بعد المباراة رقم 1000 للمنتخب الإنجليزي... قصة أول مواجهة دولية كاملة

أقيمت عام 1872 بين أسكوتلندا وإنجلترا وكتبت عنها «الغارديان» تقريراً من 124 كلمة فقط

مشاهد مرسومة من أول مباراة دولية لمنتخب إنجلترا  -  تذكرة أول مباراة دولية... كانت بشلن للرجال ومجاناً للنساء
مشاهد مرسومة من أول مباراة دولية لمنتخب إنجلترا - تذكرة أول مباراة دولية... كانت بشلن للرجال ومجاناً للنساء
TT

بعد المباراة رقم 1000 للمنتخب الإنجليزي... قصة أول مواجهة دولية كاملة

مشاهد مرسومة من أول مباراة دولية لمنتخب إنجلترا  -  تذكرة أول مباراة دولية... كانت بشلن للرجال ومجاناً للنساء
مشاهد مرسومة من أول مباراة دولية لمنتخب إنجلترا - تذكرة أول مباراة دولية... كانت بشلن للرجال ومجاناً للنساء

كتبت صحيفة «ذا سكوتسمان» الاسكوتلندية في عام 1872، في تغطيتها لأول مباراة دولية بين منتخب إنجلترا واسكوتلندا: «قوانين لعبة كرة القدم بسيطة للغاية، حيث يشارك فيها 12 لاعباً، مقابل نحو 40 لاعباً في لعبة الرغبي. وتتمثل أحد الاختلافات الرئيسية في الحظر الكامل لاستخدام الأيدي في اللعب، باستثناء حارس المرمى، لحماية مرمى فريقه، وهو ما يجعل المهارة والمراوغات إحدى أهم وأفضل نقاط القوة في هذه اللعبة. ويتم احتساب الهدف عندما تتجاوز الكرة خط المرمى، ولا يُسمح بحمل الكرة أو إلقاؤها باليد. وتعد العرقلة أو المسك بالخصم من الخلف من الأشياء المحظورة. هذه بعض الاختلافات في طريقتي اللعب بين كرة القدم والرغبي، وسيُعترف بسهولة بأن كرة القدم ستجذب اللاعبين الذين يخشون التدخلات العنيفة في لعبة الرغبي».

وتقول السطور السابقة الكثير عن الحالة التي كانت عليها كرة القدم في اسكوتلندا في السبعينات من القرن التاسع عشر، وهو الأمر الذي جعل أكبر صحيفة يومية في اسكوتلندا تنضم إلى كثير من الصحف والمجلات التي شعرت بالحاجة إلى شرح قواعد اللعبة في تقريرها عما بات ينظر إليه حالياً على أنه أول مباراة دولية كاملة. وبعدما لعب المنتخب الإنجليزي المباراة رقم 1000 في تاريخه، التي سحق فيها منتخب الجبل الأسود بسباعية نظيفة وحجز مقعده في نهائيات كأس الأمم الأوروبية، فقد تغيرت معظم القواعد المنظمة للعبة منذ ذلك اليوم في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1872 عندما لعبت إنجلترا أمام اسكوتلندا على ملعب الكريكيت بغرب اسكوتلندا في غلاسكو.
وفي ذلك الوقت، لم يكن الاتحاد الاسكوتلندي لكرة القدم قد تشكل بعد، حيث تم تأسيسه بعد ذلك بأربعة أشهر، لذا - وكما قالت صحيفة «ذا سكوتسمان» آنذاك - فإن «مهمة اختيار منتخب اسكوتلندا ستكون مهمة سهلة، نظراً لأنه لا يوجد سوى نحو 10 أندية فقط تمارس هذه اللعبة في اسكوتلندا». وبالتالي، شكل لاعبو نادي كوينز بارك معظم لاعبي منتخب اسكوتلندا، مع انضمام لاعبين اثنين فقط من فريق أصغر في غلاسكو يحمل اسم «غرانفيل»، ولاعبين آخرين قادمين من ساوث نوروود شمالاً. وكان نادي «غلاسكو رينجرز» قد تم تأسيسه في وقت سابق من ذلك العام، لكن لم يكن نادي سيلتك قد تم تأسيسه بعد، والأمر ذاته ينطبق على ناديي «هارتس» و«هيبس»، كما لعب نادي أبردين أول مباراة له بعد ذلك بثلاثة عقود كاملة.
وقد ساهمت الإثارة التي شهدتها هذه المباريات الدولية في زيادة شعبية اللعبة. وقد جذبت المباراة الأولى ما وصفته صحيفة «ذا سكوتسمان» بـ«أكبر تجمُّع شوهد في أي مباراة لكرة القدم في اسكوتلندا». وقدرت الصحيفة عدد الجمهور الذي حضر لمشاهدة هذه المباراة بـ4000 متفرج «بما في ذلك عدد كبير من السيدات» (كانت تكلفة دخول الشخص هي شلن، لكن دخول النساء كان مجانياً). ولم تكن هناك أرقام رسمية للحضور، لكن صحيفة «غرينوك تليغراف» قدرت أعداد الحاضرين بـ2500 شخص، بينما قالت صحيفة «ذا فيلد» إن «حشداً من المتفرجين يزيد بكثير من أي شيء نشاهده في العادة قد حضر المباراة، كما بدأت الأعداد تزداد تدريجياً إلى أن وصلت إلى أكثر من خمسة آلاف متفرج». لكن التذاكر التي كانت تُقطع عند البوابة تشير إلى أن أقل تقدير كان هو الأقرب إلى الحقيقة.
ولم يكن الاهتمام باللعبة عالمياً كما هو الحال الآن. ولعل الشيء الذي يعكس حالة كرة القدم في إنجلترا في السبعينات من القرن التاسع عشر يتمثل في أن التقرير الذي كتبته صحيفة «الغارديان» عن المباراة كان مكوناً من 124 كلمة. وبعدما تحدثت الصحيفة عن تشكيلة الفريقين، جاءت تغطيتها للمباراة على النحو التالي: «كانت المباراة، التي استمرت لمدة ساعة ونصف، قوية وتتسم بالندية الشديدة، وعندما انتهى وقت المباراة، أعلن حكم اللقاء عن نهايتها بالتعادل بين الفريقين». ونشرت الصحيفة نفسها تقريراً أطول بكثير عن معرض برمنغهام للماشية («المعرض السنوي الرابع والعشرون للماشية والأغنام والخنازير والجذور والذرة والأدوات»). أما صحيفة التايمز فخصصت معظم صفحاتها للحديث عن الماشية، وتجاهلت مباراة كرة القدم بين إنجلترا واسكوتلندا تماماً.
ولعل أكثر شيء مثير للانتباه فيما يتعلق بأول مباراة دولية على الإطلاق أن هذه المباراة لم تكن الأولى، لكنها كانت «السادسة» في حقيقة الأمر، حيث سبقتها خمس مباريات أُقيمَت جميعاً على ملعب «كينينغتون أوفال» للكريكيت في العاصمة البريطانية لندن.
ورغم أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم قد حاول إغراء أفضل اللاعبين من اسكوتلندا، كتب تشارلز ألكوك، السكرتير الفخري للاتحاد وقائد المنتخب الإنجليزي في هذه المباريات المبكرة، سلسلةً من الرسائل إلى الصحف الاسكوتلندية يدعو فيها «أي لاعب اسكوتلندي يرغب في التنافس»، فإن الأشخاص الذين انتهى بهم الأمر بتمثيل المنتخب الاسكوتلندي كانوا يقيمون إلى حد كبير في لندن. وضم الجانب الاسكوتلندي في هذه المباريات، التي لعبت في شهر مارس (آذار) من عام 1870 عضوين برلمانيين، يمثل كل منهما دوائر انتخابية إنجليزية. وانتقدت صحيفة «ذا سكوتسمان» افتراض أن «عدداً قليلاً من الرجال في لندن هم من يرغبون في تمثيل اسكوتلندا».
وبعد المباراة الثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1870، نُشر خطاب في صحيفة «ذا سكوتسمان» يدعو الأندية الاسكوتلندية للبدء في توفير الاختيارات المناسبة للمنتخب الاسكوتلندي، قائلاً: «لا يمكننا أن نغمض أعيننا عن حقيقة أن المباراة كانت في أحسن الأحوال بين أحد عشر لاعباً تم انتقاؤهم من كل أندية إنجلترا، وأفضل 11 لاعباً اسكوتلندياً صادف أنهم يقيمون في المدينة». ورد ألكوك قائلاً إن «الحق في اللعب متاح لكل اسكوتلندي»، وإنه إذا لم يكن ذلك كافياً «فالخطأ يقع على اللاعبين المقيمين في الشمال».
وبغضّ النظر عن المسؤول عن ذلك، فإن عدم توافر عدد كبير من اللاعبين الاسكوتلنديين الحقيقيين قد ألقى بظلاله على هذه المباريات، وأدى إلى تدوين هذه المباريات بأثر رجعي على أنها مباريات ودية.
وفي وقت لاحق، وصفت صحيفة «ذا سكوتسمان» هذه المباريات بأنها «المشاركة إلى حد ما في منافسات ذات طابع دولي».
وفي مارس (آذار) عام 1872، سافر فريق كوينز بارك إلى لندن لخوض مباراة نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ضد نادي واندررز، وهي المباراة التي أثبتت أنه يمكن اختيار عدد من اللاعبين الدوليين المناسبين في كلا الجانبين، وحظيت هذه المباراة باهتمام إعلامي كبير (رغم أن الفريق الاسكوتلندي، الذي تعادل في تلك المباراة من دون أهداف، لم يتمكن من البقاء في لندن لخوض مباراة الإعادة وانسحب من المنافسة).
وتخلف اثنان من لاعبي الفريق الاسكوتلندي عن السفر بعد نهاية تلك المباراة لإجراء مناقشات حول إمكانية إقامة مباراة محتملة في غلاسكو، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1872، قرر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم رسمياً إلغاء المباريات التي كانت تُقام كل ستة أشهر في لندن على أن تقيم بدلاً من ذلك مباريات كل عام في أماكن يتم اختيارها بالتناوب، على أن تستضيف اسكوتلندا المباراة الأولى.
وانتهت المباراة نفسها بالتعادل السلبي، على الرغم من الإشادة على نطاق واسع بمستوى المباراة. وقالت صحيفة «أبيردين بريس آند جورنال»: «لقد كانت هذه هي أفضل مباراة أُقيمت على الإطلاق في اسكوتلندا». وكانت اسكوتلندا هي الأكثر خطورة في الشوط الأول، في حين سنحت بعض الفرص للمنتخب الإنجليزي في الشوط الثاني، لكن المباراة انتهت بالتعادل السلبي، وكان المنتخب الاسكوتلندي الأقرب للتسجيل عندما سدد روبرت ليكي كرة قوية فوق الشريط (لم تكن العارضة موجودة آنذاك)، في ظل هتافات صاخبة من الجمهور الاسكتلندي الذي اعتقد أن الكرة احتُسِبت هدفاً (لم تكن الشباك تُستخدم في ذلك الوقت).
وسيطر المنتخب الإنجليزي على مجريات الشوط الثاني، وسدد كل من تشارلز تشينيري وأرنولد كيرك سميث العارضة. وأذهل قائد المنتخب الإنجليزي، كوثبيرت أوتاواي، المشجعين بعدد من المراوغات الرائعة، ويبدو أنه لم يهتم أحد بانتهاء المباراة من دون أهداف.
وكتبت صحيفة «ذا فيلد» تقول: «لقد قوبلت النتيجة بترحيب حار من قبل المتفرجين، الذين ظلوا يشجعون اللاعبين حتى الرمق الآخر من المباراة. لقد نجحت هذه المباراة نجاحاً ساحقاً بكل ما تحمله الكلمى من معنى، حيث كانت مليئة بالحيوية والمتعة بشكل أكبر مما كنا نتخيله».
والآن، وصل عدد المباريات الدولية بين إنجلترا واسكوتلندا إلى 114 مباراة، لم يكن من بينها سوى مباراتين فقط انتهتا بالتعادل من دون أهداف، وكانت المباراة التالية التي انتهت بالتعادل السلبي بين المنتخبين في عام 1970. وسرعان ما انتشرت فكرة إقامة المباريات الدولية - في غضون ست سنوات، وجذبت المباريات 15 ألف شخص إلى ملعب «هامبدن بارك»، وبحلول منتصف التسعينات من القرن التاسع عشر وصل عدد الجمهور إلى 57 ألف متفرج في باركهيد. ومنذ ذلك الحين، شارك ما مجموعه 1.244 شخصاً - أو ما يقرب من 50 في المائة تقريباً من الجمهور الذي حضر لمشاهدة المباراة الأولى بين المنتخبين - مع منتخب إنجلترا.


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: حارس الرأس الأخضر «المخضرم» يفوز بجائزة رجل مباراة إسبانيا

رياضة عالمية فوزينيا حارس مرمى الرأس الأخضر الأفضل بمواجهة إسبانيا (د.ب.أ)

«مونديال 2026»: حارس الرأس الأخضر «المخضرم» يفوز بجائزة رجل مباراة إسبانيا

خطف فوزينيا حارس مرمى الرأس الأخضر الأضواء من الجميع بتألقه في مباراة منتخب بلاده ضد إسبانيا التي انتهت بالتعادل السلبي.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا (أ.ف.ب)

دي لا فيونتي: الكرة رفضت دخول مرمى الرأس الأخضر!

برر لويس دي لا فوينتي، مدرب منتخب إسبانيا، التعادل مع الرأس الأخضر في المجموعة الثامنة لكأس العالم 2026 لكرة القدم بسبب افتقار لاعبيه للتركيز في إنهاء الهجمات.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا )
رياضة عالمية كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال (إ.ب.أ)

«مونديال 2026»: رونالدو يثير انقساماً حول أهميته لمنتخب البرتغال

لم يتوقع أحد التشكيك في أهمية كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال للفريق قبل انطلاقة بطولة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (بالم بيتش غاردنز)
رياضة عالمية «مونديال 2026»: إسبانيا تتعثر بتعادل مفاجئ أمام الرأس الأخضر

«مونديال 2026»: إسبانيا تتعثر بتعادل مفاجئ أمام الرأس الأخضر

استهل المنتخب الإسباني أحد أبرز المرشحين للقب قبل البطولة، مشواره بتعادل سلبي مخيّب أمام الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا )
رياضة عربية محمد صلاح يقود الفراعنة في مواجهة بلجيكا (رويترز)

«مونديال 2026»: صلاح يقود تشكيل مصر في مواجهة بلجيكا

أعلن المنتخب المصري عن تشكيل الفريق لمواجهة بلجيكا، الاثنين، في الجولة الأولى بالمجموعة السابعة بكأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (سياتل)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.

 

عاجل تحطم قاذفة «بي 52 ستراتوفورتريس» أميركية بعد وقت قصير من إقلاعها من قاعدة «إدواردز» (رويترز)