«السترات الصفراء» إلى الواجهة مجدداً... وتخوف من الإضرابات المقبلة

«السترات الصفراء» إلى الواجهة مجدداً... وتخوف من الإضرابات المقبلة

التدابير الأمنية المشددة لم تكن كافية لمنع المواجهات والحرائق... والاعتقالات بالمئات
الأحد - 20 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 17 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14964]
في الذكرى السنوية الأولى لحركة «السترات الصفراء» عادت باريس ومعها العديد من المدن الفرنسية الكبرى لتعيش مشاهد العنف المتنقلة (أ.ف.ب)

في الذكرى السنوية الأولى لانطلاق حركة «السترات الصفراء»، في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، عادت باريس، ومعها العديد من المدن الفرنسية الكبرى، لتعيش مشاهد العنف المتنقلة التي سبق أن عاشتها أواخر العام الماضي، ولكنها جاءت هذه المرة أقل حدة وعنفاً، بسبب الإجراءات الأمنية المتشددة التي أقرتها الحكومة والقوى الأمنية. وكانت أولها منع التجمع والتظاهر في «المثلث الذهبي» في باريس، الذي يضم جادة الشانزليزيه والشوارع المحيطة بها نزولاً إلى ساحة الكونكورد والقصر الرئاسي والجمعية الوطنية، حيث انتشرت قوات الأمن بكثافة، وأصدرت مديرية شرطة العاصمة قراراً بمنع التجمع والتظاهر في هذه المنطقة الحيوية، التي كانت لأسابيع عديدة نقطة التقاء المتظاهرين.
بيد أن هذه التدابير لم تحل دون اندلاع العنف في مناطق أخرى من العاصمة، خصوصاً في «ساحة إيطاليا» الواقعة جنوب شرقي العاصمة، التي شهدت عمليات كر وفر بين القوى الأمنية والمتظاهرين، الذين انضم إليهم العشرات ممن يسمون «البلاك بلوك»، وهي حركة يسارية متطرفة.
بسرعة قياسية، ورغم الحضور الكثيف لقوات الشرطة ومكافحة الشغب، أحرقت العديد من السيارات والدراجات وحاويات القمامة، ومُنع الإطفائيون من الوصول إلى المكان، وألقيت الحجارة، وكل ما وضع في أيدي المحتجين، على قوات الأمن، التي ردت بإطلاق كثيف للقنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، وسعت إلى محاصرتهم، وإلقاء القبض على من تسميهم «محركي الشغب». إلا أن «هجمات» القوات الأمنية لم تحل دون أن يتمكن المشاغبون من استهداف مركز تجاري كبير واقع في الساحة المذكورة، فحطموا، رغم إغلاقه، العديد من الواجهات الزجاجية، واستهدفوا فرعاً مصرفياً عائداً لمصرف كبير معروف، وهشموا مآوي الحافلات العامة، وانتزعوا حجارة الساحة لاستخدامها ضد القوى الأمنية. وبسبب لجوئها المكثف للقنابل المسيلة للدموع، خيمت فوق الساحة غمامة غازية جعلت استنشاق الهواء بالغ الصعوبة.
وتفيد أرقام الشرطة بأن نحو 300 مشاغب من «البلاك بلوك» وغيرهم اندسوا أمس بين المتظاهرين في باريس وحدها، حيث تم توقيف 105 أشخاص حتى الخامسة من بعد الظهر. ويتميز أعضاء هذه المجموعة بارتدائهم الثياب السوداء، وبتغطية رؤوسهم، وهم دأبوا منذ سنوات، خصوصاً في مظاهرات وتجمعات العام الماضي، على استهداف رجال الأمن والتحطيم وإشعال الحرائق وغيرها من الممارسات التي أضرت بـ«السترات الصفراء» العاجزين عن منعم من الالتحاق بصفوفهم.
بداية، كان المنتظر أن تنطلق مسيرة مرخص لها من «ساحة إيطاليا» باتجاه «ساحة الباستيل»، حيث ستتلاقى مع مسيرة أخرى منطلقة من شمال غربي باريس إلى الساحة نفسها. لكن بالنظر للأحوال الأمنية، عمدت مديرية الشرطة إلى إلغاء المسيرة الأولى، ما ضاعف غضب مئات الأشخاص المتجمهرين فيها، وزاد الوضع تأزماً وعنفاً. وحتى عصر أمس، كانت الحرائق ما زالت مندلعة في «ساحة إيطاليا»، كما اندلعت أعمال عنف إضافية في «ساحة الباستيل»، وفي شوارع وساحات أخرى في العاصمة. وقال مدير شرطة العاصمة ديديه لالمان، إن السلطات «لم تفاجأ» بما هو حاصل، وأنها تحضرت له، وأنها تتعامل مع المشاغبين ودعاة العنف بقبضة حديدية. وخلال الأيام الماضية، عمد الناشطون في صفوف «السترات الصفراء» إلى إطلاق حملة واسعة تمهيداً للعودة إلى الساحة بمناسبة الذكرى الأولى، وهم يعتبرون أن جذوة الحركة لم تمت، رغم أنها غابت عن المشهد السياسي والأمني منذ الربيع الماضي.
ما عرفته باريس، أمس، تكرر في مدن رئيسية، مثل ليون وبوردو ومرسيليا وتولوز ومونبليه وروان، كذلك عاد «السترات الصفراء» مجدداً إلى احتلال دوارات الطرق في العديد من المناطق الفرنسية التي منها انطلقت حركتهم، احتجاجاً على رفع الرسوم المفروضة على المشتقات البترولية. إلا أن الأعنف بينها شهدته مدينة تولوز (جنوب)، حيث لجأت القوى الأمنية بكثافة للغاز المسيل للدموع ولخراطيم المياه لتفريق المحتجين. ورفع «السترات الصفراء»، الذين حظوا في بداية حركتهم بدعم شعبي واسع، مطالب واسعة مثل العودة لفرض الضريبة على الثروة التي ألغاها الرئيس ماكرون منذ وصوله إلى السلطة، وخفض الضريبة المضافة على الحاجيات الأساسية، والتراجع عن الرسوم الإضافية على المشتقات النفطية، وإقرار مبدأ الاستفتاء بمبادرة شعبية، وخفض الضرائب التي تطال الطبقات الأكثر هشاشة. لكن ما حصل أن ماكرون أقر مجموعة من الإصلاحات التي تكلف الخزينة ما يزيد على 12 مليار يورو، لكنه رفض الاستجابة للعديد من المطالب، على رأسها إعادة العمل بضريبة الثروة. وواضح اليوم أن استمرار الحركة الاحتجاجية يدل على أن التدابير التي أقرتها السلطات لم تكن كافية، خصوصاً لجهة رفع القدرة الشرائية. وأمس، رفعت شعارات تندد بالرئيس ماكرون وبسياسته وتطالب برحيله.
وأمس، سربت مصادر القصر الرئاسي أن ماكرون «يتابع عن كثب»، وأنه لا يشعر بالقلق، فضلاً عن أنه «لم يجد في تنقلاته الأخيرة في المناطق الفرنسية حالة عدائية إزاءه».
بيد أن ما يقلق الرئيس هو ما ينتظره في القادم من الأيام، خصوصاً في الخامس من الشهر المقبل، حيث من المنتظر أن تقع فرنسا في حالة من الشلل، بسبب الإضرابات المنتظرة التي ستشمل العديد من القطاعات، أهمها قطاع النقل، احتجاجاً على مساعي الحكومة لتغيير قانون التقاعد.
ويتداخل ذلك مع حركة احتجاجية طلابية وأخرى خاصة بالمستشفيات الحكومية، فضلاً عن المحامين وغيرهم من القطاعات. وتتخوف الحكومة من تراكم الحركات الاحتجاجية، وتداخل مطالبها، في حين أن مالية الدولة لا تسمح لها بأن تستمر في «شراء» السلم الاجتماعي عن طريق «تقديم الهدايا» المالية هنا وهناك. تجدر الإشارة إلى أن جاك شيراك، الرئيس الأسبق الذي توفي مؤخراً، سعى في التسعينيات مع رئيس حكومته ألان جوبيه، إلى إصلاح قانون التقاعد، الأمر الذي أدخل البلاد في دوامة من الإضرابات المتواصلة. وأراد شيراك الخروج منها عبر تنظيم انتخابات عامة، كانت نتائجها كارثية بالنسبة إليه، وإلى الأحزاب اليمينة التي تدعمه، ما مهد الطريق لوصول حكومة اشتراكية.


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة