سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع

سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع
TT

سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع

سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع

صدر عن «دار ومكتبة أوراق» في بغداد كتاب جديد يحمل عنوان «داخل الرؤية وخارجها... اللقطة السينمائية» للناقد والمخرج السينمائي حسين السلمان، وهو كتاب تنظيري يدرس اللقطة، ويحللها بطريقة نقدية تستند إلى أسس علمية رصينة. يدعو المؤلف في مقدمته المُقتضبة القارئ لأن يلِج في التجربة، ويتفرّج عليها، ولا يكتفي بمراقبتها من الخارج.
يَذْكر حسين السلمان أنّ العمر الحقيقي والافتراضي لأول لقطة سينمائية امتدّ إلى 53 ثانية، علماً بأنّ اللقطة الصامتة كانت تعبيرية وبصرية قبل دخول العنصر الصوتي الذي يُعدِّهُ البعض نهاية الإبداع السينمائي. ثم يتوقف عند «اللقطة القريبة» المحمّلة بالمشاعر، لأنها قادرة على أن تستبطن ما هو غامض ومستتر في النفس البشرية، كما أنها تدعم المحتوى الدرامي الذي تنطوي عليه بعد أن تحولت من النسق الوصفي إلى النسق التعبيري الذي يغذّي الحدث، ويمدّه بأسباب الحياة.
على الرغم من أنّ الكتاب يضم 45 مبحثاً، إلاّ أنه يتمحور عملياً على تسعة فصول تبدأ باللقطة في الصمت، وتمرّ باللقطة في الكلام، والزمن، والزاوية، والحوار، وعمق الميدان، والإيقاع، وداخل القطع، وتنتهي باللقطة الطويلة.
راجت الأفلام الصامتة بين عامي 1895 - 1929، لكنها عادت إلى الظهور عام 1952 بفيلم «اللص» لراسل روز، وتبعتُه أفلام صامتة أخرى قبل ظهور فيلم «الفنان» 2012 الذي يمثّل عودة قوية للسينما الصامتة.
يتوقف المؤلف عند «كابريا» 1914، وهو أول فيلم روائي طويل صامت للمخرج الإيطالي جيوفاني باستروني، مدته 148 دقيقة، وفيلم «لا تلمسني» 1971 للمخرج الفرنسي جاك ريفيت، الذي تبلغ مدته 12 ساعة و9 دقائق، وفيلم «هيرمايس» 2006 للمخرج الفليبيني لاف بياز وطوله 9 ساعات. يتضمن هذا الفصل شرحاً وافياً للآراء التي تُعارض المونتاج، وترى فيه تضليلاً للمتلقي، وتزييفاً للواقع، تماماً كما رأت المدرستان الفرنسية والإيطالية اللتان تؤيدان المذهب الواقعي الذي يُعنى بالموضوع، ويراه أهمّ من الصورة، كما يؤكد على دور المخرج والممثل.
يُعرّج السلمان على المدرستين التعبيرية والسُريالية، ويسلّط الضوء على فيلم «كابينة الدكتور كاليغاري» 1919 للمخرج روبرت وِين كأول فيلم ألماني صامت استعملت فيه ديكورات حادة تُعبِّر عن حالة الرعب والجريمة. وقد تأثر هيتشكوك بالتعبيرية الألمانية في أفلامه الصامتة الأولى. كما يُركِّز المؤلف في حديثه على المخرج الفرنسي لويس بونويل، بوصفه مؤسساً للسينما السُريالية، ويتوقف عند فيلميه المعروفين «كلب أندلسي» 1929، و«العصر الذهبي» 1930 الذي هجا فيه الكنيسة الكاثوليكية، والفاشية، والثقافة البرجوازية.
يتوسّع المؤلف في شروحاته المستفيضة، ففي موضوع «اللقطة في الكلام»، يستعير من بيكاسو مقولة شهيرة مفادها «أتقن القواعد كمحترف حتى تتمكن من كسرها كفنان»، قبل أن يأخذنا إلى اللقطة التي تمتدّ في الوعي الإنساني وتشاطره اللاوعي. يؤكد المؤلف أنّ الأفكار مثل الأسماك، ويمكنك أن تجد سمكة صغيرة في المياه الضحلة، لكن إذا أردت سمكة كبيرة فعليك أن تذهب إلى المياه العميقة، وهذا الأمر ينسحب على الأفكار الصغيرة والكبيرة. يتوقف المؤلف عند مخ المتلقي الذي يقوم باستطلاع ما هو موجود داخل اللقطة، ثم يبدأ بتحليل العناصر الداخلة في تكوينها مثل حجم اللقطة، والزاوية، وحركة الكاميرا، والممثل، والحوار، والديكور وما إلى ذلك. يتوصل السلمان إلى مقاربات دقيقة يقارن فيها بين اللقطة والحكاية القصيرة جداً، كما يتوقف عند «السينما الخالصة» التي تقترب كثيراً من «سينما المؤلف» وتحاذيها، وهي تقرّ بأن اللقطة أهم من الشخصية، وأنها تبتعد عن الحوار، وتلغيه في بعض الأفلام، وتتعامل مع الصورة فقط، وتفضّل ألا يرافقها شيء سوى الموسيقى. وفي السياق ذاته يعرّج على مدرسة «الموجة الجديدة» ويوضِّح خصائصها وأهم مخرجيها مثل فرنسوا تروفو، صاحب «400 ضربة»، وغودار، وجاك ريفيت، الذين ثاروا ضدّ الأساليب التقليدية، واندفعوا باتجاه الحياة العامة للناس، ورفضوا التكلّف، ووقفوا ضد المونتاج، والصناعة الميلودرامية في العمل السينمائي.
يُبيّن السلمان أنّ اللقطة هي أساس الفيلم، أما الصورة فهي عنصر من عناصر اللقطة مثل الإطار والشكل والإضاءة. ونظراً لخصوصية «اللقطة في الزمن» يستعين المؤلف بإيزنشتاين الذي يقول «إن كل لقطة تعمل كلُعبة من ألعاب السيرك»، وعلى المتلقي أن يُدرك كل لعبة على حدة، وهذه المعرفة الإدراكية لكل لقطة تمرّ بثلاث مراحل، وهي: «التعرّف والتحليل والاستيعاب»، وهذا ما توصل إليه الباحث من خلال مناقشة طلابه الذين بدأوا يعرفون اللقطات، ويميزون بين اللقطة الواقعية، والتعبيرية، والتجريدية، والتجريبية. يكتظ هذا الفصل بالاقتباسات المعّبرة، لكننا سنكتفي برأي تاركوفسكي الذي يقول بأنّ «الزمن شرط لوجود الأنا لدى الإنسان»، ويشبّه صانع الفيلم بالنحّات الماهر الذي يُزيل الزوائد من كتلة الرخام الصمّاء، ويجعل منها منحوتة نابضة بالحياة.
يُنبهنا المؤلف في فصل «الحركة في اللقطة» بأنّ اللقطة تحتوي على فضاء ديناميكي يأخذ شكل بُعدين حركي وتعاقبي، وأنّ الحركة هي التي جعلت السينما تنفرد عن بقية الفنون الأخرى. أما في فصل «اللقطة في الزاوية» الذي يميل فيه إلى الاختصار فيقول: «إن الزاوية هي المكان الذي يقرّر فيه المخرج وجود الكاميرا». ثم يوضح أنواع الزوايا مثل «الزاوية الرأسية، والأفقية، وزاوية الكاميرا المنحرفة».
يعيدنا السلمان إلى أهمية الحوار من عدمه في فصل «اللقطة في الحوار»، مستعيناً برأي باستر كيتون، الذي يقول «إن الصمت من شِيم الآلهة، وحدها القردة هي منْ تثرثر». ويورد تعاريف كثيرة للحوار من بينها تعريف ابن الإعرابي الذي يحدد ماهية الحوار بـ«التقريب من البُغية، ودلالة قليل على كثير»، كما يسرد لنا أربعة أنواع من الحوار، وهي «الذاتي، والموضوعي، والبؤري، والمحيطي». ويرى تروبي أن سمة الحوار مثل السمفونية التي تعتمد على ثلاثة أركان، وهي اللحن، والهارموني، والفكرة المهيمنة، التي تتكرر على مدار السمفونية، لا أن تكون لحناً موسيقياً يعزف نسقاً واحداً. فيما ترى سارة كوزلوف أنّ «السينما هي فن الشعوب لا النخب».
يختصر لنا المؤلف ببراعة مفهوم «اللقطة في عمق الميدان» بسبع نقاط تبدأ بزاوية التصوير، وتنتهي بحركة الممثل، بعد أن تمرّ ببناء المقدمة والخلفية، وتداخل الأشكال والخطوط داخل اللقطة الواحدة.
يرى السلمان أن الإيقاع هو صفة مشتركة بين الفنون جميعها، لكنها تبدو واضحة في الموسيقى، والشعر، والنثر الفني، والرقص من دون أن نهمل الفنون المرئية، ولكي يحقق الشاعر أو الفنان هذا الإيقاع عليه أن يتبّع أحد الطرق الثلاث، وهي «التكرار أو التعاقب أو الترابط».
يعترف المؤلف بأن الحركة هي الحقيقة الجمالية الأولى في الصورة السينمائية، لكننا نستطيع تقطيعها وتقديمها كلقطة جديدة قائمة بذاتها. ويواصل الباحث حديثه عن عناصر المونتاج الأربعة عند كريستين تومسن، وهي العنصر المكاني والزماني والإيقاعي والبصري.
يختم حسين السلمان كتابه باللقطة الطويلة، ويشير إلى أنّ هيتشكوك هو أول من فكّر باللقطة الواحدة، وأنجز فيلم «الحبل» وأدخل عليه عنصراً جديداً، وهو القطع داخل اللقطة، ويستشهد بأمثلة كثيرة لأفلام اللقطة الطويلة الواحدة مثل «مكبث» للمجري بيلا تار، و«اللاعب» لروبرت التمان، و«السفينة» لألكسندر سوكوروف.
عوداً على بدء، يبحث هذا الكتاب عن الأهمية البصرية للسينما التي تبدأ باللقطة الخاطفة، وتنتهي باللقطة المشهدية، وسيجد القارئ بينهما مساحة كبيرة من التأمل والتطبيقات النظرية المُعمقة.



جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».


«قرآن المغرب»... طقس رمضاني يحتفي بالتلاوات النادرة لكبار القراء المصريين

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
TT

«قرآن المغرب»... طقس رمضاني يحتفي بالتلاوات النادرة لكبار القراء المصريين

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

إنها الـ45 دقيقة الأخيرة قبل أذان مغرب رمضان في مصر، ففي حين يجهز الملايين موائد إفطارهم لسد جوعهم، تبحث ملايين أخرى في التوقيت نفسه عن «غذاء الروح»، ممثلاً في آيات الذكر الحكيم أو ما يعرف بـ«قرآن المغرب»، تلك التلاوة القرآنية التي تبثها إذاعة القرآن الكريم المصرية يومياً، خلال أيام شهر رمضان، إعلاناً عن اقتراب موعد الإفطار.

وعلى مدار عقود طويلة، تحول «قرآن المغرب» من مجرد فقرة إذاعية إلى طقس روحاني وتقليد رمضاني، يرتبط بوجدان المصريين، فأصوات كبار القراء تنساب في وقت واحد من أجهزة الراديو في كل بيت، ومقهى، ومتجر، ووسيلة مواصلات، كما أن جلّ المساجد في مختلف المحافظات تقوم بتشغيل تلك التلاوة عبر مكبرات الصوت.

ويزيد من الارتباط بذلك الطقس الروحاني، أنه يُسمع من خلاله مشاهير القراء من دولة التلاوة المصرية، لا سيما الرعيل الأول منهم، الذين ارتبطت جموع المسلمين بحناجرهم، أمثال محمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود خليل الحصري، ومحمود علي البنا، ومصطفى إسماعيل وغيرهم، إلى جانب أنه يتم اختيار التلاوات النادرة من تراث الإذاعة المصرية خصيصاً لـ«قرآن المغرب»، ما يزيد من متابعتها والإنصات إليها.

مصريون يتلون القرآن الكريم في رحاب الجامع الأزهر (الأزهر)

ووفقاً لتصريحات صحافية لرئيس إذاعة القرآن الكريم المصرية، إسماعيل دويدار، فإنه للمرة الأولى هذا العام، تتم إذاعة تسجيلات نادرة جداً لكبار القراء، مضيفاً أن «هذه الكنوز حصلنا عليها بعد جهد كبير من أسر القراء والمحبين، وقمنا بترميمها تقنياً لتليق بآذان المستمعين».

واعتادت إذاعة القرآن الكريم خلال السنوات الماضية أن تعلن عن جدول القراء طوال شهر رمضان، وهو ما يجد تفاعلاً كبيراً بين المستمعين، حيث يبحث مُحبو كل قارئ عن يومه المحدد، منتظرين أن يُحلّق صوته بهم إلى عنان السماء، كما يطالب آخرون بإدراج أصواتهم المفضلة في الأعوام المقبلة وعدم تغافلها، ما يعكس مكانة «قرآن المغرب» في نفوس المصريين.

كما أن تلك التلاوات يتم تداولها بشكل كبير بين رواد منصات التواصل الاجتماعي في الأيام التالية لبثها، كدلالة أخرى على تمسك أجيال المصريين بتقليدهم الرمضاني الذي ترسخ عبر الإذاعة المصرية، رغم انتشار التطبيقات الحديثة للقرآن الكريم.

طقس سنوي

وعن ارتباط الكثير من المصريين بـ«قرآن المغرب»، يقول رئيس إذاعة القرآن الكريم السابق، رضا عبد السلام، لـ«الشرق الأوسط»: «الشعب المصري لديه ارتباط وجداني بأصوات قراء القرآن، فهي في ذاكرتهم السمعية ليست مجرد أصوات تلاوة، بل هي انعكاس حي للروح المصرية، خصوصاً أن الله حبا مصر بمدرسة تلاوة متفردة لا مثيل لها، فأسماء مثل رفعت وعبد الباسط والمنشاوي، صاغوا وجدان المصريين، ولا تزال أصواتهم خالدة، وبالتالي تلاوات المغرب تُعيد إلى الأذهان أصوات كبار القراء الذين ارتبطت أصواتهم بذاكرة رمضان لعقود طويلة».

إذاعة القرآن الكريم تواظب على بث «قرآن المغرب» منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)

ويبيّن أن «قرآن المغرب» يعد بمنزلة «عرس سنوي للقرآن»، لذا عملية اختيار قرائه تخضع لخطة، حيث يتم اعتماد خريطة تلاوات تضم 33 قارئاً من عمالقة دولة التلاوة المصرية، يتم توزيعهم على مدار 33 يوماً، تبدأ من غرة شهر رمضان المبارك، وتمتد حتى نهاية اليوم الثالث من عيد الفطر.

ويوضح قائلاً: «عندما كنت رئيساً لإذاعة القرآن الكريم، كنت أخصص أكثر من شهرين للإعداد لتلاوات المغرب، نبحث عن الجديد والنادر، فالمستمع يكون في ترقب للصوت الذي سيصحبه لحظة الإفطار، كما أنه يعلم أن ما سيبثه أثير الإذاعة في هذه الفقرة ليس مكرراً، بل سيكون جديداً ومميزاً، وهو ما يفسر الارتباط بـ(قرآن المغرب)، الذي يبقى دائماً حاضراً في وجدان المستمعين».

مصريون ووافدون في انتظار أذان المغرب بصحن الجامع الأزهر (الأزهر)

بدوره، يرى الدكتور فايز الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن «(قرآن المغرب) يتجاوز كونه مجرد طقس يومي رمضاني، فهو جزء من العادات الراسخة لدى المصريين، فالقرآن الكريم يحتل مكانة في الثقافة المصرية، ويزداد الاهتمام به بشكل خاص في الشهر الفضيل، لذلك فإن تلاوة المغرب تعد رمزاً للارتباط المتين بالقرآن».

ويوضح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «رمضان هو مناسبة تعيد إحياء المشاعر الروحية والعادات الراسخة في المجتمع المصري، ولأن ارتباط المصريين بقرآن المغرب وُجد منذ تأسيس إذاعة القرآن الكريم في منتصف ستينات القرن الماضي، لذا فاستمرار هذا التقليد حتى اليوم، يعد رمزاً للتمسك بالهوية الثقافية والدينية خلال شهر الصيام».

ويلفت «الخولي» إلى أن عادة تشغيل «قرآن المغرب» عبر مكبرات الصوت في المساجد «تخلق حالة روحانية جماعية قبل الإفطار، وتجسد روح الجماعة التي يعيشها المصريون في رمضان؛ فالتلاوة لا تُسمع فردياً فقط، بل تصبح جزءاً من المشهد العام، فتخلق حالة من الطمأنينة والهدوء وسط التوتر الذي يسبق الإفطار».

ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» وتصدره اهتمام الرأي العام، كان له تأثير واضح هذا العام في خلق حالة جماعية من الالتفاف حول القرآن الكريم في شهر رمضان بشكل عام، والتفاعل مع تلاوات المغرب بشكل خاص.


مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأربعاء، الكشف عن 13 ألف أوستراكا بموقع «أتريبس» الأثري بمحافظة سوهاج (صعيد مصر)، من بينها إيصالات ضريبية تعود للقرن الثالث الميلادي.

يذكر أن الأوستراكا عبارة عن قطع من كسر الفخار استخدمها المصري القديم في تدوين معاملاته اليومية من إيصالات ومراسلات وأنشطة دينية.

جاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية-الألمانية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة توبنجن الألمانية بموقع «أتريبس». وأوضح رئيس البعثة من الجانب الألماني الدكتور كريستيان ليتز، في بيان صحافي، أن «الأوستراكات المكتشفة تحمل نصوصاً مكتوبة بعدة لغات وخطوط مختلفة تمتد عبر فترة زمنية تزيد على ألف عام».

من جانبه، أشار مدير الموقع الأثري الدكتور ماركوس مولر، في البيان، إلى أن «معظم النصوص المكتوبة على أوستراكات أتريبس تتضمن كتابات توثيقية متعددة اللغات والخطوط، مثل الحسابات والقوائم وإيصالات الضرائب وأوامر التسليم، بالإضافة إلى تمارين كتابية للتلاميذ». كما «تتضمن بعض النصوص أيضاً كتابات مرتبطة بالأنشطة الكهنوتية، مثل الترانيم والصلوات الدينية ونصوص التكريس وبيانات سلامة الأضاحي»، وفق مولر.

وتُعد أقدم النصوص المكتشفة إيصالات ضريبية مكتوبة بالخط الديموطيقي من القرن الثالث قبل الميلاد، بينما تعود أحدثها إلى بطاقات أوانٍ مكتوبة باللغة العربية ترجع إلى القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين، بحسب البيان.

أوستراكا أثرية اكتشفت بموقع «أتريبس» بسوهاج (وزارة السياحة والآثار)

ويرى عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير أن «الكشف يعد خطوة علمية بالغة الأهمية في فهم جوانب الحياة اليومية في مصر القديمة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأوستراكا تُعد من أهم المصادر التي يعتمد عليها علماء المصريات في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، لأنها تعكس تفاصيل الحياة العادية للناس أكثر مما تعكسه النصوص الرسمية المنقوشة على المعابد والآثار الكبرى».

وأضاف أن «قيمة هذه الأوستراكات تكمن في أنها تُسجل معاملات يومية مثل إيصالات الضرائب، وقوائم الحسابات، ومن خلال هذه النصوص يمكن للباحثين تتبع أنماط الإدارة والاقتصاد والتعليم والدين، وكذلك فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية والبيروقراطية في المجتمع المصري عبر فترات زمنية مختلفة».

ومنذ موسم حفائر 2018-2019، تتولى مجموعة البحث العلمي متعددة التخصصات «Ostraca d’Athribis»، التي تنظمها البروفسور ساندرا ليبرت بباريس، دراسة وتحليل هذه المواد المتنوعة. وتضم المجموعة حالياً أكثر من اثني عشر متخصصاً في مختلف الكتابات واللغات وأنواع النصوص، بالإضافة إلى متخصص في الفخار. ومن المتوقع أن «تسهم نتائج دراسة هذه الأوستراكات في كتابة تاريخ اجتماعي واقتصادي وديني أكثر تفصيلاً لموقع أتريبس»، بحسب البيان.

بعض قطع الآثار المكتشفة في سوهاج عليها رسوم (وزارة السياحة والآثار)

ووفق ليتز، فإن ما بين 60 في المائة إلى 75 في المائة من الأوستراكات المكتشفة تحمل كتابات بالخط الديموطيقي، في حين أن 15 في المائة إلى 30 في المائة منها مكتوبة باليونانية، بينما تتراوح نسبة الأوستراكات التي تحمل رسومات تصويرية وهندسية بين 4 و5 في المائة، كما أن نحو 1.5 في المائة منها يحمل كتابات بالخط الهيراطيقي، و0.25 في المائة بالخط الهيروغليفي، في حين تحمل 0.2 في المائة كتابات باللغة القبطية، ونحو 0.1 في المائة كتابات باللغة العربية.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي إلى أن «إجمالي ما تم العثور عليه من أوستراكات بموقع أتريبس منذ بدء أعمال الحفائر به عام 2005 بلغ نحو 43 ألف أوستراكا». وقال: «هذا رقم قياسي عالمي لعدد الأوستراكات المكتشفة في موقع أثري واحد»، مضيفاً أن «هذا العدد يفوق ما تم العثور عليه في قرية العمال والفنانين بدير المدينة بغرب الأقصر، كما يتجاوز ما تم اكتشافه في أي موقع آخر في مصر على مدار أكثر من 200 عام من أعمال الحفائر الأثرية».

وقال رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار محمد عبد البديع إن «البعثة الأثرية العاملة بالموقع نجحت خلال السنوات الثماني الماضية، منذ عام 2018، في الكشف عن أكثر من 42 ألف قطعة أوستراكا»، وقال عبد البديع إن «أتريبس تُعد أغنى موقع في مصر بالأوستراكات المرتبطة بالأبراج الفلكية، حيث تم العثور على أكثر من 130 أوستراكا تتناول هذا الموضوع، كُتب معظمها بالخطين الديموطيقي والهيراطيقي».

القطع المكتشفة تضمنت تدوينات بلغات متنوعة (وزارة السياحة والآثار)

وتقع منطقة أتريبس في نجع الشيخ حمد على بُعد نحو 7 كيلومترات غرب مدينة سوهاج، وكانت في العصور القديمة مدينة تابعة للإقليم التاسع من أقاليم مصر العليا، وعاصمته أخميم الواقعة على بُعد نحو 10 كيلومترات شرق النيل. وكانت المدينة مركزاً لعبادة المعبودة «ربيت»، التي كانت تُصوَّر في هيئة أنثى الأسد وتُعرف بعين إله الشمس، وشكّلت ثالوثاً محلياً مع المعبود «مين» رب أخميم، والمعبود الطفل «كولنثيس».

وعد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشف «إضافةً علميةً مهمةً لفهم تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي عبر العصور»، مشيراً إلى أن «ما تشهده المواقع الأثرية المصرية من اكتشافات متتابعة يعكس ثراء التراث الحضاري المصري ويعزز مكانة مصر كمركز عالمي للدراسات الأثرية».

ولفت عبد البصير إلى أن «تنوع اللغات والخطوط في أوستراكات أتريبس يعكس الاستمرارية الحضارية لمصر عبر أكثر من ألف عام، ويكشف عن التحولات الثقافية والإدارية التي مرت بها البلاد من العصر البطلمي مروراً بالعصرين الروماني والبيزنطي وصولاً إلى العصور الإسلامية المبكرة».

وقال إن «هذا الكشف لا يضيف فقط عدداً كبيراً من النصوص الأثرية، بل يفتح آفاقاً جديدة لكتابة تاريخ أكثر دقة وتفصيلاً للحياة اليومية في صعيد مصر، ويؤكد مرة أخرى أن المواقع الأثرية المصرية لا تزال تحمل في باطنها مادة علمية هائلة قادرة على إعادة إحياء تفاصيل الماضي المصري بكل ثرائه وتعقيده».