تباين الاستراتيجيات الإعلامية للفنانين... و«السوشيال ميديا» أهمها

بعضهم تخلى عن المقابلات الصحافية كلياً

أحمد حلمي
أحمد حلمي
TT

تباين الاستراتيجيات الإعلامية للفنانين... و«السوشيال ميديا» أهمها

أحمد حلمي
أحمد حلمي

يحرص نجوم الفن على تغيير استراتيجياتهم في التعامل مع الإعلام كلما ظهرت وسائط جديدة تتيح لهم فرصة الوصول إلى قطاعات أكبر من الجمهور. ومع ظهور «السوشيال ميديا» اتجه بعض الفنانين خصوصاً من جيل الشباب إلى الاعتماد بشكل كلي على هذه المنصات الجديدة، التي تتيح لكل منهم التحكم في علاقته بمتابعيه مباشرة من دون وسيط، وفي المقابل لا يزال هناك من يعتمد على الإعلام التقليدي، ويحرص على الوجود بصفحات الجرائد والمجلات مع كل عمل جديد يقدمه، عادّاً هذه الطريق الأكثر احترافية، ومنهم من بات يسند تعامله مع وسائل الإعلام إلى مكاتب علاقات عامة تنظم حواراته ولقاءاته مع الإعلاميين.
رغم إغراءات مواقع «التواصل الاجتماعي» الكبيرة، وما تحققه من انتشار واسع، والمقابل المادي الذي يتحقق من الظهور في البرامج التلفزيونية، فإن بعض الفنانين لا يزالون يقفون على مسافة من هذه الوسائط، بالامتناع التام، أو الترشيد... ومن هؤلاء الفنان أحمد حلمي الذي اختار منذ سنوات عدم إجراء أي مقابلات صحافية، مكتفياً بالتواصل مع متابعيه عند الضرورة عبر حسابه بموقع «تويتر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «استراتيجية الصمت التي اختارها أثبتت على مدار سنوات أنها الأفضل، ولا يرغب في تغييرها، دون توضيح أسباب».
حلمي ليس الوحيد الذي توقف عن إجراء مقابلات صحافية، فهناك عدد كبير من النجوم لا يتواصلون بشكل مباشر مع الصحافة؛ ومنهم منى زكي، وعمرو دياب، وشريهان، وعبلة كامل، وحسن حسني، حيث يكتفي هؤلاء بأن تتحدث أعمالهم الفنية عنهم ولا يتحدثون هم عنها.
هناك نموذج آخر من الفنانين الذين لا يزالون يدركون أهمية الإعلام التقليدي، ولا يفرطون في استخدام «السوشيال ميديا»، من بينهم الفنانة بسمة، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «السوشيال ميديا عالم خيالي بالنسبة لي، ولا أزال أسعى لفهم أبعاده، وكيف يمكنني الاستفادة منه»، مؤكدة حرصها على أن تدرس كل شيء قبل أن يخرج للجمهور، «وهذا ربما لا يناسب عالم السوشيال ميديا الذي يحتاج إلى الوجود بكثافة».
وأوضحت بسمة أنها «تطبق المنهج نفسه في تعاملها مع وسائل الإعلام التقليدية من صحافة مطبوعة أو مرئية، فهي لا تفضل الإدلاء بأي تصريحات؛ إلا عندما يكون لديها ما تقوله أو توضحه».
وعن لجوئها أخيراً لتدشين حساب على موقع تبادل الصور «إنستغرام»، وإذا ما كانت بداية للاعتماد على هذا الوسيط، أم لا، قالت بسمة إن «(إنستغرام) لا يغني عن الإعلام التقليدي، فهو موقع للصور ويكون مفيداً في نشر الأشياء المرئية، لكن عندما أرغب في التحدث والدخول في نقاش عن عمل فني أقدمه، لا بديل عن الإعلام التقليدي من صحافة وبرامج تلفزيونية».
وينشط عدد كبير من نجوم الفن خصوصاً من السيدات على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً «إنستغرام» الذي يتيح لهم نشر أكبر عدد من صورهم بمواقع مختلفة، وغالباً ما تثير تلك الصور ردود فعل وجدلاً واسعاً في مصر والبلدان العربية المختلفة، عند الظهور بملابس تتسم بالجرأة.
محمد عبد الرحمن، رئيس تحرير موقع «في الفن»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الصحافة كانت في الماضي الوسيط بين الفنان والجمهور، لكن بعد ظهور «السوشيال ميديا»، أصبح الفنان في مواجهة الجمهور مباشرة، وتحولت الصحافة إلى موقع المتفرج لعلاقة الفنان بجمهوره، ورغم أن لذلك إيجابيات يشعر بها الفنان، فإن السلبيات التي تعود عليه أكبر، بدليل أن غالبية الأزمات التي يتعرض لها الفنانون مؤخراً تحدث بسبب عدم قدرتهم على مخاطبة الجمهور بشكل مباشر، لدرجة تورط بعضهم في دخول سجالات مع متابعيهم تصل إلى حد السباب، ما يدفعهم بعد ذلك للاعتذار والتبرير، مشيراً إلى أن الفنان الذي يرغب في الاستغناء عن الإعلام التقليدي، ويريد أن يكتب أخباره مباشرة على حساباته بمواقع التواصل، لا بد أن يستعين بفريق محترف يساعده في ذلك، وهناك أكثر من نموذج للتعامل مع مواقع التواصل، فالفنان أحمد حلمي على سبيل المثال نموذج للنجوم الذين يديرون صفحاتهم بذكاء شديد، وهو بالمناسبة أعلن قبل أيام أنه «أدمن» حسابه على موقع «تويتر». هذا الفنان يملك من الحكمة ما يساعده على الاستفادة من «السوشيال ميديا»، كما حدث مؤخراً عندما هاجمه أحد متابعيه قائلاً: «فيلمك وحش»، فاستوعبه «حلمي» قائلاً: «كنت أتمنى الفيلم يعجبك يا درش»، وهو ما أكسبه احترام الجميع.
ما يفعله حلمي، يقوم بعكسه تماماً الفنان أحمد فهمي، الذي اعتادت الصحافة أن ترصد اشتباكاته المتتالية مع متابعيه بالألفاظ والشتائم، وهو ما يعرضه لخسائر هو في غنى عنها.
هناك نموذج آخر يستخدم السوشيال ميديا بشكل إيجابي؛ هو الفنان محمد هنيدي، الذي يستخدم فريقاً في التواصل مع الجمهور، واستطاع من خلال حساباته المختلفة على مواقع التواصل أن يحقق حالة من الوجود الإيجابي حتى في الأوقات التي لا يشارك في أعمال فنية.
يوضح عبد الرحمن، أن العلاقة كانت مختلفة تماماً قبل ظهور عصر «السوشيال ميديا»، فالفنان كان متابعاً جيداً للصحافة، وكان لديه أشخاص وظيفتهم صناعة أرشيف له عن طريق جمع كل ما يكتب عنه في الصحف، وكان التواصل مباشراً مع الصحافيين، أما الآن فالفنان يرى أنه قادر على الاستغناء عن الصحافة ما دام أن له عدد متابعين بالملايين على السوشيال ميديا، وهذه مفاهيم خاطئة انتشرت مؤخراً ولا بد من تصحيحها للفنانين حتى تعود العلاقة طبيعية بين الإعلام والفنان.
ونتيجة زخم «السوشيال ميديا» وكثرة برامج المنوعات في الفضائيات، أصبح هناك إفراط في ظهور الفنانين إعلامياً، دون دراسة لتأثير ذلك عليهم، لدرجة أن كثيراً من الفنانين يعدّون ظهورهم في البرامج مثل مأمورية تصوير، يذهبون ليحصلوا على المال وليس لأن هناك ما يريدون قوله لجمهورهم، فالغالبية تنجرف لفكرة الظهور بغض النظر عن كونه مفيداً أو مضراً، بعض الفنانين يقبل التكريم من جهات مجهولة، أو يحضر مهرجانات كثيرة للحديث إلى الكاميرات، وأصبح الفنان منفتحاً جداً على الجمهور من خلال وسائل الإعلام الحديثة، بالإضافة إلى حملات التوعية وما يسمى سفراء النوايا الحسنة، وكل ذلك يحتاج إلى ترشيد.
وبالتوازي مع الفنانين الذين يديرون علاقتهم مع وسائل الإعلام المختلفة بأنفسهم، منهم يسرا وأحمد عز وعادل إمام وأشرف عبد الباقي، ظهرت شركات العلاقات العامة أو الاستشارات الإعلامية التي تنظم علاقة الفنان بوسائل الإعلام المختلفة، فلا يستطيع الصحافي إجراء مقابلة مع الفنان الذي يتعاقد مع هذه الشركة أو تلك إلا عبرها.
رباب إبراهيم، مؤسسة إحدى شركات العلاقات العامة، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إنها عندما بدأت العمل في هذا المجال قبل ظهور السوشيال ميديا تعرضت لهجوم شديد، ووجهت لها اتهامات بأنها تفسد علاقة الصحافة بالفنانين، رغم أن هذا النظام كان معمولاً به في دول مثل الإمارات ولبنان، ومهمته تسويق الفنان إعلامياً وإدارة ظهوره بالشكل الذي يخدمه ولا يضره، موضحة أن الفنان في بداية مشواره لا يكون على دراية كافية بالصحف المهمة التي يجب أن يتعامل معها، ولا يعرف الشكل الأمثل للظهور الذي يزيد من شعبيته ولا يضره، الحال نفسها تنطبق على الفنان غير المصري.
وأكدت إبراهيم أن بعض الفنانين أصبحوا يفضلون التعامل مع الصحافة من خلال وسيط، بسبب الزيادة غير الطبيعية في عدد المواقع الفنية، فهم يتلقون كماً هائلاً من الاتصالات وطلبات لإجراء حوارات صحافية وتلفزيونية، ولأن وقتهم لا يسمح بالتواصل مع الجميع، يلجأون إلى شركات العلاقات العامة لترشح لهم وسائل الإعلام المهمة لإجراء المقابلات.
وعن جلسات الحوار الجماعية، التي يجلس فيها أكثر من صحافي مع الفنان في وقت واحد، ويتهمها الكثيرون بإفساد الصحافة لأنها توفر مادة متشابهة تنشر في التوقيت نفسه في كل المطبوعات، قالت رباب إبراهيم إن هناك عدداً كبيراً من الصحف والمواقع وقنوات «يوتيوب» ومصورين وفضائيات، وكل ذلك يرغب في التواصل مع الفنان وقت طرح فيلمه، وبالتالي كان الحل الأمثل لإرضاء الجميع أن يجلس الجميع جلسة واحدة للحصول على الإجابات الرئيسية التي يكرر السؤال عنها الجميع، وإذا كانت لأحدهم أسئلة خاصة به، فيخصص له 15 دقيقة على أقصى تقدير لتكون لديه المادة التي ينفرد بها عن غيره، لكن الفنان لم يعد يستطيع أن يجلس مع كل صحافي على حدة، ليجيب عن السؤال نفسه.
وأوضحت إبراهيم أن الوسائط الإعلامية على اختلافها مكملة بعضها لبعض، فمن يشاهد التلفزيون مساء يختلف عن الذي يستمع للراديو بسيارته في فترة الظهيرة، وبالتأكيد يختلف عن الذي يتابع السوشيال ميديا، وبطبيعة الحال عن الذي يقرأ الصحف الورقية، وبالتالي يحتاج الفنان الوصول إلى الجمهور عبر كل هذه المنصات، لكن هذا لا ينفي أن هناك عدداً من الفنانين أصيبوا بحالة من الجنون بسبب البحث المستمر عن «تريند السوشيال ميديا»، وفي سبيل ذلك يفعلون أي شيء بما في ذلك التعري وارتداء ملابس غريبة أو مثيرة للفت الانتباه، وبعض النجوم يقومون بتسريب صور خاصة ليحققوا انتشاراً ووجوداً، لكن الإفراط في التعري أصبح لا يحقق شيئاً، لأن ذلك أصبح العادي بالنسبة لمتابعي «السوشيال ميديا».



الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.