«داعش» يقترب من احتلال الأنبار والسيطرة على سد حديثة

إذا نجحت عملياته سيصبح بإمكانه تهديد أهداف مهمة في بغداد

شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)
شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)
TT

«داعش» يقترب من احتلال الأنبار والسيطرة على سد حديثة

شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)
شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)

يقف مسلحو «داعش» على وشك السيطرة على محافظة محورية غرب العراق، مما سيشكل نصرا كبيرا للتنظيم الإرهابي وانتكاسة مثيرة وحرجة للتحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة ضد الجماعة.
ومن شأن فوز «داعش» بالسيطرة على الأنبار منح مسلحيه السيطرة على أحد أهم السدود بالعراق، بجانب الكثير من المنشآت الضخمة التابعة للجيش، الأمر الذي قد يزيد من مخزونات السلاح الوفيرة بالفعل لدى الجماعة. ومن شأن ذلك أيضا السماح للجماعة بإقامة خط إمدادات من سوريا إلى قرب بغداد، ومنحها موقع متميز يمكنها من شن هجمات ضد العاصمة العراقية.
الملاحظ أن هجوم «داعش» على الأنبار حظي باهتمام أقل عن هجومها ضد مدينة كوباني السورية الحدودية، التي تواردت الصور منها على أيدي المصورين الصحافيين المرابطين فوق تلال بتركيا المجاورة. إلا أن الأسابيع الأخيرة، شهدت غزو مقاتلي «داعش» بصورة ممنهجة لمدن وقرى الأنبار، وحصارهم لمناطق تمركز للجيش ومراكز الشرطة، إضافة لشنهم هجمات ضد قوات عراقية في الرمادي، عاصمة المحافظة.
يذكر أن «داعش» تمكن بالفعل من ضمان معقل له داخل محافظة الأنبار في يناير (كانون الثاني)، عندما سيطر على مدينة الفلوجة وأجزاء من الرمادي، واستمر في تقدمه داخل المحافظة في يونيو (حزيران) . ومع ذلك، أبقت الحكومة العراقية سيطرتها على جيوب صغيرة داخل المحافظة ذات الغالبية السنية.
من جهتها، منيت القوات العراقية بانتكاسات عدة خلال الهجوم الأخير الذي شنه «داعش»، بما في ذلك خسارة قاعدتين تابعتين للجيش. من جهة أخرى، هاجمت الطائرات الحربية والمروحية الهجومية الأميركية أهدافا لـ«داعش» ووفرت الدعم للقوات العراقية التي تقاتل في الأنبار. وساعدت الضربات الجوية الأميركية الشهر الماضي في صد هجوم على سد «حديثة»، وذلك في إطار مساعي المسلحين للسيطرة على إمدادات المياه العراقية. ومع ذلك، أخفقت الضربات بوجه عام في وقف تقدم المسلحين.
من ناحيته، علق الخبير الأمني العراقي، سعيد الجيشي، بقوله: «إذا سيطر (داعش) على الأنبار، سيصبح بإمكانه تهديد أهداف مهمة ببغداد. وإذا خسرت الحكومة سيطرتها على سد حديثة، سيتعين على قوات الأمن الانسحاب، سيسيل حمام دماء».
تجدر الإشارة إلى أن محافظة الأنبار - كبرى محافظات العراق - شكلت محور موجة التمرد السني ضد القوات الأميركية التي اندلعت بعد الغزو عامي 2003. وفي عام2006 قرر الكثير من القبائل السنية بالأنبار تأييد الحكومة المدعومة من واشنطن في مواجهة الجماعة التابعة لتنظيم القاعدة بالعراق، في خضم ما عرف لاحقا بـ«الصحوات السنية». وقد سحقت حركة التمرد تلك.
بيد أن السياسات الطائفية لرئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الشيعي، أثارت سخط القبائل السنية، وعملت «داعش» التي تأسست كذراع لـ«القاعدة» داخل العراق، على تأجيج هذه الغضب السني. في الوقت ذاته، تمكن عناصر «داعش» من تحسين قدراتهم العسكرية عبر المشاركة في الحرب الأهلية بسوريا. وبالفعل، نجحوا في السيطرة على أجزاء واسعة من سوريا والعراق. وتشير بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية إلى أنه منذ بداية الحملة الأميركية ضد «داعش» في أغسطس (آب)، هاجمت الطائرات الأميركية أكثر من 40 هدفا داخل الأنبار.
من جهتها، أعربت إدارة أوباما عن أملها في أن تتمكن القوى العربية السنية بالمنطقة، بقيادة السعودية، من إقناع قبائل الأنبار بالانقلاب ضد «داعش» والانضمام للقوات الحكومية العراقية أو المشاركة في حرس وطني قوامه عناصر محلية.
إلا أنه رغم رحيل المالكي في وقت مبكر من الشهر الماضي، لم تظهر مؤشرات توحي بأن النفوذ العربي، مع افتراض وجود جهود لممارسته، ترك تأثيرا يذكر. وأعرب أبناء قبائل سنية عن تخوفهم من الميليشيات الشيعية المشاركة في القتال الذي يخوضه العراق ضد «داعش».
وخلال محادثات جرت هذا الأسبوع بينهم وبين الجنرال الأميركي المتقاعد جون آلن، منسق الإدارة الأميركية لشؤون التحالف الدولي ضد «داعش»، ذكرت قيادات قبلية أنه «لن نقف في مواجهة (داعش)، بينما توجد ميليشيات شيعية داخل مناطق سنية»، حسبما أفاد الزعيم القبلي سميل المحمدي في تصريحات صحافية. المعروف أن الأنبار، التي تضم مساحات صحراوية واسعة تقطعها طرق للشاحنات تؤدي للأردن والسعودية وسوريا، تحمل أهمية استراتيجية ورمزية بالنسبة لـ«داعش»، وفي حال سيطرة الجماعة على المحافظة، سيصبح بمقدورها نقل أسلحة ومقاتلين من المناطق التي تسيطر عليها في سوريا حتى الضواحي الغربية لبغداد، وحاليا، يقطع خط الإمداد هذا منطقتي حديثة والرمادي الخاضعتين للسيطرة الحكومية. أيضا، من نتائج السيطرة على الأنبار مساعدة الجماعة على تمديد حدودهم الفعلية لأطراف العاصمة العراقية.
من جانبه، قال أحمد صدق الدليمي، رئيس شرطة الأنبار: «ستتحول المنطقة لقاعدة لتحركاتهم، وسيمر وقت طويل قبل أن نتمكن من إعادة السيطرة عليها»، كما أن السيطرة على الأنبار تشكل نصرا معنويا لـ«داعش». في هذا الصدد، أوضحت جيسيكا لويس، مديرة الأبحاث بمعهد دراسة الحرب في واشنطن، أن «الأنبار تمثل مهد الجماعة الأم لـ(داعش)، وهي القاعدة في العراق. لذا فإن السيطرة على مدن الأنبار يحمل أهمية كبيرة لهم (داعش)».
وذكر مسؤولون أمنيون بالأنبار، أن «داعش» عمل على تعزيز قوته القتالية داخل المحافظة. يذكر أن مسلحي «داعش» قاتلوا بضراوة خلال الأيام القليلة الماضية للسيطرة على مدينة هيت بمحافظة الأنبار الواقعة على نهر الفرات، وكذلك بلدة كبيسة القريبة. وتقع البلدتان قرب قاعدة عين الأسد العسكرية، وهي واحدة من أكبر القواعد العسكرية بالعراق، حيث تمد تعزيزات للقوات المعنية بالدفاع عن سد حديثة الواقع شمال غربي القاعدة مباشرة. وتبعا لتقرير صدر حديثا عن معهد دراسة الحرب، فإن «داعش» شن حملة متطورة في الأنبار خلال الأسابيع الأربعة الماضية، مما مكنه من السيطرة على غالبية الأراضي الممتدة من الحدود السورية حتى أبو غريب في الضواحي الغربية من بغداد.
وعمد المسلحون لقطع خطوط إمدادات الجيش العراقي والاتصالات بين القوات، وتعزيز مكاسبهم التي لن يكون من السهل القضاء عليها عبر حملة جوية، حسبما أفاد التقرير. وقد يكون مصدر القلق الأكبر تقدم «داعش» نحو الرمادي، الواقعة على بعد 80 ميلا من بغداد.
وأفادت وسائل إعلام عراقية، الاثنين، بأن قوات الأمن انسحبت من وسط الرمادي، وهذا ادعاء نفاه الدليمي، مدير شرطة الرمادي، لاحقا. ومع ذلك، أدت الهجمات التي جرى شنها طيلة الأسبوع الماضي إلى سيطرة المسلحين على أحياء جديدة بالمدينة.
من جهتهم، حذر مسؤولون محليون من قرب انهيار الحكومة المركزية في الرمادي. وقال أحمد أبو ريشة، أحد الشيوخ القبليين البارزين والذي يقود مجموعة من المقاتلين الموالين للحكومة بالمنطقة: «تخضع جميع المناطق حول الرمادي لسيطرة (داعش)». وأضاف أن قواته، ذات التسليح الخفيف، لم تتلق دعما جويا خلال قتالها ضد «داعش».
وحذر أبو ريشة من أنه «إذا سقطت الرمادي، فسوف تسقط الأنبار كلها، الرمادي هي الرأس، فإذا قطعت الرأس مات باقي الجسد».
ومن بين أكبر الخسائر التي منيت بها قوات الأمن العراقية كان فقدان قاعدة عسكرية بالصقلاوية. كان مقاتلو «داعش» قد طوقوا القاعدة الواقعة إلى الغرب من الفالوجة الشهر الماضي، وفر بعض الجنود من القاعدة، بينما يعتقد أن المسلحين ذبحوا آخرين كثيرين، تبعا لما أفاده ناجون. وأضافوا أن ما بين 300 و500 جندي مفقودين. بعد ذلك، سيطر المسلحون على قاعدة عسكرية في البوعيثة، الواقعة على بعد 50 ميلا من بغداد.
وقال أحد الجنود الناجين من مذبحة الصقلوية (38 عاما): «توسلنا لأيام من أجل توجيه ضربات جوية ضدهم، لكن شيئا لم يحدث». واكتفى الجندي بالإشارة لنفسه باسم أبو علي، خوفا من الانتقام منه. وأضاف أنه لم يعد لديه شعور الآن بأن هناك ما يستحق القتال من أجله داخل الأنبار. وقال: «القيادة لا تأبه بنا، والناس هناك لا يأبهون لنا. إنهم يطلقون علينا لقب كلاب الشيعة، فكيف أقاتل من أجل أي من هؤلاء بعد الآن؟». من جانبه، أكد الخبير الأمني العراقي، سعيد الجيشي، أن سكان الأنبار عليهم دعم القوات العراقية و«إلا سنخسر غرب العراق بأكمله».
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.