«الاغتراب».. طوق النجاة للخروج عن «النسق»

بين الشاعر محمد العلي ونجله رياض (1 من 2)

محمد العلي في ندوة عن الاغتراب
محمد العلي في ندوة عن الاغتراب
TT

«الاغتراب».. طوق النجاة للخروج عن «النسق»

محمد العلي في ندوة عن الاغتراب
محمد العلي في ندوة عن الاغتراب

الغربة والاغتراب، مفردتان متلازمتان في قاموس الشاعر والمفكر السعودي محمد العلي، كما في تجربته الخارجة عن النسق منذ حفر طريقه وسط الصخور وفوق كثبان الرمال وعلى صفحات الماء، يُفّتش عن مسارب ومعابر تسوقه نحو البحث عن المجهول، زاده العقل واجتراح السؤال.
في عام 1970 كتب قصيدته «آه... متى أتغزل؟»، يوائم بين روحه المتقدة بالحنين والاغتراب داخل الوطن، وروح الشاعر أبي الطيب المتنبي، الذي لاحقته الغربة من وطن إلى وطن، ومن بيداء إلى بيداء.. ليعقد الألفة بين الحالتين:
قف بي ملياً أبا الطيب
واقرأ عليّ الجراح التي قد تركت بها مصر
كان الجواد هو الليل
غادر دون صهيل...
وأغمدت جرحك بالشعر
لكن ما عندنا كيف يُغمَد
ما عندنا زرقة طفلة تجهل النطق
إني أقبِّل عينيك
لو جئت تمنحني بعض لؤلؤك الرطب
هذا الخليج المبرح غادر منه المحار.
وذات مرّة أعطى محمد العلي بُعداً فلسفياً للغربة والاغتراب، مستشهداً بقول أبي حيان التوحيدي: «إن الغريب هو مَن في غربته غريب»، ثم يضيف: «كل إنسان يُحسب أحياناً غريباً، فإذا لم يشعر بهذه الغربة فهذا يعني أنه أصبح فرداً من المجموع، في أحيان كثيرة يشعر بالغربة كلّ من يمتلك حسّاً مرهفاً».
ومحمد العلي المشتغل دوماً بنزع الأساطير («ما الذي سوف يبقى - إذا رحت أنزع عنك الأساطير - أرمي المحار الذي في الخيال إلى الوحل؟»)، لا يفتأ يحدث أثراً مدوياً كلما أطلّ على المشهد الثقافي، يحرك ساكنه، ويثير اضطراباً حميداً في أرجائه. لا يُثِير محمد العلي أكثر من الرضوخ للجمود، وتشّرب الأفكار دون تمحيصها، والكفّ عن اجتراح الأسئلة. وفي إطلالته الأخيرة في جمعية الثقافة والفنون، آثر أن يلقي هماً ثقيلاً عن كاهله، جاء إلى المحفل يتكئ على أعوامه التسعين يجرّ خطئ ثقيلة ومعه أنبوبة الأكسجين تساعده على التنفس دون عناء، لكي يحدّثهم عن «الاغتراب».
يمثل الشاعر محمد العلي رمزاً للحداثة السعودية، وخاصة في تجربتها الشعرية، غرس حضوره في المشهد الثقافي والفكري، رائداً للتجديد، والخروج عن السائد، ومنحازاً إلى بناء «العقل النقدي» والعقلانية، ومتبنياً للأشكال الشعرية الجديدة، كما أنه شاعر منفعل مع عصره، يتمتع بعمق ثقافي وفلسفي، ورغم قلة شعره، فإن كل قصيدة تضّج بالمعاني والوجدان والانفعال.
شاعر صنع الدهشة في كلّ نصّ كتبه، وفي كل مفردة حفرها في قصائده: «العيد والخليج»، «لا ماء في الماء»، و«الأساطير»، و«الوجع»، وكلها نصوص مثقلة بالمعنى كما هي مثقلة بالهمّ الإنساني الكبير الذي يحمله محمد العلي.
ينحدر العلي من واحة الأحساء الغنية بزراعة النخيل، والخصبة بمياهها، حيث في قرية العمران بالأحساء في عام 1932. وقد بدأ حياته العلمية والأدبية في النجف بالعراق، ثم اقترن بتجربة الأدب الحديث هناك، حيث عاصر تجربة بدر شاكر السياب، وحفظ عن ظهر قلب ديوانه «شناشيل بنت الشلبي».
فيما يلي نصّ ورقة محمد العلي «الاغتراب»، مفردة الاغتراب ذات معنى قديم في ثقافتنا، فمنذ العصر الجاهلي كان سلوك الفرد، حين يصبح معارضاً لسلوك قبيلته يفرد «إفراد البعير المعبد»، ومن هنا نشأت ظاهرة الصعاليك، وهم لفيف من أفراد خلعتهم قبائلهم؛ أي تبرّأت منهم، فأصبح مأواهم مأوى الرياح:
وسائلة أين الرحيل؟ وسائلٍ
وهل يسأل الصعلوك أين مذاهبه؟
إنه تائه، ألف الوحوش، وألفته، كما يدعي بعضهم. وقد قيلت في ذلك أشعار مشهورة كثيرة لا داعي لذكرها.
كان السبب لظاهرة الصعاليك واضحاً. إنه الفقر المجدب، والشعور الحارق بعدم المساواة، لذلك سلك لفيفهم طريق سلب الأغنياء، وتوزيع ذلك على المحتاجين. وقد حورب هذا السلوك، لأنه سلوك يقوم به أفراد من قبائل مختلفة. والمفارقة المضحكة أن العمل نفسه، لو قام به أفراد من قبيلة واحدة لعُدّ عملاً سائغاً وشجاعاً. وقد استمرت ظاهرة الصعلكة طيلة العصر الإسلامي والأموي، حتى إن الأحيمر السعدي الذي يُعتبر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية هو القائل:
عوى الذئب فاستأنست
بالذّئب إذْ عوى
وصوت إنسانٍ فكِدتُ أطيرُ
في العصر العباسي تغيّر معنى الاغتراب من العزلة اللاإرادية، كما هي في العصر الجاهلي، إلى عزلة إرادية عن الناس. وهنا لا بد أن نسأل عن السبب لهذا التغير؛ فقد كان الفقر هو السبب لظاهرة الصعلكة، أما هنا، فإن السبب هو الغنى الفاحش في يد مَن لا يستحقه. وقد عبر عن ذلك ابن الرومي بحرقة ضارية:
أتراني دون الأُلى بلغوا الآمال من شرطة ومن كتّابِ
وتجار مثلِ البهائم فازوا بالمنى في النفوس والأحبابِ
ويظلّون في المناعمِ واللذات بين الكواعب الأترابِ
لهف نفسي على مناكير للنكر غضاب ذوي سيوف عضابِ
تغسل الأرضَ بالدماء فتضحي ذات طهر ترابها كالملابِ
من كلاب نأى بها كلّ نأي عن وفاء الكلاب غدر الذئابِ
أصبحوا ذهلين عن شجن الناس وإن كان حبلهم في اضطراب
هذه الأبيات لابن الرومي، لا شكوى فيها من الفقر، بل من الفساد السياسي الذي أصبح أهله ذاهلين عن شجن الناس وآلامهم، في حين كان حبلهم قصيراً؛ لأن الدولة كانت تتمزق، وهم ذاهلون. هذا الشعور الحارق عبّر عنه شعراء ذلك العصر بصور مختلفة، لأنهم يتميزون عن غيرهم بمستواهم الثقافي الشاهق، ومع ذلك فهم يحتاجون، لضرورات الحياة، إلى مَن هم دونهم، بمراحل، من الحكام الفاسدين وأذنابهم، بفعل «الزمان المغفل»، وكان أبعد الشعراء غوراً في التعبير عن هذا الشعور الممض هو أبو تمام حين قال:
وأصرف وجهي عن بلاد أرى بها
لسانيَ معقولاً وقلبي مقفلا
وجدّ بها قومٌ سوايَ فصادفوا
بها الصنع أعشى والزمان مغفلا
أما المتنبي فكان يتمزق نفسيا، لأنه لا يرى في الدولة إلا أبواقاً وطبولاً
إذا كان بعضُ الناسِ سيفاً لدولةٍ
ففي الناس بوقاتٌ لها وطُبُولُ
وكان يقصد الخلفاء العباسيين في عصر انهيار الدولة. وإذن فقد كان اختلال الموازين السياسية والاجتماعية هو السبب لتلك العزلة وذاك التذمر. الناقد الكبير الدكتور عبد الله الغذامي أدان شعراء ذلك العصر، ومن قبلهم، ومن بعدهم، حتى أدونيس ونزار.. لأنهم شوَّهوا الذات العربية، بإحالتها إلى ذات مشعرنة، لتمجيدهم الطغيان، فحمل شعرهم نسقاً خفياً مدمراً للذات. هذا الرأي نراه صائباً من زاوية واحدة، هي الزاوية الأخلاقية المثالية المنفصلة عن الواقع، وعن فعل التاريخ، فقد أعاد المفكر الجابري تمجيد الطغيان إلى تأثير الثقافة الفارسية التي حملت إلى العربية مقولة «السمع والطاعة».
وقد جادل الناقد العراقي عبد الله إبراهيم هذا الرأي بصورة موضوعية عميقة لا مزيد عليها. (فصول ع 63) في العصر الحديث تعدد معنى الاغتراب تبعاً لتعدُّد أسبابه؛ فهناك اغتراب نفسي، وثقافي، واجتماعي، وسياسي، وإيجابي، وسلبي... وهذا التعدد ليس معناه عدم وجوده في العصور السابقة، بل لأن التعدد وأسبابه لم تُكتشف إلا في الأزمنة المتأخرة.
- الاغتراب النفسي
وهو على نوعين: اغترب إيجابي، وهو التحول المعرفي، ونضج الوعي، اللذان يرتفع بهما الإنسان على نفسه، من خلال تجاربه، وتقلبه في وجوه التفاعل الاجتماعي، ودرجات التعلم. واغتراب سلبي، وهو «الشعور بالوحدة حتى بين الأهل والأصدقاء. إنه انفصال الفرد عن التفاعل الاجتماعي، والانفعال بالمؤثرات، وبالتالي الشعور بلا جدوى الحياة»، أي تحوله إلى مرض. وهذا يعود إلى أسباب فرعية مختلفة.
- الاغتراب الثقافي
لكل مجتمع حضاري ثقافتان: ثقافة سائدة، تعززها السلطة الاجتماعية والسياسية، هدفها إبقاء الوضع الاجتماعي، كما هو، بلا تغيير، وثقافة مضادة هدفها التغيير الجذري الشامل لكل أوضاع المجتمع المتخلفة. ولنضرب مثلاً بالتعليم. فقد كتب كثيراً عن تخلُّف المناهج التعليمية، وأنها حشو للذاكرة، لا لتنمية الوعي وإيقاظ الفكر... وفي لفتة ماهرة للكاتب القدير علي الشدوي أضاف فيها إلى ما ذكر أن تلك المناهج تسبب اغتراب الطالب عن نفسه، لأنها لا علاقة لها بالحياة الاجتماعية التي يعيشها، ولا بأي هدف من أهدافه.
إن الصراع بين الثقافتين السائدة والمضادة، هو في جذره صراع اجتماعي، يهدف إلى التغيير، ويصل أحياناً إلى حد التناحر، لذا فإن جميع من حاولوا التغيير من الفلاسفة، والمفكرين والمصلحين، وحتى الشعراء والأدباء قد اكتووا بنار ذلك الصراع، وذاقوا مرارة الاغتراب، ولكن النتيجة تكون دائما إيجابية، لأنها تثمر التقدم والتطور.
- الاغتراب الفلسفي
لا أريد هنا الخوض في نظرية الاغتراب عند باخ أو ماركس أو غيرهما من الاجتماعيين والنفسيين، بل كل ما أريده هو إيضاح اغتراب ما ندعوه فلسفتنا عن ثقافتنا السائدة والمضادة معاً، على كثرة من نسميهم فلاسفتنا، فابتداء من الكندي حتى ابن رشد نقرأ شتاتاً من الآراء المنقولة بصورة غير دقيقة، فلم تترك أي تأثير في ثقافة المجتمع، كما ترك المعتزلة، على قصر فترة ظهورهم. وقد أعاد العلامة عبد الرحمن بدوي سبب ذلك إلى فصل الذات العربية عن استقلالها، ودمجها بالجماعة. وهو رأي صائب، حين ننظر من زاوية تاريخية. وقد يكون للحديث القائل: «يد الله مع الجماعة» دخل في هذا، ولكني رأيت في أحد المواقع الدينية أن معنى الجماعة المقصود هنا هم الصحابة. وعليه فإن الحديث خاص بزمن مضى وليس عامّاً.
- الاغتراب السياسي
وهو غياب المشاركة في الفعل السياسي، مع القدرة عليه، الأمر الذي يفضي إلى السلبية وعدم المبالاة، وهذا موقف يؤدي، في النهاية إلى ضعف الأمة وانهيارها.
- الاغتراب الديني
أصرح هنا، منذ البداية، بأني مجرد ناقل، لا لرأي «باخ» في الاغتراب الديني، بل لرأي كاتب إسلامي هو الدكتور توفيق السيف، المستند بدوره إلى مفكر إسلامي آخر هو الدكتور عبد الكريم سروش؛ فقد كتب في جريدة «الشرق الأوسط» تحت عنوان «العلمانية الطبيعية: استقلال العلوم» في (31/ 7/ 2019) ما يلي:
«الذي حدث بعد استقلال العلوم أن البشر حصلوا على أدوات تفسير لعالمهم من خارج إطار الدين، أو لعل علاقتهم بهذا العالم قد تطورت من حالة الانفعال، وانتظار الأمر والنهي، إلى التأمل والبحث عن تفسيرات لما يجري فيه، أي ازدادت مساحة التساؤل، وتقلصت مساحة اليقين، وتغير موقف الإنسان من الانصياع إلى الرغبة في الاستقلال.
يبدو أن هذا هو الموقف الطبيعي، أو ما نسميه منطق التاريخ. في البداية يوفر الدين مفاتيح لفهم العالم، لعل أبرزها الإيمان الميتافيزيقي أولاً، التجريبي تالياً، بأن الكون نظام دقيق (...) وبعد أن يتعرف الإنسان، تتقلص وظيفة الدين إلى أخص اهتماماته، أي الإجابة عن أسئلة الوجود الكبرى وربط الإنسان بخالقه»، ثم يختتم النص بقوله: «يعتقد سروش أن هذا المسار يؤدي إلى ما نسميه: (علمانية)»، ينطلق سروش من الاعتقاد بأن الدين ثابت، أما معرفة الدين فهي متغيرة كسائر المعارف البشرية التي إذا تغير فرع منها أثر في الفروع الأخرى. وهذا الاعتقاد قديم؛ يستند القائلون به إلى الحديث «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وعلى هذا قال جلال الدين السيوطي:
«لقد أتى في خبرٍ مشتهرِ
رواه كل حافظٍ معتبرِ
بأنه في رأس كل مائةِ
يبعث ربنا لهذي الأمةِ
منًّا عليها عالماً يجددُ
دينَ الهدى لأنه مجتهدُ
فكان عند المائةِ الأولى عُمَر
خليفة العدل بإجماع وقر
والشافعي كان عند الثانيةْ
لما له من العلوم السامية
والخامس الحَبْرُ هو الغزالي
وعده ما فيه من جدال».
في الختام، واختصاراً لما تقدم كله، ينبغي أن نسأل: ما السبب لهذا الصراع والتمرد في كل هذه العصور المترامية؟ والإجابة نجدها في قضيتين، هما: غياب العدالة الاجتماعية، وغياب الحرية. لقد تكسرت الأقلام (زرافات ووحداناً) وهي تكتب عن ضرورة العدالة الاجتماعية، من دون رؤيتها على أرض الواقع المعيش، إذ لو كانت هناك عدالة في توزيع الخيرات، لاتجهت تلك الصراعات إلى ميدان التنافس في البناء الاجتماعي، بعيداً عن التناحر. وقد عبّر الشاعر الكبير الجواهري عن التفاوت المقيت بين الناس، وغياب العدالة بقوله:
لكن بي جنفاً عن وعي فلسفةٍ
تقضي بأن البرايا رُتِّبَتْ رُتَبا
وأن من حكمة أن يجتني الرطبا
فرد بجهد ألوف تعلك الكربا
أما غياب الحرية، التي كأن بينها وبين الأرض العربية نفوراً أزلياً، فهو الآخر سبب الانكسارات التي نتخبط فيها. لقد رادف الفيلسوف سارتر بين الإنسان والحرية، لأن الإنسان لا يصير ذاتاً إلا بالحرية، ومن دونها يصبح مجرد موجود، كأي (شيء) من الأشياء، ومعنى هذا أنه لم يتحول بعدُ إلى إنسان. إننا في عالمنا نتكلم عن الحرية، وكأنها شبح من الأشباح، أو حلم من أحلام شهرزاد. لذا، لو نظر إلينا سارتر لقال: «هؤلاء (موتى بلا قبور)»، ولأضرب مثلاً: جاء في حقوق الإنسان أن حرية الرأي حق من حقوق الإنسان. فهل يا تُرى لو أنت بدلتَ مذهبك فهل أنظر إليك أنا، الذي أدعي التنوير، من دون أن تحمر عيناي من الغضب؟ بل هل تستطيع أنت الآن أن تكتب مثل المعري أو أبي حيان أو أبي نواس؟ كلا، إنك لا تستطيع؛ لأن حراس الموتى جاهزون لك بكل الأسلحة.



أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري، أحمد مجدي، إن حماسه للمشارَكة في مسلسل «الست موناليزا» جاء لشعوره بأنَّ العمل يقدِّم تجربةً دراميةً متكاملةً على مستويي النَّصِّ، والرؤية الإخراجية وتركيبة الشخصيات، عادّاً أنَّ هذا النوع من المشروعات هو ما يبحث عنه بصفته ممثلاً يسعى إلى الاشتباك مع شخصيات مُركَّبة ومناطق إنسانية ملتبسة.

وأضاف مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يتمنَّى منذ فترة طويلة العمل مع مي عمر، وتَحقَّق ذلك أخيراً في ظروف إنتاجية وفنية مناسبة منحته دافعاً إضافياً للدخول في التجربة بثقة وحماس، خصوصاً في ظلِّ وجود سيناريو وصفه بـ«المُحكم والمكثف» كتبه محمد سيد بشير، «حيث تتوالى الأحداث دون ترهل، ومن دون وجود شخصيات زائدة عن الحاجة، إذ يؤدي كل خط درامي وظيفةً محددةً داخل عالم متشابك تتقاطع فيه المصائر، وتتراكم فيه الدوافع النفسية»، على حد تعبيره.

وأوضح مجدي أن «العمل لا يعتمد فقط على الإثارة الظاهرية أو الصدامات المباشرة، بل يراهن بالأساس على بناء نفسي طويل المدى للشخصيات، وعلى كشف تدريجي لتحولاتهم الداخلية، ما منحني فرصةً حقيقيةً للاشتغال على التفاصيل الدقيقة في الأداء».

أحد الملصقات الترويجية للمسلسل (الشركة المنتجة)

وتحدَّث مجدي مطولاً عن شخصية «حسن»، وعدَّها من أكثر الشخصيات تعقيداً التي تعامل معها، موضحاً أنها «شخصية لا يمكن اختزالها في توصيف أخلاقي بسيط، إذ تجمع بين النرجسية الحادة، والتمركز حول الذات، والقدرة على المراوغة والخداع، لكنها في الوقت نفسه ليست شريرةً على نحو كاريكاتيري أو مباشر، وقوتها الشخصية تكمن في كونها مكتوبةً بحيث تسمح للمُشاهد أن يراها من الداخل، وأن يتتبع كيف تَشكَّلت عبر تراكمات نفسية واجتماعية طويلة، لا عبر حدث واحد حاسم».

وأشار إلى أن «حسن» يمتلك قدرةً عاليةً على تضليل الآخرين، والأهم أنَّه ينجح في تضليل المُتفرِّج نفسه في المراحل الأولى من العمل، إذ يظهر بوصفه شخصاً يبدو بريئاً، حساساً، يبحث عن الحب والاحتواء، قبل أن تبدأ الطبقات الحقيقية للشخصية في الانكشاف تدريجياً، لتظهر دوافع أكثر ارتباطاً بالمال والسيطرة وتحقيق الذات، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، عادّاً أن هذا المسار التصاعدي في كشف الشخصية يخلق نوعاً من الصدمة النفسية المتراكمة لدى المشاهد، ويدفعه إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وفي طريقة قراءته للشخصيات الدرامية، مشيراً إلى أنه على الرغم من علمه بكراهية الجمهور لشخصية «حسن» بعد مشاهدة العمل، فإنه تحمَّس لها واستفزته فنياً ليقدمها.

وأكد مجدي أن ما يطرحه المسلسل قد يبدو للبعض قاسياً أو مبالغاً فيه، لكنه يرى أن الواقع أكثر قسوةً وتعقيداً مما تسمح به الدراما التلفزيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات المختلة داخل الأسرة أو في البيئات التي تسودها الأنانية والعنف النفسي، موضحاً أن التجارب الإنسانية في الحياة اليومية تحمل مستويات أعلى من الألم والتشوه النفسي، لكن الدراما تضطر إلى تقديمها في إطار مشوق ومتوازن يحافظ على قابلية المشاهدة ويمنح المتلقي فرصةً للتفاعل لا النفور الكامل.

وحول منهجه في التحضير للشخصية، قال إن السؤال المركزي الذي ظلَّ يرافقه في كل جلسات النقاش مع المؤلف والمخرج هو: لماذا يتصرَّف «حسن» بهذه الطريقة؟ وما الجذور النفسية والتربوية التي أسهمت في تكوين هذا السلوك؟

أحمد مجدي تحدَّث عن الأدوار المُركَّبة (صفحته على «فيسبوك»)

وأضاف أن «كثيراً من الشخصيات النرجسية أو العنيفة تكون في الأصل نتاج خلل مبكر في منظومة التربية أو في الإحساس بالأمان والاحتواء، وهو ما حاول أن ينعكس بشكل غير مباشر في الأداء، وليس عبر خطاب مباشر أو تبرير سطحي»، متوقفاً عند العلاقة بين «حسن» وعائلته بوصفها تُشكِّل العمود الفقري لفهم الشخصية، لا سيما علاقته بأمه التي تجسِّدها الفنانة سوسن بدر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة تحمل قدراً عالياً من الالتباس العاطفي والتوتر الصامت، وتكشف عن مناطق حساسة داخل تكوينه النفسي، فتتجاور الحاجة إلى القبول مع الرغبة في السيطرة والتمرد، لافتاً إلى أن الأداء الهادئ والمركب للفنانة سوسن بدر منح هذه العلاقة عمقاً خاصاً، وجعل المَشاهد المشتركة قائمةً على الإيحاء والتراكم أكثر من المواجهة المباشرة.

وأضاف أن العلاقة مع الأب تمثِّل بدورها منطقة جرح داخلي نادر الظهور، لكنها شديدة التأثير، إذ لا تظهر إلا في لحظات محدودة داخل العمل، تكشف عن مرارة دفينة وشعور قديم بالظلم أو الخذلان، عادّاً أن هذه اللحظات هي الأصعب أداءً، لأنَّها تتطلب كسر الصورة الصلبة التي يقدِّمها «حسن» طوال الوقت، وإظهار هشاشته الإنسانية من دون الوقوع في الميلودراما أو التبرير الأخلاقي.

وأكد مجدي أن «الرهان كان دائماً على إبقاء عنصر المفاجأة حياً داخل المشهد الواحد، وعلى ألا تُكشف أوراق (حسن) كاملة في لحظة واحدة، بل أن تتسلل تدريجياً عبر التفاصيل الصغيرة في الأداء»، مشيراً إلى أن مشاهد الأكشن أو الحركة لم تُمثِّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، نظراً لوجود فريق متخصص ومخرج يمتلك رؤيةً واضحةً لكيفية تنفيذها، ما جعلها تسير بسلاسة وانضباط، بينما جاءت الصعوبة الحقيقية في المشاهد النفسية الدقيقة التي تتطلب تحكماً عالياً في الانفعال، وتوازناً دقيقاً بين ما يُقال وما يُخفى.

أحمد مجدي قدَّم دوراً له أبعاد نفسيه في المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشاد مجدي بتجربته في العمل مع مي عمر، عادّاً أنها تمتلك قدرةً لافتةً على قراءة الإيقاع الدرامي للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم الكبير بينهما انعكس بشكل إيجابي على المشاهد المركبة التي تجمعهما.

واعترف بأن المشاهد الرومانسية تمثل له تحدياً خاصاً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستوى الإنساني، نظراً للفارق بين هشاشة التعبير العاطفي في الحياة الواقعية والوضوح الذي تتطلبه الدراما التلفزيونية.

وفيما يتعلق بفكرة المنافسة في رمضان، أكد مجدي أنه لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه سباقاً أو معركة أرقام، بل مساحة للتعبير والتواصل وطرح الأسئلة، عادّاً أن الصناعة الفنية كيان واحد يتشارك مسؤولية تطوير الذائقة العامة وبناء الثقة مع الجمهور، مؤكداً أن نجاح التجارب المتنوعة ينعكس في النهاية على قوة المشهد الفني كله، ويمنح الفنانين مساحة أكبر للتركيز على جوهر عملهم بدل الانشغال بالمقارنات.


«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)
TT

«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)

بعد مرور 11 عاماً على رحليه، يعيد مسلسل «الفاتح صلاح الدين» صوت نور الشريف إلى موجات الإذاعة المصرية وأثير رمضان، حيث تبثّ إذاعة «صوت العرب» المسلسل الإذاعي الأخير الذي سجله، ليذاع للمرة الأولى في الموسم الرمضاني الحالي.

واعتاد متابعو التلفزيون انتظار عمل درامي لنور الشريف كل موسم رمضاني تقريباً، حتى ارتبط نور الشريف في وجدان كثير من المصريين بدراما رمضان. ومن الأعمال الدرامية التي قدمها «لن أعيش في جلباب أبي»، و«الرحايا»، و«الدالي»، و«الحرافيش».

المسلسل أهدته إذاعة قطر لشبكة «صوت العرب»، في إطار التبادل بين شبكة «صوت العرب» والإذاعات العربية. وإلى جانب الفنان نور الشريف يشارك في البطولة نخبة من الفنانين العرب، من بينهم فهمي الخولي من مصر، وجواد الشكرجي من العراق، وهدى حسين من الكويت، ومن تونس لمياء الورتاني، ومن اليمن سالم الجَحْوشي، ومن السودان محمد السني، ومن البحرين عبد الله أحمد، ومن قطر غازي حسين، وعبد الله عبد العزيز، وفهد الباكر، وخالد الحمادي. ومن الأردن عبد المنعم جرار. والمسلسل من تأليف وإخراج أحمد فتح الله.

المسلسل الإذاعي الفاتح صلاح الدين (الهيئة الوطنية للإعلام)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «نور الشريف يمثل حالة من النوستالجيا للجمهور، خصوصاً في شهر رمضان الذي كان يحرص على الوجود فيه درامياً، وأحياناً في مسلسلات إذاعية، لكن مسلسل (الفاتح صلاح الدين) له طابع خاص، ولا سيما أنه يقدَّم للمرة الأولى بإذاعة (صوت العرب)، ويضم ممثلين من دول عربية مختلفة، كما يتناول قصة صلاح الدين الأيوبي، المعروف بمواقفه البطولية كرمز للفخر العربي عبر التاريخ».

ويعدّ نور الشريف (1946 - 2015) من أبرز الفنانين المصريين، قدم عدداً من الأعمال السينمائية في بداية حياته، ومن أبرز أعماله السينمائية «ضربة شمس» و«حبيبي دائماً» و«ناجي العلي» و«سواق الأتوبيس» و«غريب في بيتي» و«حدوتة مصرية» و«المصير». كما قدم للإذاعة مسلسلات مثل «سيرة ومسيرة» و«إمبراطور أبو الدهب»، كما قدم أعمالاً درامية تاريخية مهمة؛ من بينها «هارون الرشيد» و«عمر بن عبد العزيز» و«رجل الأقدار عمرو بن العاص».

ولفت الناقد الفني إلى أن هذا المسلسل «يعيد لنا الحالة الاستثنائية في الأداء التي كان يجسدها نور الشريف خلف الميكروفون أو أمام الكاميرا، والتي ارتبطت في أذهان الجمهور بحالة وجدانية أقرب للنوستالجيا، فضلاً عما يمثله من قيمة فنية كبيرة، كما أنه قدم شخصية صلاح الدين بأدء صوتي معبر للغاية عن هذا الرمز التاريخي الكبير».


وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
TT

وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)

يُعد «وادي العقيق» بمنطقة المدينة المنورة من أهم المناطق الجغرافية والسياحية التي تتميز بجمال التضاريس وعُرفت عنه عذوبة الماء.

واكتسب «وادي العقيق» شهرته لارتباطه بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسُمي «الوادي المبارك»، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتاني، الليلة، آتٍ من ربي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك».

ويُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه في الجزيرة العربية، لكنه يظل أشهرها. ووفق تقرير لـ«واس»، يتكون الوادي من 3 عرصات: العرصة الكبرى التي تلي مسجد الميقات، والعرصة الوسطى أمام جبال الجماوات؛ وتحديداً أمام جماء أم خالد، والعرصة الصغرى في مجمع الأسيال عند مهبط الدجال.

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته، حتى كان بعض خلفاء بني أمية يحملون الماء إلى دمشق، وسُمي في ذلك الوقت غوطة دمشق لكثرة الأشجار فيه وشدة خضرتها. وسكن على ضفاف الوادي عدد من الصحابة؛ منهم أبو هريرة وسعيد بن العاص، وماتوا به وحُملوا إلى المدينة، ومن التابعين قصر عروة بن الزبير، وقصر سكينة بنت الحسين، ومنها قصور مشيدة إلى وقتنا الحاضر.

يُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه بالجزيرة العربية (واس)

ويشهد الوادي حالياً أعمال تأهيل وتطوير، بإشراف من هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة والجهات ذات العلاقة، حيث تمتد أعمال التأهيل والتطوير إلى قرابة 15 كيلومتراً، بدءاً من منطقة ميقات ذي الحليفة جنوب المدينة المنورة، وصولاً إلى منطقة الجرف شمالاً؛ بهدف تحقيق التوازن بين البيئة العمرانية والموارد الطبيعية، وتشمل عمليات التطوير عدة مناطق على ضفاف الوادي؛ منها قصر عروة، وتقاطع طريق السلام، وميدان الجامعة الإسلامية، وصولاً إلى المناطق الزراعية بالجرف، ضمن مشاريع تحسين المشهد الحضري في أنحاء المدينة المنورة، وتشييد المشروعات التطويرية الصديقة للبيئة بما يضفي بُعداً جمالياً لطيبة الطيبة.

ويُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة؛ لما يتمتع به من موقع طبيعي مميز. ويمتد المسار بطول يقارب 1500 متر، مطلاً على وادي العقيق المعروف بـ«الوادي المبارك»، الذي ورد ذكره في السنة النبوية المطهرة؛ مما أكسبه قيمة روحية وتاريخية جعلته وجهة مفضّلة للزوار والمهتمين بالسياحتين الدينية والطبيعية.

يُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة (واس)

وينسجم تصميم المسار مع الطبيعة المحيطة، إذ جُهّز بممرات مهيأة، وجلسات مُطلة على الوادي، وأشجار ظِل ممتدة على طول المسار، إلى جانب منظومة إنارة حديثة تسهم في تعزيز السلامة وإبراز جمالية الموقع في الفترات المسائية، كما يطل على عدد من المواقع التاريخية الموثقة في محيط الوادي، من بينها آثار قصريْ سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير رضي الله عنهما، إضافةً إلى شواهد ونقوش تاريخية تُجسد عمق الإرث الحضاري الذي تزخر به المنطقة.