سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع

سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع
TT

سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع

سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع

صدر عن «دار ومكتبة أوراق» في بغداد كتاب جديد يحمل عنوان «داخل الرؤية وخارجها... اللقطة السينمائية» للناقد والمخرج السينمائي حسين السلمان، وهو كتاب تنظيري يدرس اللقطة، ويحللها بطريقة نقدية تستند إلى أسس علمية رصينة. يدعو المؤلف في مقدمته المُقتضبة القارئ لأن يلِج في التجربة، ويتفرّج عليها، ولا يكتفي بمراقبتها من الخارج.
يَذْكر حسين السلمان أنّ العمر الحقيقي والافتراضي لأول لقطة سينمائية امتدّ إلى 53 ثانية، علماً بأنّ اللقطة الصامتة كانت تعبيرية وبصرية قبل دخول العنصر الصوتي الذي يُعدِّهُ البعض نهاية الإبداع السينمائي. ثم يتوقف عند «اللقطة القريبة» المحمّلة بالمشاعر، لأنها قادرة على أن تستبطن ما هو غامض ومستتر في النفس البشرية، كما أنها تدعم المحتوى الدرامي الذي تنطوي عليه بعد أن تحولت من النسق الوصفي إلى النسق التعبيري الذي يغذّي الحدث، ويمدّه بأسباب الحياة.
على الرغم من أنّ الكتاب يضم 45 مبحثاً، إلاّ أنه يتمحور عملياً على تسعة فصول تبدأ باللقطة في الصمت، وتمرّ باللقطة في الكلام، والزمن، والزاوية، والحوار، وعمق الميدان، والإيقاع، وداخل القطع، وتنتهي باللقطة الطويلة.
راجت الأفلام الصامتة بين عامي 1895 - 1929، لكنها عادت إلى الظهور عام 1952 بفيلم «اللص» لراسل روز، وتبعتُه أفلام صامتة أخرى قبل ظهور فيلم «الفنان» 2012 الذي يمثّل عودة قوية للسينما الصامتة.
يتوقف المؤلف عند «كابريا» 1914، وهو أول فيلم روائي طويل صامت للمخرج الإيطالي جيوفاني باستروني، مدته 148 دقيقة، وفيلم «لا تلمسني» 1971 للمخرج الفرنسي جاك ريفيت، الذي تبلغ مدته 12 ساعة و9 دقائق، وفيلم «هيرمايس» 2006 للمخرج الفليبيني لاف بياز وطوله 9 ساعات. يتضمن هذا الفصل شرحاً وافياً للآراء التي تُعارض المونتاج، وترى فيه تضليلاً للمتلقي، وتزييفاً للواقع، تماماً كما رأت المدرستان الفرنسية والإيطالية اللتان تؤيدان المذهب الواقعي الذي يُعنى بالموضوع، ويراه أهمّ من الصورة، كما يؤكد على دور المخرج والممثل.
يُعرّج السلمان على المدرستين التعبيرية والسُريالية، ويسلّط الضوء على فيلم «كابينة الدكتور كاليغاري» 1919 للمخرج روبرت وِين كأول فيلم ألماني صامت استعملت فيه ديكورات حادة تُعبِّر عن حالة الرعب والجريمة. وقد تأثر هيتشكوك بالتعبيرية الألمانية في أفلامه الصامتة الأولى. كما يُركِّز المؤلف في حديثه على المخرج الفرنسي لويس بونويل، بوصفه مؤسساً للسينما السُريالية، ويتوقف عند فيلميه المعروفين «كلب أندلسي» 1929، و«العصر الذهبي» 1930 الذي هجا فيه الكنيسة الكاثوليكية، والفاشية، والثقافة البرجوازية.
يتوسّع المؤلف في شروحاته المستفيضة، ففي موضوع «اللقطة في الكلام»، يستعير من بيكاسو مقولة شهيرة مفادها «أتقن القواعد كمحترف حتى تتمكن من كسرها كفنان»، قبل أن يأخذنا إلى اللقطة التي تمتدّ في الوعي الإنساني وتشاطره اللاوعي. يؤكد المؤلف أنّ الأفكار مثل الأسماك، ويمكنك أن تجد سمكة صغيرة في المياه الضحلة، لكن إذا أردت سمكة كبيرة فعليك أن تذهب إلى المياه العميقة، وهذا الأمر ينسحب على الأفكار الصغيرة والكبيرة. يتوقف المؤلف عند مخ المتلقي الذي يقوم باستطلاع ما هو موجود داخل اللقطة، ثم يبدأ بتحليل العناصر الداخلة في تكوينها مثل حجم اللقطة، والزاوية، وحركة الكاميرا، والممثل، والحوار، والديكور وما إلى ذلك. يتوصل السلمان إلى مقاربات دقيقة يقارن فيها بين اللقطة والحكاية القصيرة جداً، كما يتوقف عند «السينما الخالصة» التي تقترب كثيراً من «سينما المؤلف» وتحاذيها، وهي تقرّ بأن اللقطة أهم من الشخصية، وأنها تبتعد عن الحوار، وتلغيه في بعض الأفلام، وتتعامل مع الصورة فقط، وتفضّل ألا يرافقها شيء سوى الموسيقى. وفي السياق ذاته يعرّج على مدرسة «الموجة الجديدة» ويوضِّح خصائصها وأهم مخرجيها مثل فرنسوا تروفو، صاحب «400 ضربة»، وغودار، وجاك ريفيت، الذين ثاروا ضدّ الأساليب التقليدية، واندفعوا باتجاه الحياة العامة للناس، ورفضوا التكلّف، ووقفوا ضد المونتاج، والصناعة الميلودرامية في العمل السينمائي.
يُبيّن السلمان أنّ اللقطة هي أساس الفيلم، أما الصورة فهي عنصر من عناصر اللقطة مثل الإطار والشكل والإضاءة. ونظراً لخصوصية «اللقطة في الزمن» يستعين المؤلف بإيزنشتاين الذي يقول «إن كل لقطة تعمل كلُعبة من ألعاب السيرك»، وعلى المتلقي أن يُدرك كل لعبة على حدة، وهذه المعرفة الإدراكية لكل لقطة تمرّ بثلاث مراحل، وهي: «التعرّف والتحليل والاستيعاب»، وهذا ما توصل إليه الباحث من خلال مناقشة طلابه الذين بدأوا يعرفون اللقطات، ويميزون بين اللقطة الواقعية، والتعبيرية، والتجريدية، والتجريبية. يكتظ هذا الفصل بالاقتباسات المعّبرة، لكننا سنكتفي برأي تاركوفسكي الذي يقول بأنّ «الزمن شرط لوجود الأنا لدى الإنسان»، ويشبّه صانع الفيلم بالنحّات الماهر الذي يُزيل الزوائد من كتلة الرخام الصمّاء، ويجعل منها منحوتة نابضة بالحياة.
يُنبهنا المؤلف في فصل «الحركة في اللقطة» بأنّ اللقطة تحتوي على فضاء ديناميكي يأخذ شكل بُعدين حركي وتعاقبي، وأنّ الحركة هي التي جعلت السينما تنفرد عن بقية الفنون الأخرى. أما في فصل «اللقطة في الزاوية» الذي يميل فيه إلى الاختصار فيقول: «إن الزاوية هي المكان الذي يقرّر فيه المخرج وجود الكاميرا». ثم يوضح أنواع الزوايا مثل «الزاوية الرأسية، والأفقية، وزاوية الكاميرا المنحرفة».
يعيدنا السلمان إلى أهمية الحوار من عدمه في فصل «اللقطة في الحوار»، مستعيناً برأي باستر كيتون، الذي يقول «إن الصمت من شِيم الآلهة، وحدها القردة هي منْ تثرثر». ويورد تعاريف كثيرة للحوار من بينها تعريف ابن الإعرابي الذي يحدد ماهية الحوار بـ«التقريب من البُغية، ودلالة قليل على كثير»، كما يسرد لنا أربعة أنواع من الحوار، وهي «الذاتي، والموضوعي، والبؤري، والمحيطي». ويرى تروبي أن سمة الحوار مثل السمفونية التي تعتمد على ثلاثة أركان، وهي اللحن، والهارموني، والفكرة المهيمنة، التي تتكرر على مدار السمفونية، لا أن تكون لحناً موسيقياً يعزف نسقاً واحداً. فيما ترى سارة كوزلوف أنّ «السينما هي فن الشعوب لا النخب».
يختصر لنا المؤلف ببراعة مفهوم «اللقطة في عمق الميدان» بسبع نقاط تبدأ بزاوية التصوير، وتنتهي بحركة الممثل، بعد أن تمرّ ببناء المقدمة والخلفية، وتداخل الأشكال والخطوط داخل اللقطة الواحدة.
يرى السلمان أن الإيقاع هو صفة مشتركة بين الفنون جميعها، لكنها تبدو واضحة في الموسيقى، والشعر، والنثر الفني، والرقص من دون أن نهمل الفنون المرئية، ولكي يحقق الشاعر أو الفنان هذا الإيقاع عليه أن يتبّع أحد الطرق الثلاث، وهي «التكرار أو التعاقب أو الترابط».
يعترف المؤلف بأن الحركة هي الحقيقة الجمالية الأولى في الصورة السينمائية، لكننا نستطيع تقطيعها وتقديمها كلقطة جديدة قائمة بذاتها. ويواصل الباحث حديثه عن عناصر المونتاج الأربعة عند كريستين تومسن، وهي العنصر المكاني والزماني والإيقاعي والبصري.
يختم حسين السلمان كتابه باللقطة الطويلة، ويشير إلى أنّ هيتشكوك هو أول من فكّر باللقطة الواحدة، وأنجز فيلم «الحبل» وأدخل عليه عنصراً جديداً، وهو القطع داخل اللقطة، ويستشهد بأمثلة كثيرة لأفلام اللقطة الطويلة الواحدة مثل «مكبث» للمجري بيلا تار، و«اللاعب» لروبرت التمان، و«السفينة» لألكسندر سوكوروف.
عوداً على بدء، يبحث هذا الكتاب عن الأهمية البصرية للسينما التي تبدأ باللقطة الخاطفة، وتنتهي باللقطة المشهدية، وسيجد القارئ بينهما مساحة كبيرة من التأمل والتطبيقات النظرية المُعمقة.



بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)
المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)
TT

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)
المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب»، لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية، موضحة أن «العمل يتناول حياة شقيقها الأكبر واثنين من أبناء عمومتها الذين يعانون من الإدمان ويعيشون بلا مأوى»، لأنها أرادت أن يرى الجمهور المدمنين من زاوية مختلفة، قائمة على الحب والفهم بدلاً من الوصم والأحكام المسبقة.

الفيلم الذي حصد جائزة «أفضل فيلم وثائقي» بالنسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، قدمت فيه مخرجته جانباً إنسانياً شديد الخصوصية من عائلتها ومعاناتهم متأثرين بتبعات إدمان أقاربهم.

وقالت المخرجة التشيكية لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم لم يتضمن أي عناصر مختلقة أو مضافة لأغراض درامية، فكل ما يظهر على الشاشة حدث بالفعل على مدار خمس سنوات من التصوير المتواصل»، مشيرة إلى أنها اعتمدت بشكل أساسي على هاتفها المحمول في تسجيل اللحظات اليومية، من دون تحضير مسبق أو ترتيب للمواقف، لأن طبيعة الأحداث كانت عفوية وغير قابلة للتوقع.

وأضافت أن «المونتاج صُمم ليعكس تسلسل الوقائع كما جرت، بينما كانت المشاهد الوحيدة ذات الطابع البصري المصمم بعناية هي لقطات تحت الماء، التي تجسد ذكريات من الطفولة، وصُورت داخل الاستوديو، في حين ظل بقية الفيلم مزيجاً من تصوير بالهاتف ولقطات محدودة بكاميرات احترافية إلى جانب تدخلات بصرية على الصور الأرشيفية».

حصد الفيلم جائزة أفضل وثائقي في برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

وأكدت بيبا لوبوجاكي أن التحدي الأكبر واجهته في غرفة المونتاج، بعدما جمعت أكثر من 200 ساعة من المواد المصوّرة، إضافة إلى تسجيلات صوتية كثيفة، فالعثور على الخيط السردي داخل هذا الكم الهائل كان عملية معقدة ومؤلمة في الوقت نفسه، لأنها اضطرت إلى مواجهة صدماتها الشخصية وذكرياتها القاسية بوتيرة متسارعة يفرضها العمل الفني.

واعتبرت أن التجربة كانت قاسية على المستوى الإنساني، لكنها ضرورية كي تظل الحكاية صادقة، مشيرة إلى أن «التصوير نفسه تحول مع مرور السنوات إلى فعل طبيعي للغاية، حتى أصبح الهاتف شبه غير مرئي لي ولأفراد عائلتي»، وصارت تلتقط اللحظات بعفوية كاملة، أحياناً من دون أن ترفعه إلى مستوى نظرها، لكنها شددت على أن الصعوبة الحقيقية لم تكن في التصوير، بل في اتخاذ قرار التوقف، لأن القصة لم تنته فعلياً وما زالت أحداثها مستمرة، غير أنها اضطرت إلى إنهاء المشروع بعد خمس سنوات حتى يظهر الفيلم بشكله النهائي.

على منصة التكريم في برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وأكدت أنه كان من الممكن إنتاج أكثر من فيلم انطلاقاً من هذه التجربة، نظراً لغزارة الأحداث وتعدد المسارات، خصوصاً ما يتعلق بأبناء عمومتها، إلا أنها قررت أن تركز السرد على علاقتها بشقيقها، باعتبارها القصة الأقرب إليها والأكثر قدرة على التعبير عنها بصدق، لأنهما يتشاركان الذاكرة نفسها والماضي ذاته، وهو ما منح الفيلم بعداً شخصياً عميقاً.

وحول مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، وصفت بيبا لوبوجاكي التجربة بأنها «استثنائية وسريالية» في آن واحد، مؤكدة أن الوجود ضمن قسم «المنتدى» كان حلماً تحقق لكونه المكان الأنسب لعرض فيلم بهذه الخصوصية والجرأة.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن ردود فعل الجمهور جاءت مؤثرة للغاية، إذ بادر كثيرون بعد العرض إلى مشاركتها قصصهم الشخصية وتجاربهم مع الإدمان داخل عائلاتهم، ما خلق حالة من التبادل الإنساني الصادق، تخللتها دموع وأحاديث طويلة وعناق، وهو ما اعتبرته تحقيقاً لهدفها الأساسي في تقريب الناس من بعضهم البعض عبر مشاركة الهشاشة الإنسانية.

وأكدت أن الفيلم يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود الحب والدعم، وأين ينتهي الإسناد ويبدأ التحكم، مشيرة إلى أن رحلتها الشخصية علمتها أن الرغبة في إنقاذ الآخر قد تتحول أحياناً إلى وصاية، وأن التغيير لا يمكن فرضه من الخارج، بل يجب أن ينبع من الداخل، وأقصى ما يمكن فعله هو الاحترام ووضع حدود تحمي الذات من الاستنزاف.


«بصمتها»… معرض قاهري يطلّ على العالم من نافذة المرأة

لوحة للفنانة وفاء النشاشيبي (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة وفاء النشاشيبي (الشرق الأوسط)
TT

«بصمتها»… معرض قاهري يطلّ على العالم من نافذة المرأة

لوحة للفنانة وفاء النشاشيبي (الشرق الأوسط)
لوحة للفنانة وفاء النشاشيبي (الشرق الأوسط)

يحتضن غاليري «بيكاسو إيست» في القاهرة معرضاً دولياً جماعياً بعنوان «بصمتها» يضم نحو 120 عملاً لـ30 فنانة من خلفيات ثقافية وجغرافية متنوعة، في محاولة لقراءة لفتح نافذة على العالم من منظور المرأة.

ويأتي المعرض المستمر حتى 9 مارس (آذار) الحالي، بالتعاون مع «Living Units» و«رابطة فنون المرأة التايوانية (TWAA)»، ليطرح رؤية مشتركة تركز على تمكين الفنانات، وتوسيع مساحات الحضور، وفتح آفاق جديدة للتفاعل الفني الدولي.

وتحل الكاتبة والفنانة المصرية سناء البيسي ضيفة شرف للمعرض الذي افتتحته سفيرة رومانيا لدى القاهرة، أوليفيا توديران، في إشارة إلى البعد الثقافي والدبلوماسي المصاحب لهذا الحدث الفني.

وينطلق «بصمتها» من مفهوم شاعري تحت شعار «هي الشجرة... هي النهر»، بوصفها استعارة للاستمرارية، والتحول، والأثر المتجذر.

وهو ما ينعكس بوضوح في الأعمال المشاركة، التي تتنوع بين الرسم، والطباعة، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت.

الذاكرة والجغرافيا تتقاطعان في رسومات ماريانا جوردان (الشرق الأوسط)

وتستقبل الزائرَ أعمالُ الفنانة التايوانية سوزان لين التي تتنقل ممارستها الفنية بين الحبر وفنون الطباعة، في مسعى لالتقاط وهج الحياة واستدعاء صدى شعوري عميق لدى المتلقي.

ويمكن تصنيف أعمالها الحديثة ضمن ثلاث سلاسل رئيسية، هي: «العودة إلى الوطن»، و«حوار بين الجبال والأنهار»، و«مسار الحياة»، وجميعها تتشكل من خلال تداخل التجربة الحياتية مع البحث الفني.

وسوزان لين هي المديرة السابقة لمتحف تاينان للفنون، والمديرة المؤسسة لمتحف ييلان، حاصلة على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من الجامعة الوطنية التايوانية للتربية.

تقول سوزان لـ«لشرق الأوسط»: «أحتفي في أعمالي بالتكوينات الفنية ذات التوازن المكاني والإيقاع الحركي»، وتتابع: «لكنني سعيت في السنوات الأخيرة إلى ابتكار مقاربات جديدة داخل الإطار التقليدي، من خلال إدماج تقنيات الحبر في فنون الحفر والطباعة، لأطور تدريجياً لغة بصرية أكثر تجريداً».

عمل للفنانة تانيا رشيد (الشرق الأوسط)

وتعكس سلسلة «العودة إلى الوطن» ارتباطها العاطفي بمسقط رأسها، إلى جانب تعاطفها مع حياة العمالة المهاجِرة، مستخدمةً الأعشاب المتطايرة رمزاً للحراك الاجتماعي المعاصر.

بينما تعبّر سلسلة «حوار بين الجبال والأنهار» عن رهبة قوى الطبيعة وتحولاتها، سواء بفعل الإنسان أو العوامل الطبيعية، في حين تتناول «مسار الحياة» استمرارية الوجود، وقدرته على التجدد من خلال خطوط متدفقة، وإيقاعات مختلفة.

وبين لوحات المناظر الطبيعية والوجوه التعبيرية، والأعمال النحتية ذات الطابع الشعري، تبرز مشاركة الفنانة الرومانية ماريانا جوردان، وهي فنانة وكاتبة وصانعة أفلام وُلدت عام 1959، وانتقلت إلى المملكة المتحدة في سن مبكرة.

وتستند أعمالها إلى تجربة إنسانية غنية تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الجغرافيا، وقد زارت جوردان مصر مرتين؛ كانت الزيارة الأولى منذ سنوات طويلة، حيث أقامت مع البدو في الصحراء المصرية، ووعدتهم آنذاك بأن ترسم لهم بطاقات فنية وتعود إلى القاهرة.

وهو ما تحقق بالفعل، العام الماضي، من خلال معرضها الثنائي: «بطاقات بريدية للبدو» و«حقول الصحراء»، الذي جمعها بالفنان مهني يعقوب، بتنظيم السفارة الرومانية في القاهرة بمركز «بيت السناري» الثقافي.

التجريب والعاطفة في أعمال جوليا يوسكو (الشرق الأوسط)

ومن بين المشاركات أيضاً الفنانة التايوانية المصرية سيسيليا فنغ، التي تنتمي إلى خلفية ثقافية متعددة، ونمط حياة ترحالي انعكس بعمق على ممارستها الفنية.

فعلى مدار أكثر من أربعة عقود، أقامت فنغ في أكثر من 15 دولة عبر 4 قارات، وأسهم تفاعلها مع ثقافات وبيئات مختلفة في تشكيل لغتها البصرية وموضوعاتها.

وقدمت أعمالها من خلال أكثر من 200 معرض فردي ومشترك في دول عدة، من بينها مصر، وباكستان، والولايات المتحدة، ودول الخليج، إلى جانب دول آسيوية وأوروبية.

وتعكس أعمال المصورة الفوتوغرافية تانيا رشيد اعتزازاً واضحاً بهويتها الكردية، الممتزجة بإحساس الاغتراب والهجرة، ضمن رؤية فنية معاصرة تتأرجح بين التجريد الواقعي والبورتريه الرمزي.

وُلدت تانيا رشيد في السليمانية بالعراق، وتقيم في فيينا منذ عام 1988، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تتشكل تجربتي الفنية ضمن بيئتين متوازيتين: الجذور الثقافية في كردستان، وتجربة الحياة الغربية في فيينا؛ فقد تأثرت بكلتيهما».

كما تشارك الفنانة الإيطالية جوليا يوسكو بأعمال تتنوَّع بين الرسم والنحت وتصميم الحُلي، في إطار يعتمد على التجريب وتوظيف اللون بوصفه عنصراً عاطفياً يعكس التحول المستمر في الطبيعة الإنسانية.

وُلدت يوسكو في روما عام 1990، وتعمل إلى جانب مسيرتها الفنية في مجال تصميم الأزياء، وتشغل حالياً منصب مصممة لدى دار «فالنتينو غارافاني».

لينا أسامة تمزج التاريخ بالمعيشة في لوحاتها التصويرية (الشرق الأوسط)

وتحضر الفنانة المصرية لينا أسامة بأعمال تصويرية تمزج بين الثيمات التاريخية والتجارب الحياتية الشخصية، مستخدمةً ألواناً زاهية، وحركات تعبيرية، ضمن خلفيات مشبعة بدلالات اجتماعية ورمزية.

فيما تنطلق الفنانة وفاء النشاشيبي في تجربتها التشكيلية من إيمان عميق بدور اللون، بوصفه لغة إنسانية قادرة على ترجمة المشاعر ومساءلة الواقع، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أحاول دوماً المصالحة بين ما يؤرق الذات وما يسمح به التشكيل، ومن خلال ذلك أطلق إيقاعي الداخلي ليواكب متطلبات التقنية الاحترافية».

وتتابع: «من هنا تتحول أعمالي إلى تعبير عن نبض الحياة بلغة بصرية حية مشبعة بروح الحرية والمخاطرة».

يُذكَر أن المعرض يأتي في سياق اهتمام غاليري «بيكاسو إيست» بدعم الفنون البصرية المعاصرة، وتعزيز التبادل الثقافي والحوار الفني.

وتعد «Living Units» مبادرة فنية بصرية عابرة للثقافات تأسست عام 2016. تسعى من خلال المعارض الجوالة والبرامج الثقافية إلى ترسيخ القيم الإنسانية، ومواجهة الصور النمطية والتحيزات الاجتماعية.

أما «رابطة فنون المرأة التايوانية (TWAA)»، فهي منظمة وطنية تأسست عام 2000 وتضم أكثر من 270 عضواً، وتُعنى بدعم الفنانات في مجالات الإبداع والبحث والتعليم والتنظيم الفني.


آسر ياسين: «اتنين غيرنا» عالج التناقضات الإنسانية والقلق المزمن

آسر ياسين (إنستغرام)
آسر ياسين (إنستغرام)
TT

آسر ياسين: «اتنين غيرنا» عالج التناقضات الإنسانية والقلق المزمن

آسر ياسين (إنستغرام)
آسر ياسين (إنستغرام)

قال الفنان المصري، آسر ياسين، إنه لم يكن ينوي تقديم مسلسلات درامية خلال موسم دراما رمضان 2026، حتى عُرض عليه سيناريو مسلسل «اتنين غيرنا» الذي عرض في النصف الأول من رمضان. وتحدث آسر، في حواره مع «الشرق الأوسط» عن كواليس مشاركته في العمل، وسبب تحمسه له، إلى جانب رؤيته الفنية وتفاصيل الشخصية التي جسدها، وتعاونه مع الفنانة دينا الشربيني.

وقال آسر ياسين عن سبب موافقته على تقديم مسلسل «اتنين غيرنا»: «في الحقيقة، لم أكن أنوي المشاركة في موسم رمضان هذا العام على الإطلاق، وكان لدي قرار واضح بالابتعاد، لكن مديرة أعمالي سالي فايز طلبت مني عقد جلسة مع صناع العمل للاستماع إلى الفكرة فقط دون أي التزام».

وتابع: «أتذكر جيداً أننا أثناء توجهنا إلى اللقاء، صادفنا سيدة مع طفلها طلبا التقاط صورة معي، وخلال الحديث مع الطفل شعرت بطاقة غريبة ومميزة، حينما سألت عن اسمه قال (حسن)، وعندما دخلت الاجتماع وبدأت الكاتبة رنا أبو الريش في شرح تفاصيل الشخصية، وجدت نفسي منجذباً بشكل كبير لكل ما تقوله، وشعرت بأن هناك رابطاً داخلياً بيني وبين هذه الشخصية، وكأنها تناديني لتجسيدها، وتأكدت من ذلك حينما سألتها عن اسم الشخصية فقالت (حسن)».

آسر ياسين تحدث عن كواليس مسلسل «اتنين غيرنا» (إنستغرام)

وأضاف: «كلما تعمقنا في تفاصيل الدور، شعرت أن هذه الشخصية مختلفة ومليئة بالمشاعر الإنسانية والتناقضات التي أحب تقديمها كممثل، فهي شخصية تحمل أبعاداً نفسية حساسة وتعكس صراعاً داخلياً يعيش فيه الإنسان بين ما يظهره للناس وما يخفيه بداخله. وهذا النوع من الأدوار يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لي، لأنه يتطلب صدقاً شديداً في الأداء، وليس مجرد تقديم مشاهد درامية تقليدية».

وعن تعاونه مع الفنانة دينا الشربيني، قال: «أنا سعيد للغاية بالتعاون مع دينا الشربيني، لأنها فنانة موهوبة وتمتلك حساً صادقاً أمام الكاميرا، كما أنها شخصية قريبة إلى القلب على المستوى الإنساني. وبالرغم من معرفتنا الطويلة، فإن هذه هي المرة الأولى التي نعمل فيها معاً، وهو أمر أدهشني بالفعل، لأنني شعرت منذ اليوم الأول أن هناك انسجاماً كبيراً بيننا، وهذا انعكس بشكل واضح على المشاهد التي تجمعنا. دينا قدمت دورها بإحساس عالٍ ووعي كامل بتفاصيل الشخصية، وهذا جعل التجربة أكثر عمقاً وثراءً».

وتحدث آسر ياسين عن البعد النفسي للشخصية، موضحاً: «الشخصية التي قدمتها تعاني من القلق المزمن، وهذا ليس أمراً غريباً أو بعيداً عن الواقع، لأن كثيرين يعيشون هذه الحالة دون أن يلاحظها من حولهم. ما جذبني في العمل هو أنه لا يقدم هذه المعاناة بشكل مباشر أو تقليدي، بل يعرضها بصورة إنسانية واقعية، حيث يبدو الشخص طبيعياً وقادراً على ممارسة حياته بشكل طبيعي أمام الآخرين، لكنه في داخله يعيش صراعات وأسئلة لا تنتهي. هذا التناقض هو ما يجعل الشخصية حقيقية وقريبة من الناس».

وأضاف: «أعتقد أن الفن يجب أن يعكس الإنسان كما هو، بكل ضعفه وقوته، وليس مجرد صورة مثالية أو سطحية. ما حاولنا تقديمه في هذا العمل هو نموذج لشخص يعيش بين عالمين؛ عالم يراه الناس، وعالم آخر لا يراه أحد، وهذا ما يجعل الرحلة الدرامية للشخصية مؤثرة ومختلفة».

آسر ياسين ودينا الشربيني خلال تصوير المسلسل (إنستغرام)

وعن ردود فعل الجمهور، قال: «أنا سعيد جداً بردود الفعل التي تلقيتها منذ بداية عرض العمل وحتى نهايته، وعموماً شعور الممثل بأن الجمهور يتفاعل مع الشخصية ويتأثر بها يمنحه طاقة كبيرة للاستمرار، ويؤكد له أن ما يقدمه يصل إلى الناس بصدق. أسرتي وأصدقائي كانوا يرسلون لي تعليقاتهم باستمرار، وهذا كان مصدر دعم كبير بالنسبة لي».

وأكد آسر ياسين أن اختياراته الفنية أصبحت أكثر وعياً، موضحاً: «لم يعد هدفي مجرد الوجود في موسم معين لإثبات الحضور فقط، بل أصبحت أبحث عن العمل الذي يحمل قيمة حقيقية، سواء على المستوى الإنساني أو الفني. بالنسبة لي، الفن مسؤولية كبيرة، ويجب أن نحترم من خلاله عقل ووجدان الجمهور. حتى الأعمال الترفيهية يجب أن تُقدم بصدق واحترام، لأن الجمهور يستحق الأفضل دائماً».

وأكد الفنان المصري أن أعماله الأخيرة لا تندرج جميعها ضمن الإطار الرومانسي، موضحاً أن مسلسل «قلبي مفتاحه» كان عملاً رومانسياً، وكذلك مسلسل «اتنين غيرنا»، إلا أنه قدّم بينهما فيلم «إن غاب القط» الذي ينتمي إلى الطابع الكوميدي. وأضاف أنه لا يعرف بعد طبيعة عمله المقبل، لكنه لا يستبعد أن يكون كوميدياً، مشدداً على حرصه الدائم على التنوع وتقديم شخصيات وأنماط درامية مختلفة تثري مسيرته الفنية، قائلاً: «أنا مؤمن بأهمية التنوع في اختياراتي، ولا أحب أن أكرر نفسي أو أُحاصر في نوع معين من الأدوار. كل عمل بالنسبة لي يمثل رحلة جديدة واكتشافاً مختلفاً، وأشعر بالامتنان لأنني ما زلت أتعلم وأتطور مع كل تجربة. أتمنى أن أنجح في تقديم أدوار تلمس قلوب الناس، فهذا هو الهدف من الفن في النهاية».