السودان يواجه تحديات أول موازنة للحكومة الانتقالية

تعتمد على الموارد الحقيقية وليس التوقعات

تواجه حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الانتقالية تحديات كبرى خلال وضع موازنة العام الجديد (أ.ف.ب)
تواجه حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الانتقالية تحديات كبرى خلال وضع موازنة العام الجديد (أ.ف.ب)
TT

السودان يواجه تحديات أول موازنة للحكومة الانتقالية

تواجه حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الانتقالية تحديات كبرى خلال وضع موازنة العام الجديد (أ.ف.ب)
تواجه حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الانتقالية تحديات كبرى خلال وضع موازنة العام الجديد (أ.ف.ب)

شرعت الحكومة السودانية في وضع الموازنة العامة للدولة لعام 2020، والمتوقع إجازتها من قِبل مجلسي السيادة والوزراء في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، كأول موازنة للسودان بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير الذي أحكم قبضته على البلاد نحو ثلاثين عاماً عقب انتفاضة شعبية أطاحت بحكمه في أبريل (نيسان) من العام الحالي.
القطاعات المتخصصة بمجلس الوزراء، بدأت في وضع مؤشرات الموازنة العامة للدولة وسط تحديات تحيط بها، من واقع حالة التردي الاقتصادي الذي يشهده السودان الذي خلفه النظام السابق.
وأعلنت وزارة المالية، أن مشروع موازنة 2020، يعتمد على موارد حقيقية وليس توقعات، وأن أهم ملامح موجهات مشروع الموازنة، تعتمد على تقليل الإنفاق الحكومي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وزيادة الصرف على التنمية والتعليم والصحة.
وقال وزير المالية السوداني إبراهيم البدوي، إن السودان يحتاج إلى نحو خمسة مليارات دولار دعماً للميزانية، لمواجهة التحديات الاقتصادية وتدشين مشروع الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الحكومة الانتقالية في السودان، وأوضح أن البلاد تحتاج إلى تمويل تنموي بقيمة تصل إلى ملياري دولار من المأمول الحصول عليها من صناديق تنموية عربية.
وتمثل العقوبات الأميركية المفروضة على السودان، بوضعه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993، عقبة كؤوداً أمام انطلاق السودان للاستفادة من الدعم والمنح الخارجية، خصوصاً من صندوق النقد والبنك الدوليين لدعم الموازنة.
وخلص اجتماع لمجموعة «أصدقاء السودان» عقد في واشنطن أكتوبر (تشرين الأول) في الماضي، إلى الاتفاق على مقترح لإنشاء صندوق لمساعدة برامج الإصلاحات الاقتصادية لمواجهة التعثر الاقتصادي، وعقد مؤتمر للمانحين مطلع عام 2020 لدعم الاقتصاد السوداني.
وأعلنت الحكومة الانتقالية، أن تقديرات دعم الموازنة العامة، تتراوح ما بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، وسبق أن أعلن رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أن بلاده في حاجه إلى نحو ثمانية مليارات دولار لتنفيذ برنامج الإنعاش الاقتصادي والإصلاح بالبلاد.
وكانت إيرادات موازنة عام 2019 بلغت نحو 162.8 مليار جنيها، ما يعادل نحو 3.4 مليارات دولار، وبنسبة عجز قدرت بنحو بـ3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعول الحكومة السودانية على دعم المانحين للموازنة الجديدة من خلال اجتماع «أصدقاء السودان» الجديد المقرر عقده بالخرطوم في ديسمبر المقبل.
وكان مؤتمر «أصدقاء السودان» الذي عقد بواشنطن على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في أكتوبر، قد أقر بحسب وزير المالية السوداني تمويل 20 مشروعاً بالموازنة الجديدة ومساعدة السودان لتجاوز التحديات الاقتصادية الراهنة التي يواجهها. وقدمت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، دعماً بنحو ثلاثة مليارات دولار للسودان بعد الإطاحة بالبشير.
واستبعد، الخبير الاقتصادي الدكتور خالد التجاني النور، في تعليق لـ«الشرق الأوسط»، أن تلجأ الحكومة إلى الاعتماد على الدعم الخارجي في الموازنة الجديدة؛ لأنه غير مجدٍ لارتباطه بدرجة كبيرة على العلاقات مع الولايات المتحدة، وهي عقبة أمام تطبيع علاقات السودان مع الصناديق والبنوك الدولية بسبب إدراجه في قائمة الإرهاب الأميركية.
واستبعد النور كذلك أن تسهم المشروعات التي وعد المانحون بتمويلها عبر تضمينها في الموازنة الجديدة، لأنها تحتاج إلى وقت لدراستها. ودعا الحكومة إلى الاعتماد على الموارد المحلية، وفقاً لسياسات صحيحة وزيادة الضرائب وتوظيفها بصورة سليمة، وترتيب الأولويات في الموازنة، مشيراً إلى أن الاعتماد على قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، يمكن أن يغطي نسبة كبيرة من الموازنة، مشيراً إلى أن دعم الزراعة والثروة الحيوانية في الميزانيات السابقة لم يتعد نصفاً في المائة، رغم مساهمتها بنحو 60 في المائة من عائدات الصادرات.
وأشار النور إلى أن الحكومة تتبنى أطروحة صندوق النقد الدولي لمعالجة مشكلة الاقتصاد السوداني، وهذا لا يمكن أن يتم دون سند مالي دولي، وإلا سيؤدي إلى اختلالات اجتماعية كبيرة، مطالباً الحكومة بإعادة قراءتها للموقف من تمويل الموازنة والافتراضات التي بنيت عليها الخاصة المتعلقة بالدعم الخارجي.
وتخطط الحكومة السودانية من خلال الموازنة المقترحة في النصف الثاني من عام 2020 إلى إنشاء شبكة دعم اجتماعي تمهيداً لإلغاء الدعم الحكومي للسلع الأساسية. وقدرت إحصائيات حكومية سابقة قيمة دعم الحكومة للمحروقات بجميع مشتقاتها بنحو 2.25 مليار دولار سنوياً، في حين يصل الدعم للقمح إلى 365 مليون دولار سنوياً.
وتواجه الموازنة العامة للدولة المرتقبة تحديات ارتفاع معدلات التضخم الذي بلغ في شهر أكتوبر الماضي 57.70 في المائة، بحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء. كما تواجه تحدي عدم استقرار سعر صرف الجنيه السوداني والذي يعاني من هبوط مستمر، حيث وصل سعر شراء الدولار لنحو 80 جنيهاً هذا الأسبوع، مقارنة بـ65 جنيهاً في المتوسط نهاية الشهر الماضي. وينتظر الموازنة تحدي ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ووفقاً لوزارة المالية فإن معدلات البطالة بالبلاد تتراوح بين 45 و50 في المائة من السكان.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السوداني اختلال الميزان التجاري، حيث بلغت الصادرات في موازنة عام 2019 ثلاثة مليارات دولار، مقابل 7 مليارات دولار حجم الواردات.
بجانب عدم الاستفادة من القيمة المضافة للصادرات، خصوصاً قطاع الثروة الحيوانية الذي يساهم بنحو 13 في المائة من إجمالي الصادرات السودانية. وبحسب تقرير رسمي، فإنه حتى يونيو (حزيران) 2019 بلغ صادر الضأن نحو 2.2 مليون رأس، بمبلغ 230 مليون دولار، في حين بلغت صادرات الإبل 97 مليون دولار، وصادرات اللحوم الأخرى 27 مليون دولار.
وقال الأكاديمي المستشار الاقتصادي، الدكتور طه حسين، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدولة يمكن أن تجني أكثر من مبلغ 4 إلى 6 مليارات دولار الذي حدده وزير المالية لإنعاش الاقتصاد، إذا اتخذت جملة من السياسات التشجيعية للصادرات ووضعت حوافز لمدخرات المغتربين. وقدر طه، الكتلة النقدية للمغتربين خارج الجهاز المصرفي بنحو 4 إلى 6 مليارات دولار، وأشار إلى أن الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي بحسب تقرير لبنك السودان تقدر بنحو 354 مليار جنيه، وهذه تأثيرها كبير على الاقتصاد وتحتاج لمعالجة. وأوضح أن الصادر الممول من الجهاز المصرفي لا يتجاوز 7 في المائة، وباقي الصادر تمويل ذاتي.
وقال حسين، إن شركات إنتاج الذهب حال وفرت لها مطلوباتها يمكن أن تغطي حاجة البلاد من السلع الأساسية (وقود وقمح وأدوية) المقدرة بنحو ملياري دولار، بيد أنه في الوقت ذاته استبعد إمكانية القياس على مؤشرات موازنة 2019 لعدم وجود موازنة حقيقة، وهي كانت أقرب إلى «البرامج» وظلت حبيسة الأدراج ولم يكن فيها أي التزام حكومي بالموازنة، حيث كان هناك اقتصاد مدعوم بمبلغ إجمالي 3.5 مليار دولار، هي 3 مليارات من السعودية والإمارات، و200 مليون دولار من الصندوق الكويتي، و300 مليون دولار من صندوق النقد العربي.
واقترح حسين لتحسين الإيرادات مراجعة عقود المشاريع الاستثمارية الأجنبية بالبلاد لتحقيق أكبر فائدة منها للدولة، ووضع سياسات تشجيعية للصادر، وتوسيع المظلة الضريبية لتشمل قطاعات أخرى تحقق دخلاً عالياً، ورفع أجور العاملين بالدولة التي يبلغ حجمها 51 مليون جنيه، ما يعادل مليون دولار، لمقابلة ارتفاع التضخم وزيادة الأسعار.



اقتصاد مصر غير النفطي يقترب من الاستقرار... والانكماش يتراجع لأدنى مستوى منذ يناير

تمر سيارات أسفل شاشة عرض كبيرة تعرض صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ في القاهرة (أ.ف.ب)
تمر سيارات أسفل شاشة عرض كبيرة تعرض صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد مصر غير النفطي يقترب من الاستقرار... والانكماش يتراجع لأدنى مستوى منذ يناير

تمر سيارات أسفل شاشة عرض كبيرة تعرض صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ في القاهرة (أ.ف.ب)
تمر سيارات أسفل شاشة عرض كبيرة تعرض صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ في القاهرة (أ.ف.ب)

أظهر القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال أغسطس (آب) مؤشرات جديدة على تحسن النشاط الاقتصادي، مع تراجع وتيرة الانكماش إلى أضعف مستوياتها منذ يناير (كانون الثاني)، مدفوعة بانخفاض أقل حدة في الإنتاج والطلبات الجديدة، إلى جانب عودة الشركات إلى زيادة التوظيف.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات في مصر، الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 49.6 نقطة في أغسطس من 46.8 نقطة في يوليو (تموز)، ليسجل أعلى قراءة في 7 أشهر، لكنه ظل دون مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش.

وقال ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن المؤشر أظهر «علامات متزايدة على التعافي الاقتصادي» في القطاع غير النفطي، بعدما ارتفع المؤشر الرئيسي بنحو ثلاث نقاط خلال شهر واحد.

ويأتي التحسن مع تباطؤ وتيرة انخفاض الإنتاج إلى أضعف مستوياتها في 7 أشهر، بينما ظلت الأعمال الجديدة في منطقة الانكماش، لكنها تراجعت بأبطأ وتيرة منذ فبراير (شباط).

كما واصلت مبيعات التصدير انخفاضها للشهر السادس على التوالي، وإن كانت وتيرة التراجع أقل من يوليو، في حين استقرت الأعمال المتراكمة بصورة عامة بعد ارتفاعها خلال الأشهر الثلاثة السابقة.

التوظيف يعود إلى الارتفاع

وكان أبرز التطورات في أغسطس عودة الشركات إلى التوظيف، إذ ارتفع مستوى العمالة للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبثاني أسرع وتيرة منذ بدء المسح في عام 2011.

ويشير ذلك إلى أن تحسن الطلب والنشاط بدأ ينعكس تدريجياً على قرارات الشركات المتعلقة بالعمالة، بعدما ظلت سوق العمل تحت ضغط خلال الأشهر الماضية.

في المقابل، انكمش نشاط الشراء للشهر الخامس على التوالي، وبأسرع وتيرة في نحو ثلاثة أعوام، مع إشارة الشركات إلى نقص المواد والقيود على التدفقات النقدية.

كما تدهورت مواعيد تسليم الموردين بشكل طفيف بعد تحسن مؤقت في يوليو، بما يعكس استمرار بعض الضغوط على سلاسل الإمداد وقدرة الشركات على تأمين احتياجاتها التشغيلية.

ضغوط الأسعار تعود

ولم يكن التحسن في النشاط خالياً من الضغوط، إذ تسارعت ضغوط الأسعار للمرة الأولى منذ مايو (أيار)، مع ارتفاع تكاليف المدخلات وأسعار المنتجات بوتيرة أسرع.

ويضيف ذلك تحدياً أمام الشركات والاقتصاد المصري؛ خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى دعم النشاط في القطاع غير النفطي، بالتزامن مع مراقبة تأثير ارتفاع تكاليف المدخلات على الأسعار النهائية وهوامش الشركات.

في المقابل، تحسنت توقعات الشركات للشهر الرابع خلال خمسة أشهر، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ يونيو (حزيران) 2022.

وربطت الشركات هذا التفاؤل بزيادة المشاريع الجديدة، وتحسن النشاط السياحي، وخطط افتتاح فروع جديدة، وهي عوامل تشير إلى تحسن تدريجي في نظرة القطاع الخاص إلى آفاق النشاط الاقتصادي.


النفط الفنزويلي الثقيل يعقّد ملء الاحتياطي الأميركي... فهل تكون المقايضة الحل؟

وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس (أ.ب)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس (أ.ب)
TT

النفط الفنزويلي الثقيل يعقّد ملء الاحتياطي الأميركي... فهل تكون المقايضة الحل؟

وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس (أ.ب)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس (أ.ب)

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي تحدياً غير متوقع، بعدما تبين أن معظم أنواع الخام الفنزويلي التي أصبحت واشنطن قادرة على الوصول إليها لا تتوافق بسهولة مع المواصفات الحالية للنفط المخزن في الكهوف الاستراتيجية الأميركية.

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن واشنطن قد تلجأ بدلاً من ذلك إلى مقايضة الخام الفنزويلي الثقيل بخام أميركي خفيف أو متوسط، بما يسمح للولايات المتحدة بالاستفادة من النفط الفنزويلي من دون إدخاله مباشرة إلى كهوف الاحتياطي الاستراتيجي.

وأوضح رايت أن أسواق النفط تتمتع بمرونة تسمح بمثل هذه الترتيبات، قائلاً إن الولايات المتحدة يمكن أن تحصل على برميل من الخام الفنزويلي الثقيل مقابل برميل من الخام الأميركي الخفيف أو المتوسط.

وتأتي الفكرة بعدما أعلن ترمب أن النفط الناتج عن الاتفاق الأخير مع فنزويلا سيُستخدم في إعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي، وأن عملية استكمال المخزون ستبدأ قريباً.

لكن التنفيذ ليس بهذه السهولة.

خام فنزويلا أثقل وأكثر كبريتاً

وتكمن المشكلة في طبيعة النفط الفنزويلي نفسه. فمعظم الخامات التي تصدرها فنزويلا تتميز بكثافة مرتفعة ونسبة كبريت عالية، وهي خصائص تجعلها غير متوافقة مع المواصفات الحالية لمعظم النفط المخزن في الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي.

ويضع الاحتياطي الأميركي حداً يبلغ نحو 1.99 في المائة من الكبريت بحسب مواصفات وزارة الطاقة، بينما تحتوي أنواع فنزويلية رئيسية مثل «ميري-16» و«بوسكان» على نسب كبريت أعلى من الحدود المعتمدة.

كما أن الخام الفنزويلي أكثر كثافة من النفط الموجود بصورة أساسية في الاحتياطي.

وقال جيريمي إروين، المسؤول العالمي عن الخام في شركة «إنرجي أسبكتس»، إن غالبية أنواع الخام التي تصدرها فنزويلا ستكون غير متوافقة من ناحية الجودة مع كهوف الاحتياطي الاستراتيجي، وفق «رويترز».

ولا يتعلق الأمر بمواصفات فنية فقط؛ إذ إن المصافي نفسها مصممة لمعالجة أنواع معينة من الخام وفق نطاقات محددة من الكثافة ومحتوى الكبريت. ويمكن أن يؤدي تجاوز هذه النطاقات إلى التأثير في كفاءة التشغيل وكميات المنتجات المكررة وهوامش الأرباح.

برج نقل طاقة ساقط يستقر على مضخة نفط غير نشطة في بحيرة ماراكايبو في كابيمس فنزويلا (أ.ب)

الاحتياطي عند أدنى مستوى في 44 عاماً

وتزداد أهمية المشكلة في ظل الحاجة الملحة إلى إعادة بناء المخزون الأميركي. فقد بدأت الولايات المتحدة أخيراً في سحب ملايين البراميل من الاحتياطي الاستراتيجي ضمن جهود لتهدئة أسواق النفط خلال الحرب مع إيران، ووصل حجم السحب الأميركي إلى 172 مليون برميل.

وأدى هذا السحب الكبير إلى انخفاض مخزونات الاحتياطي إلى أدنى مستوى في 44 عاماً، مما أثار تساؤلات بشأن سرعة قدرة واشنطن على إعادة بناء المخزون، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالضغط التشغيلي على الكهوف التي تخزن النفط.

ويُعد الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي أكبر مخزون طوارئ نفطي في العالم، وتخزن كميات الخام في كهوف ملحية تحت الأرض على سواحل تكساس ولويزيانا.

ومع وصول واشنطن إلى مليارات البراميل من الخام الفنزويلي بموجب الاتفاق الجديد، تبدو إضافة هذا النفط مباشرة إلى الاحتياطي حلاً بديهياً، لكنها تصطدم بالفارق الكبير في خصائص الخام.

هل المقايضة حل؟

ومن هنا تأتي فكرة رايت بالمقايضة. فبدلاً من تخزين الخام الفنزويلي الثقيل، يمكن للولايات المتحدة أن تستبدله بخام أميركي أخف وأكثر توافقاً مع مواصفات الاحتياطي. وبهذه الطريقة تحصل واشنطن على النفط الفنزويلي وتستخدمه في السوق، بينما يدخل الخام الأميركي الملائم إلى الكهوف الاستراتيجية.

وليست عمليات المقايضة جديدة بالنسبة إلى الحكومة الأميركية. فقد استخدمت واشنطن ترتيبات مشابهة في السابق للإفراج عن النفط من الاحتياطي وإعادته لاحقاً، خصوصاً في حالات الأعاصير أو اضطرابات الإمدادات المؤقتة.

وفي عمليات الإقراض الحالية، تحصل الشركات على النفط من الاحتياطي لفترة محددة ثم تعيده مع كمية إضافية كعلاوة.

لكن حتى المقايضة المقترحة تواجه قيوداً، إذ إن قدرة المصافي الأميركية على استيعاب كميات إضافية من الخام الفنزويلي الثقيل محدودة، لأن معالجة هذا النوع من النفط تحتاج إلى وحدات متخصصة ذات طاقة استيعابية محددة.

منشآت مصنع برالكا للبتروكيماويات في سانتا ريتا فنزويلا (أ.ب)

كما أن بناء وحدات جديدة لمعالجة الخام الثقيل يحتاج إلى استثمارات كبيرة ووقت طويل.

مشكلة الخام تكشف تعقيد الصفقة

وتكشف هذه العقبة أن الاستفادة من الاحتياطيات النفطية الفنزويلية لن تكون عملية مباشرة بمجرد وصول واشنطن إلى كميات ضخمة منها.

فالنفط الفنزويلي يحتاج إلى رأس مال وتقنيات وبنية تحتية ومصافي قادرة على معالجته، كما أن نقله إلى الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي يتطلب معالجة مشكلة اختلاف المواصفات.

وكانت الحكومة الأميركية قد نفت في يناير (كانون الثاني) تقريراً أفاد بأن إدارة ترمب تدرس بالفعل خطة تقوم على إرسال النفط الفنزويلي إلى المصافي الأميركية مقابل خام منتج محلياً.

أما اليوم، ومع طرح رايت فكرة المقايضة علناً، فقد عادت الآلية إلى الواجهة باعتبارها أحد الحلول الممكنة للتوفيق بين النفط الفنزويلي الثقيل وحاجة الولايات المتحدة إلى إعادة بناء احتياطها الاستراتيجي بسرعة.

وهكذا، لا تتمثل المسألة في كمية النفط التي تستطيع واشنطن الوصول إليها من فنزويلا فحسب، بل في كيفية تحويل هذه الكميات إلى إمدادات قابلة للاستخدام والتخزين داخل النظام النفطي الأميركي.


الأسواق العالمية تنتعش ترقباً لإشارات «الفيدرالي»... والين يقفز

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
TT

الأسواق العالمية تنتعش ترقباً لإشارات «الفيدرالي»... والين يقفز

شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
شاشة بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

التقطت أسواق الأسهم والسندات أنفاسها خلال تعاملات الخميس، مع تراجع عوائد السندات الأميركية واليابانية عن مستويات مرتفعة، بينما واصل الين مكاسبه وقفز إلى أعلى مستوى في نحو ثلاثة أسابيع، بينما اتجه الذهب للصعود وتراجعت أسعار النفط، وسط ترقب المستثمرين إشارات جديدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار أسعار الفائدة هذا الشهر.

وتتركز أنظار الأسواق الآن على تقرير الوظائف الأميركي المقرر صدوره الجمعة، باعتباره الاختبار الأهم قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، بعدما جاءت بيانات سوق العمل الخاص لشهر أغسطس (آب) أضعف من المتوقع.

وفي الوقت نفسه، يترقّب المستثمرون تصريحات عدد من مسؤولي البنك المركزي الأميركي، ومن بينهم محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر، بعد أن أبدى رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز إشارات حدّت من توقعات رفع الفائدة خلال سبتمبر (أيلول).

ورغم ذلك، ارتفعت رهانات المتعاملين على رفع الفائدة الأميركية بصورة حادة خلال الأسبوع الأخير. وتُظهر أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي غروب» أن الأسواق تسعّر حالياً احتمالاً يقارب 62 في المائة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس هذا الشهر، مقارنة مع 37 في المائة قبل أسبوع فقط.

ويعكس هذا التحول تنامي القلق بشأن التضخم واستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض؛ خصوصاً بعدما سجلت عوائد السندات طويلة الأجل مستويات مرتفعة أثارت مخاوف بشأن السياسة النقدية والأوضاع المالية للحكومات.

عوائد السندات تتراجع

ومع تحسن المعنويات في الأسواق العالمية، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية عن أعلى مستوياتها المسجلة في عدة أعوام.

وانخفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 1.79 نقطة أساس إلى 4.776 في المائة، بينما تراجع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً 8 نقاط أساس إلى 4.085 في المائة، بعد أن لامس مستويات شبه قياسية في الجلسة السابقة.

وجاء تراجع العوائد اليابانية بعد أن أظهر مزاد السندات لأجل 30 عاماً طلباً جيداً، ما ساعد على تهدئة المخاوف التي أثارتها القفزة الأخيرة في تكاليف الاقتراض العالمية.

وقال غافين فريند، كبير استراتيجيي الأسواق لدى «إن إيه بي»، إن انتهاء الحرب سيكون عاملاً إيجابياً من شأنه إعادة العوائد إلى مستويات أقل، لأنه سيخفف الضغوط ويسمح للبنوك المركزية بالعودة إلى التركيز على اعتبارات السياسة النقدية التقليدية.

الين يقفز والأسهم تستعيد توازنها

وفي سوق العملات، ارتفع الين 0.67 في المائة إلى 157.64 ين للدولار، مسجلاً أقوى مستوى له منذ 10 أغسطس، بعدما قفز بالفعل 0.9 في المائة في الجلسة السابقة.

وتزامن صعود العملة اليابانية مع تراجع عوائد السندات، بينما يراقب المستثمرون من كثب مؤشرات الاقتصاد الياباني وإمكانية تشديد بنك اليابان سياسته النقدية.

وأظهرت بيانات الخميس توسع قطاع الخدمات الياباني في أغسطس بأسرع وتيرة له خلال 5 أشهر، في مؤشر جديد على قوة الاقتصاد وقدرته على تحمل رفع الفائدة.

أما الأسهم، فارتفع مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع نطاقاً لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان 0.8 في المائة، بعدما أنهت الأسهم الأميركية الجلسة السابقة على مكاسب محدودة.

وفي أوروبا، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «يورو ستوكس 50» 0.06 في المائة، وصعدت عقود «داكس» الألماني 0.09 في المائة، بينما زادت عقود «فايننشال تايمز» البريطانية 0.04 في المائة. كما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنحو 0.06 في المائة.

النفط تحت ضغط التوتر الجيوسياسي

وفي المقابل، تراجعت أسعار النفط قليلاً من مستوياتها المرتفعة، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

وانخفض خام غرب تكساس الوسيط 0.43 في المائة إلى 90.62 دولار للبرميل، بينما تراجع خام برنت 0.59 في المائة إلى 95.07 دولار.

ولا تزال الأسواق تراقب تداعيات تبادل واشنطن وطهران أكبر وابل من الهجمات منذ يوليو (تموز)، الأمر الذي أعاد مخاوف اتساع نطاق التصعيد في الشرق الأوسط.

ويضع هذا التطور أسعار النفط أمام عاملين متعارضين: مخاطر جيوسياسية ترفع علاوة المخاطر، ومخاوف اقتصادية ونقدية قد تضغط على الطلب إذا أدت أسعار الفائدة المرتفعة وتكاليف الاقتراض إلى إبطاء النشاط الاقتصادي.

الذهب يستفيد من حالة عدم اليقين

وعلى الجانب الآخر، ارتفع الذهب مع استمرار المستثمرين في البحث عن أصول أكثر تحوطاً في مواجهة المخاطر الجيوسياسية والمالية.

وصعد الذهب الفوري 1.14 في المائة إلى 4436.34 دولار للأونصة، بينما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب 1.37 في المائة إلى 4426.30 دولار، بينما زادت الفضة الفورية 1.3 في المائة إلى 66.17 دولار للأونصة.

وفي سوق العملات، تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية، 0.21 في المائة إلى 99.39، بينما ارتفع اليورو 0.09 في المائة إلى 1.1598 دولار.

الوظائف ترسم المسار المقبل

ويظل تقرير الوظائف الأميركي المنتظر الجمعة العامل الأكثر أهمية في تحديد اتجاه الأسواق خلال الأيام المقبلة، بعدما أظهرت بيانات «إيه دي بي» الخاصة بالتوظيف في القطاع الخاص زيادة في الوظائف أقل من المتوقع.

ويبحث المستثمرون عن إجابة لسؤال رئيسي: هل ضعف سوق العمل يكفي لدفع الفيدرالي إلى خفض أو تثبيت الفائدة، أم أن استمرار التضخم وارتفاع العوائد سيدفعه إلى تشديد السياسة النقدية؟

وتزداد أهمية هذه البيانات في ظل انقسام الأسواق بين توقعات متزايدة لرفع الفائدة ومؤشرات من بعض مسؤولي الفيدرالي على أنهم لا يزالون بحاجة إلى مزيد من البيانات قبل اتخاذ القرار.

كما ستتجه الأنظار إلى اجتماعات البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، في وقت تحاول فيه البنوك المركزية الكبرى تحديد مدى قدرتها على مواصلة التشديد النقدي في مواجهة ضغوط التضخم المستمرة.