ستيفاني غريشام مسؤولة الإعلام في البيت الأبيض، في بيان: «ندين القوة القاتلة والقيود الصارمة المفروضة على الاتصالات، ضد المتظاهرين».
وأدانت وزارة الخارجية الإيرانية وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي غرّد، السبت، قائلاً للمحتجين الإيرانيين إن «الولايات المتحدة معكم».
وفي بيان صدر في ساعة متقدمة مساء الأحد، قالت الوزارة إنها ترد على تصريحات بومبيو التي «أظهر فيها الدعم... لمجموعة من مثيري الشغب في بعض مدن إيران، وتدين مثل هذا الدعم والتصريحات التي تعد تدخلاً» في الشؤون الإيرانية. ونقل البيان عن المتحدث باسم وزارة الخارجية القول إن «الشعب الإيراني يعلم جيداً أن مثل هذه التصريحات المنافقة والمزيفة لا تتضمن أي تعاطف صادق وحقيقي». وأضاف أن «ممارسات بعض الفوضويين والمخربين المدعومين من أمثاله (بومبيو)، لا تتسق إطلاقاً مع سلوك الشعب الإيراني الواعي»، حسب تقرير الوكالة الفرنسية التي نقلت أيضاً عن البيان الإيراني تنديده بـ«النيات البغيضة» لواشنطن إزاء قرارها إعادة فرض عقوبات على طهران بعد انسحابها من الاتفاق النووي.
وفي الإطار ذاته، قال علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى (البرلمان الإيراني)، إن هدف الولايات المتحدة تجاه بلاده ليس سوى «نشر الفوضى وتدمير مصالح الشعب»، وذلك حسبما أوردت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا)، أمس (الاثنين).
وأضاف لاريجاني أن «هذه الدسيسة تتضح أكثر خصوصاً بعد أن أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، حمايته العلنية والمثيرة للاشمئزاز لأعمال الشغب وحرق ممتلكات الناس، التي يعدها دفاعاً عن الشعب الإيراني، مما يفضح سلوكه المخادع والمنافق تجاه الشعب الإيراني»، حسبما جاء في تقرير لوكالة الأنباء الألمانية.
من جانبها دعت ألمانيا، أمس، إلى الحوار بين الحكومة والمحتجين «الشرعيين» في إيران. وقالت أولريك ديمر المتحدثة باسم المستشارة أنجيلا ميركل: «إنه أمر مشروع ويستحق احترامنا أن يعبّر الناس بشجاعة عن مظالمهم الاقتصادية والسياسية كما يحدث حالياً في إيران». وأضافت: «على الحكومة الإيرانية الاستجابة للاحتجاجات الحالية بإبداء الاستعداد للدخول في حوار».



إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.


إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أن الحرب على إيران جاءت لمنعها من تنفيذ مخططها لإبادة إسرائيل، قال كبير مستشاريه السابق، مئير بن شبات، إن «استئناف القتال، أو تفجر المحادثات، أفضل من أي اتفاق».

وعمل بن شبات مستشاراً للأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، وكان يوصف بـ«رجل المهام الخاصة» عند نتنياهو، كما تولى دور مبعوثه إلى الدول العربية والغربية.

وجاءت تصريحات بن شبات، التي نقلتها صحيفة «هآرتس»، في ظل انطباع يسود لدى مراقبين بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترى أن إيران جادة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأنها تبذل ما في وسعها لكسب الوقت والتوصل إلى اتفاق سيئ، ولذا؛ فإنه «من الأفضل استئناف الحرب».

كيف سينتهي الصراع؟

وقال بن شبات، الذي ما زال يحافظ على علاقات وثيقة بنتنياهو، إنه «من الصعب تخمين كيف ستنتهي هذه المرحلة من الصراع، وقبل نهاية الهدنة. لكن ثمة احتمالات متباينة: الوصول إلى اتفاق، أو تمديد وقف النار، أو استئناف القتال».

وأشار بن شبات إلى أن «تصعيد الخطاب، وتعزيز القوات العسكرية، وحتى خطوات استخدام القوة في مضيق هرمز، لا تؤشر بالضرورة إلى الاتجاه المتوقع؛ لأن الرغبة الأساسية لدى الطرفين هي تسوية تنهي الحرب، وهذه الخطوات يمكنها أن تكون جزءاً من الضغوط للتأثير على شكل النهاية وسرديتها».

لكن بن شبات حث إسرائيل على الاستعداد لإمكانية استئناف القتال، خصوصاً بعد التصريحات الإيرانية بشأن «قدرات إطلاق الصواريخ التي تبقت لدى النظام». وأضاف أنه «إذا ما نفذ الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب تهديداته، فإن الهجوم على إيران لن يكون بهدف توسيع بنك الأهداف، بل لتغيير غاية الحرب، بالانتقال من ضرب القدرات العسكرية والأهداف السلطوية إلى ضرب قدرة أداء الدولة وظائفها».

وبهذا يشير بن شبات إلى «ضرب شبكة الكهرباء، والبنى التحتية للطاقة، والجسور المركزية ومحاور حركة السير الحرجة؛ مما سيؤدي إلى شلل إيران بوصفها منظومة دولة؛ لفترة ما على الأقل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الغضب الداخلي

وبشأن الوضع الداخلي الذي سينشأ في إيران، افترض بن شبات أنه في المدى الفوري ستؤدي مثل هذه الخطوة أيضاً إلى آثار سلبية، «مثل توجيه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. لكن في الميزان العام وفي الأيام التالية بعد ذلك ستشهد إيران تراجعاً عميقاً في الشرعية الداخلية للنظام، وتصدعات في وحدتها، ومصاعب في أدائها. كل هذا سيعطي معارضيه الضوء الأخضر للخروج إلى الشوارع».

مع ذلك، ثمة «سيناريوهات أخرى سيئة»، من بينها، وفق بن شبات، أن «تمديد وقف النار سيخدم إيران التي تدرك جيداً حساسية إدارة ترمب تجاه عامل الزمن، وترى في ذلك رافعة ضغط لتحسين الإنجازات في المفاوضات».

كما أن الوصول إلى اتفاق «يحمل في طياته أخطاراً؛ بسبب الملف النووي ونظام الصواريخ والرقابة عليهما، وأكثر من ذلك؛ تحريرَ الأموال الإيرانية التي جمدتها العقوبات».

وتكشف تقارير صحافية عن أن الولايات المتحدة عرضت في إطار المفاوضات إقامة صندوق مساعدة لإيران بمبلغ 250 مليار دولار، لكن التقدير الإسرائيلي يشير إلى أن «هذه الطريقة لن تغير طموحات النظام، بل فقط تعزز لديه فهم أنه ملزم بالحصول على سلاح نووي كي يضمن وجوده».

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

أدوار مجتبى خامنئي

يختتم بن شبات قائلاً: «من زاوية نظر إسرائيل - إذا ما سارت الأمور بهذا الاتجاه - فمن الأفضل أن ينتهي الفصل الحالي (دون اتفاق ودون حرب)». لكن المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، يرى أن «نتنياهو يتنبأ بأن المحادثات الأميركية - الإيرانية ستفشل، وأن الطرفين سيعودان إلى الحرب. وهذا ما يعدّه النتيجة المفضلة».

ولمح هرئيل إلى أن نتنياهو يستند في موقفه إلى الارتباك داخل القيادة الإيرانية، مع ظهور علامات على نزاعات متصاعدة بين مختلف المعسكرات في القيادة الإيرانية.

ويبدو أن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، ما زال يمارس بعض مهامه بعد إصابته خلال العملية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب، فيما ترجح تقارير صحافية أن علاقاته بأعضاء القيادة الآخرين ضعيفة؛ ربما بسبب اختفائه، وهذا يؤثر على عملية اتخاذ القرارات.

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد أن قيادة «الحرس الثوري» مترددة في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، «في حين يرغب السياسيون المدنيون في إيران استمرارَها؛ ولو من أجل تأجيل هجوم أميركي - إسرائيلي جديد».