أميرة محمد علي... أول ألمانية من أصول عربية مسلمة ترأس برلمانيي حزب رئيسي

شابة ملتزمة دخلت «الحلبة» قبل سنوات قليلة

أميرة محمد علي... أول ألمانية من أصول عربية مسلمة ترأس برلمانيي حزب رئيسي
TT

أميرة محمد علي... أول ألمانية من أصول عربية مسلمة ترأس برلمانيي حزب رئيسي

أميرة محمد علي... أول ألمانية من أصول عربية مسلمة ترأس برلمانيي حزب رئيسي

«مرحباً، أنا أميرة محمد علي...».
كان على رئيسة كتلة حزب «دي لينكا» اليساري أن تعرّف نفسها بهذه الطريقة أمام الصحافيين فور انتخابها لترأس كتلة حزبها النيابية. ذلك أنها تعد من النواب غير المعروفين كثيراً، ولا يزيد عدد متابعيها على «تويتر» على الألفين. ثم إنه لم يمضِ أصلاً على وجودها في البوندستاغ (مجلس النواب الألماني) أكثر من سنتين، فهي انتخبت لعضوية البرلمان الفيدرالي عام 2017. وها هي بعد سنتين فقط غدت رئيسة لكتلة هذا الحزب اليساري المعارض.
رغم هذه الخلفية نجحت أميرة، تلك السياسية الشابة البالغة من العمر 39 سنة، بالفوز بثقة حزبها وصارت أول سيدة مسلمة ترأس كتلة نيابية في ألمانيا، وإن بالشراكة مع السياسي المخضرم ديتمار بارش البالغ من العمر 61 سنة. وتخلف أميرة، في منصبها القيادي الجديد، زعيمة الكتلة السابقة سارة فاغنكنيشت، ذات «الكاريزما» الكبيرة والشعبية الواسعة، التي قررت الانسحاب «لأسباب صحية»، كما قالت.
ومع أن حزب اليسار هو ثاني أصغر كتلة نيابية في البوندستاغ، بعدد نواب يبلغ 69 نائباً، فإنه من الأحزاب المعارضة المهمة. فهو إلى جانب حزب «الخضر» (67 نائبا) والحزب الديمقراطي الحر (80) يشكلون كتلة معارضة في مقابل كتلة حزب «البديل لألمانيا» (91 نائبا)، اليميني المتطرف الذي بات أكبر كتلة برلمانية معارضة.
لا تبدو أميرة محمد علي، من حيث الشكل، متحدرة من أصول عربية، فعيناها زرقاوان وبشرتها بيضاء. لكنها ابنة لأب مصري من مدينة بورسعيد، وأم ألمانية من مدينة هامبورغ. وهي مسلمة مع أنه قيل عنها في الماضي إن ديانتها مهمة لها رغم أنها لا ترتاد المساجد.
في الواقع، لم تدخل أميرة محمد علي عالم السياسة إلا خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديداً عام 2015. عندما انضمت لحزب «دي لينكا» في مدينة ألدنبرغ بولاية ساكسونيا السفلى (شمال ألمانيا) التي انتقلت إليها من هامبورغ قبل 10 سنوات. ثم إنها طوال حياتها المهنية كانت تعمل محامية لشركة سيارات، بعدما درست الحقوق في جامعتي هامبورغ وهايدلبرغ. وانتقلت من هناك إلى ألدنبرغ حيث وجدت فرصة للتدرب.
في ألدنبرغ التقت أميرة محمد علي في هذه المدينة بزوجها الذي كان ناشطاً سياسيا، ومعه بدأت اهتماماتها السياسية تزيد رغم أنها كانت تطمح لأن تصبح قاضية في يوم ما. وحتى عندما دخلت السياسة، ووصلت إلى البوندستاغ عام 2017. كانت اهتماماتها تتركز على البحث في حماية المستهلك والحيوان، وكانت المتحدثة باسم كتلتها في هذا المجال.

مبتدئة تخلف نجمة
المسيرة القصيرة تلك مع حزب «دي لينكا»، واهتمامات أميرة البعيدة عن السياسة، واسمها غير المعروف خاصة مقارنة بسلفها سارة فاغنكنيشت، جعلت منها خياراً مثيراً للتساؤلات. وقد كتبت صحيفة «فرانكفورتر ألغمانيه تسايتونغ» عنها: «النجمة (أي فاغنكنيشت) خلفتها مبتدئة غير معروفة». وأضافت أن وصول محمد علي لترؤس الكتلة البرلمانية للحزب اليساري هي «الذروة في مسيرة سياسية خاطفة».
واعتبرت الصحيفة بأن نجاح هذه المرأة يعود «بشكل أقل للكاريزما التي تتمتع بها، وبدرجة أكبر لعلاقات القوة التي تربط بين أعضاء هذه الكتلة المنقسمة على بعضها». ووصفت الصحيفة أميرة محمد علي بأنها تنتمي للجناح اليساري في الحزب، وأن مؤيدي الزعيمة السابقة فاغنكنيشت كانوا يفضلونها على منافستها التي خسرت السباق كارن لاي «لأن الأخيرة تتمتع بعلاقة قوية مع زعيمة الحزب كاتيا كيبنغ». وأضافت بأن ديتمار بارتشن، الرئيس المشترك للكتلة، لم يشأ العمل مع كارن لاي لأسباب شخصية، فأقنع أميرة محمد علي بالترشح وهو ما قبلت به. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه تشوب حزب «دي لينكا» خلافات عميقة في السنوات الماضية، بين الجناحين المتطرف الذي تمثله زعيمة الكتلة السابقة، وبين الجناح الوسطي.
من جهة ثانية، ثانية، كتبت صحيفة «سودويتشه تسايتونغ» أن فوز أميرة محمد علي على كارن لاي - التي تتمتع نسبياً بخبرة طويلة – «تسبب بالإزعاج لدى البعض»، مضيفة أن فوزها قد يكون فاجأها هي نفسها. وأضافت «بالطبع أميرة محمد علي تعرف بأنها وصلت إلى القمة ليس بسبب تاريخها بشكل أساسي، بل بسبب الصراع الداخلي في كتلة اليسار». وأشارت الصحيفة إلى أنه «حتى الآن كانت اهتمامات أميرة محمد علي تتركز على حماية المستهلك والحيوان». ولكن الصحيفة أشارت إلى أن الزعيمة الجديدة نأت بنفسها عن الخلافات الداخلية التي قسمت الحزب في السنوات الأخيرة. وكتبت «بالحكم من ظهورها الأول، حيث بدت مسترخية وواثقة، فإن أي شخص يقول إنها ستكون دمية للزعيم المشترك بارتش، قد يكون مخطئا».

أول مسلمة ترأس حزباً
مهما كانت الأسباب التي أدت إلى انتخابها، فإن أميرة محمد علي باتت أول مسلمة ترأس كتلة نيابية في البرلمان الألماني الفيدرالي، وهو ما يحمل أهمية كبيرة في برلمان كتلة اليمين المتطرف هي أكبر كتلة معارضة والكثير من أعضائه يُتهمون بأنهم يحملون أفكارا نازية.
ثم إن وصولها لهذا المنصب، وإن على رأس كتلة يسارية متطرفة، يشير إلى تغيّرات بدأت تشهدها السياسية الألمانية في الآونة الأخيرة. فرغم ارتفاع أعداد الألمان من أصول مهاجرة، فإن تمثيلهم في الأحزاب السياسية، خاصة الوسطية، ما زال ضعيفاً.
وحسب مكتب الإحصاء الاتحادي، فإن ربع سكان ألمانيا اليوم باتوا من أصول مهاجرة، وقد وصلت أعداد هذا العام إلى مستوى قياسي إذ بلغ عددهم ما يقارب الـ21 مليون نسمة، أي ما يعادل 26 في المائة تقريباً من نسبة السكان الإجمالية.
غوكاي أكبولوت، زميلة أميرة في كتلة «دي لينكا» البرلمانية، وهي أيضا مسلمة لأبوين تركيين، قالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن كون أميرة سيدة مسلمة «يحمل قيمة رمزية». وأردفت «في النهاية مسؤوليتنا السياسية أن نملأ أدوار الريادة بطريقة تعكس مجتمعنا. وتمثيل الناخبين بمختلف دياناتهم أمر مهم، لأن مجتمعنا المتعدد يظهر في خيارات الناخبين، وما حصل خطوة مهمة جداً».
من جهة أخرى، يرى مصطفى عمار، عضو مجلس الأمناء في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (يمين الوسط) الحاكم، الذي يطمح لدخول البوندستاغ بعد الترشح للانتخابات النيابية العام المقبل، أن «هناك تغيرات على الساحة السياسية الألمانية. ومع تصاعد اليمين المتطرف باتت هناك حاجة وضرورة لوجود وجوه جديدة، ليس فقط من الألمان الأصليين، ولكن أيضا من أصول مهاجرة». وأشار عمار إلى انتخاب مدينة هانوفر (بشمال ألمانيا) لأول عمدة مسلم هو بيليت أوناي، من أصول تركية وينتمي لحزب «الخضر». وللعلم، مع أن المهاجرين من أصول تركية ممثلون في حزب «الخضر» بشكل أساسي، ودخلوا البرلمان إلا أن أولئك من أصول عربية قلائل. وفي حال فاز عمار بمقعد نيابي، فسيكون أول ألماني من أصول عربية ووصل البلاد لاجئاً، يدخل البوندستاغ.

بين الديانة واليسار
في الحقيقة، لم تلعب ديانة أميرة محمد علي دوراً يُذكر في اختيارها زعيمة جديدة للكتلة، بحسب ما أكد زملاؤها لـ«الشرق الأوسط». وقالت أكبولوت إن كون أميرة مسلمة أمر «جيد، ولكن الأهم بالنسبة إلينا ككتلة نيابية، هو أن تمثل (أميرة) عمل المجموعة بشكل جيد وتدافع عن مبادئنا اليسارية التي تقودنا». ورأت أكبولوت أن الكتلة اليسارية «بحاجة إلى رئاسة قوية، خاصة، أن المجتمع يجنح نحو اليمين»، مضيفة أن «ثنائية أميرة محمد علي التي كانت حتى الآن عضواً في البرلمان غير معروف، وديتمار بارتش النائب المخضرم، تتمتع باحتمالات نجاح كبيرة وهذا ما نحتاجه الآن».
وأكدت ذلك أيضاً النائب إيلا يلبكه، إذ قالت إن الكتلة انتخبت أميرة محمد علي «لأسباب داخلية»، وإن مسيرتها لم تكن لها علاقة بديانتها. وتابعت بأن محمد علي كما هو واضح «أنها لا تتمتع بخبرة سالفتها سارة فاغنكنيشت ولكن لا أحد يولد لهذا المنصب، وستكبر فيه».

عائلة واهتمامات سياسية
ولكن أن تكون خبرة أميرة محمد علي محدودة في السياسة، فهذا لا يعني أن اهتمامها به جاء متأخرا. فهي ولدت في كنف عائلة سياسية بامتياز، ووالدها كان ينتمي منذ صغرها للحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) المشارك في الحكومة الائتلافية اليوم.
ولكن لم تكن عائلة أميرة غنية، وهو ما أجبرها على العمل من سن صغيرة. وهي تقول إنها حصلت على وظيفتها الأولى وهي لا تزال في سن الـ16 من العمر عندما كانت طالبة في المدرسة لأن «ذلك كان ضروريا لأسباب مادية». وتوضح أنها عملت كبائعة ونادلة في مهرجانات شعبية.
تصف أميرة محمد علي نفسها بأنها «معادية للرأسمالية» وترى بأن هناك حاجة «للمزيد من التوجيه نحو الاهتمامات المشتركة». وتذكر على صفحتها الرسمية أن اهتمامها الأساسي في السياسة يتعلق «بكرامة الإنسان»، التي هي مرتبطة بالنسبة إليها بشكل مباشر «بدولة رفاهية أو خدماتية قوية، مكان عمل جيد وآمن للعمال، تعليم كامل ومجاني للجميع وموقف واضح من العنصرية». وتضيف أن حقوق الحيوانات والمستهلك أساسية بالنسبة إليها كذلك.
وعن السياسة الخارجية تقول إنها تؤمن بمبدأ «سياسة خارجية مسالمة بشكل مستمر»، وهو ما يفسر تصويتها في البرلمان رفضا لتمديد مهمة القوات الألمانية المشاركة في لبنان وكوسوفو ضمن قوات «اليونيفيل» الأممية، أخيراً. أيضاً صوّتت ضد تمديد مهمة القوات الألمانية المشاركة في العمليات ضد «داعش»… مع أن القوات الألمانية لا تلعب أي دور قتالي في أي من الدول المنتشرة بها لأسباب تتعلق بتاريخ ألمانيا، ومعظم مساهماتها هي تدريبية أو حفظ سلام أو تأمين معدات وتنفيذ طلعات جوية.
واللافت هنا، أن حزب «دي لينكا» اليساري المتطرف يلتقي مع حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف في التصويت على رفض أي دور خارجي للجيش الألماني... حتى وإن ضمن عمليات حفظ سلام.

محاربة العنصرية
تعتبر أميرة محمد علي أن واحدة من أهم مهامها في البرلمان محاربة العنصرية، خاصة تلك الآتية من نواب في حزب «البديل لألمانيا». وبعد انتخابها رئيسة الكتلة النيابية، شاركت على صفحتها على «تويتر» رابطاً لمقال من موقع مجلة «دير شبيغل» حول عزل شتيفان براندنر، النائب «البديل لألمانيا» من رئاسة اللجنة القانونية في البرلمان، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك. وكتبت فوق رابط المقال تقول «أنا فخورة أننا صوّتنا لصالح عزل براندنر من رئاسة لجنة الشؤون القانونية. هذا القرار الصحيح وإن جاء متأخراً! لا مكان للعنصرية واليمين المتطرف!». وكان براندنر أثار جدلاً كبيراً بعدما شارك تعليقا على «تويتر» يهزأ من «السياسيين الذين يستلقون أمام دور عبادة اليهود» بعد الاعتداء على الكنيس في مدينة هاله، في إشارة إلى السياسيين المتضامنين مع اليهود بعد الاعتداء.
وفي الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني)، في ذكرى ضحايا جماعة إرهابية يمينية متطرفة، عندما نفذت عمليات قتل بين العامين 2000 و2006 استهدفت أشخاصا من أصول مهاجرة، كتبت أميرة على «تويتر»: «ثماني سنوات مرت على القبض على أعضاء (الجماعة اليمينية المتطرفة). اعتداء هاله ومقتل لوبكه يظهران كم هو خطير اليمين المتطرف. والأهم كم هم أساسي أن ندافع عن أنفسنا منه». ولوبكه هو سياسي ديمقراطي مسيحي من ولاية هيسه قتل برصاصة في رأسه في حديقة منزله، على يد يميني متطرف، بسبب تعاطفه مع اللاجئين. وقد تسبب مقتله بصدمة في ألمانيا وجرى على إثر الجريمة اتخاذ إجراءات لتشديد العقوبات ضد من يروج لأفكار اليمين المتطرف ومراقبة المتطرفين.
أخيراً، الشعار الذي ترفعه أميرة محمد علي على صفحتها على «فيسبوك» هو «صخب في الغابة» وهو اسم أشهر مباراة ملاكمة في التاريخ حصلت بين البطلين محمد علي كلاي وجورج فورمان، فاز فيها محمد علي بالضربة القاضية. فهل تكون تلك إشارة إلى أسلوب محمد علي في رئاسة كتلتها؟



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟