الصحافة الورقية والانتفاضات العربية... محاولات للتغطية رغم المعوّقات

صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث
صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث
TT

الصحافة الورقية والانتفاضات العربية... محاولات للتغطية رغم المعوّقات

صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث
صحف لبنان تغطي الحدث الآني من الاحتجاجات و«النهار» تنفرد وحدها بتكريس عدد خاص للأحداث

تعاني الصحف الورقية المحلية في كل من العراق ولبنان والجزائر منذ سنوات من شح في الموارد وغياب الإعلانات إلى جانب معوّقات أخرى في كل بلد. إذ اضطرت مطبوعات يومية لبنانية إلى التوقف عن الصدور لغياب التمويل، وأدى التوتر الأمني في العراق إلى تعذر صدور المطبوعات، والأمر لم يكن مختلفاً في الجزائر. وفي ظل الاحتجاجات التي تشهدها تلك الدول الثلاث، حاولت الصحف الورقية إنصاف الحدث والتغطية رغم المعوقات... كل على طريقته الخاصة.

صحف العراق... بالكاد تواصل صدورها
رغم الضعف العام الذي تعاني منه الصحف الورقية الصادرة في العراق، سواء قبل انطلاق موجة المظاهرات مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أو بعدها، لأسباب كثيرة لا يتسع المجال هنا لذكرها، فإن التغطيات الخبرية لاحتجاجات العراق، سواء على مستوى الصحافة المكتوبة، أو على مستوى القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أصيبت بنكسة حقيقية منذ انطلاق المظاهرات بسبب الإجراءات التعسفية وغير المسبوقة التي مارستها السلطات العراقية ضد حرية التعبير ونقل المعلومات بشكل عام وعبر مختلف الوسائل. إذ عمدت السلطات إلى القطع شبه المنظم لشبكة الإنترنت ومنع غالبية الفضائيات من تغطية الاحتجاجات والاعتداء على بعضها، إلى جانب صعوبة الحركة والتنقل التي تعاني منها الصحافة الورقية في ظل الظروف المتوترة السائدة وصعوبة وصول الصحافيين إلى مكاتبهم نتيجة قطع كثير من الطرق في العاصمة بغداد.
غير أن التحديات والظروف والمصاعب الآنفة لم تمنع الصحف البغدادية إجمالاً من الصدور والقيام بالتغطيات الخبرية الممكنة حول المظاهرات في مختلف المناطق العراقية. وقامت بعض المؤسسات والشخصيات الإعلامية والصحافية بجهود استثنائية لتغطية أخبار المظاهرات. وفي هذا السياق أصدرت مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون جريدة يومية توزع مجاناً باسم «الاحتجاج» تتناول قصص المحتجين وتسلط الضوء على الفعاليات التي يقومون بها والأحداث التي يتعرضون لها.
يقول الصحافي في جريدة (المدى) علي حسين، إن «الصحيفة صدرت بعد 3 أيام من انطلاق الاحتجاجات في 25 أكتوبر الماضي، ووزع ملحقها (الاحتجاج) في بغداد ومعظم المحافظات العراقية».
ويضيف حسين في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «(المدى) تسعى للوصول إلى ساحات الاحتجاج كما افتتحت مكتبة باسم (مكتبة شهداء التحرير) داخل المطعم التركي، أو ما بات يعرف بـ(جبل أحد)».
ويشير إلى أن «المكتبة هي مساهمة بسيطة تقدمها المؤسسة والقائمون عليها إلى المتظاهرين الذين يضحون بأرواحهم من أجل الإصلاح والتغيير وأبوابها مفتوحة لكل المحتجين، وتقوم المكتبة بتقديم الكتب المجانية، إلى جانب توزيع جريدة المدى وملحق الاحتجاج». كذلك أصدر جريدة «الصباح الجديد» ملحقاً، تضمن صور الاحتجاجات مع بعض التعليقات عليها.
إلى جانب الجهود التي قامت بها مؤسسة المدى، أصدرت مجموعة من الصحافيين في ساحة التحرير صحيفة «تُكْتك» تيمناً بسواق عربة «التوك توك» من الشباب الذين كان لهم الدور الأبرز في نقل الجرحى والمصابين إلى المستشفيات القريبة من ساحة التحرير.
وقال الصحافي أحمد الشيخ ماجد أحد المساهمين في إصدار وتحرير الصحيفة في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصحيفة تهدف إلى تغطية وتوثيق كل الفعاليات الاحتجاجية في ساحة التحرير، وفي مقدمتها نشاطات وبطولات شباب التوك توك».
وأضاف أنها «انطلقت من ساحة التحرير وتنتهي بها، بمعنى أنها ستستمر في الصدور لحين انتهاء الاعتصامات والاحتجاجات المحقة وتحقيق أهدافها».
وأصدر الصحافي عبد الرزاق الساعدي مطبوعة أو صحيفة ورقية اسمها «25 أكتوبر» صدرت بمجموعة أعداد بهدف تغطية أخبار الاحتجاجات الشعبية. كذلك صدر مؤخراً مطبوع يحمل عنوان «الانتفاضة» للهدف ذاته المتمثل في تغطية الاحتجاجات وأخبارها.
ونظراً لضعف الإمكانات خصوصاً المادية منها لدى الصحافيين والكتاب الذين أصدروا تلك المطبوعات، بدا واضحاً ومن خلال عمليات الطباعة والتحرير أن بعضها لم يتوفر على القدر الكافي من الرصانة والعمل الاحترافي. كما أسهم الانقطاع شبه التام لشبكة الإنترنت في تراجع مستوى الصحف العراقية بشكل عام لصعوبة أو انعدام الحصول على المعلومات والبيانات الرسمية وشبه الرسمية.
مدير تحرير جريدة «العالم» مصطفى عبادة يقر بصعوبة الظروف التي تواجهها المؤسسات الصحافية والإعلامية بشكل عام، نتيجة أوضاع البلاد المعقدة المرتبطة بالحراك الاحتجاجي وقطع الإنترنت والطرق في أغلب الأحيان.
ويقول عبادة لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه ظروفاً صعبة جداً وبالكاد نستطيع أن ننجز متطلبات صدور الصحيفة، ورغم ذلك واصلنا العمل وإصدار الصحيفة بشكل منتظم».
ويشير إلى أن صحيفته «لم تتمكن من إصدار ملاحق خاصة بالاحتجاجات واكتفت بالتغطية الخبرية عبر مطبوع الصحيفة اليومي».

الصحف الورقية اللبنانية تواكب... كل على طريقتها
خلال الاحتجاجات الشعبية القائمة في لبنان منذ أكثر من 20 يوماً، حصدت وسائل الإعلام المرئية الحصة الكبرى من نسب التغطية لها. فلقد تابع اللبنانيون عبر شاشاتهم الصغيرة جميع مراحلها منذ انطلاقتها ولغاية اليوم لحظة بلحظة. ولعب مراسلو محطات التلفزة الموزعون على مختلف المناطق التي احتضنت «لبنان ينتفض» دوراً أساسياً في عملية تغطيتها. وانشغل متتبعو أخبار هذه الانتفاضة من ناحية ثانية بقراءة أخبار المواقع الإلكترونية والتعليقات والتغريدات الواردة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فشكلت مشهدية تكتمل معها صورة الثورة إلكترونياً وتلفزيونياً.
وفي مقابل كل الضجيج الذي أثارته الوسائل المذكورة في تغطيتها للمظاهرات في البلاد، غطت الصحافة الورقية، كل على طريقتها. ففي حين اكتفى البعض بتغطية أخبار المظاهرات ضمن إطار تركيبة صفحاتها العامة لتتوزع بين مقالات وتحليلات وأخبار وصور، أخذت صحف أخرى على عاتقها تخصيص غالبية صفحاتها للتحدث عنها. وفي المقابل صحيفة واحدة لبنانية شذّت عن القاعدة وأصدرت ملحقاً خاصاً بالثورة، بعد أن توجّهت به إلى النساء، وذلك للإضاءة على الدور الاستثنائي الذي تلعبه فيها.
وفي خضم أخبار الصحافة الورقية وكيفية تعاطيها مع الحراك المدني الذي تشهده معظم المناطق اللبنانية، فإن انتفاضات داخلية من نوع آخر عمّت جريدة «الأخبار» مثلاً التي شهدت استقالات محررين «نتيجة تراكم أسباب آخرها أداء الجريدة في تغطية انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول)»، كما أوضحت محررة في تغريدات وتعليقات لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فثورة «لبنان ينتفض» لم تترك أثرها فقط على المواطن اللبناني، بل طالت أيضاً أبناء البيت الواحد في مؤسسات إعلامية ورقية ومرئية خرج بعض منها إلى العلن وانتشرت بين اللبنانيين.
وإذا استعرضنا كيفية تعاطي الصحف اللبنانية مع حركة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، فنلاحظ أن جريدة «النهار» كانت الوحيدة التي أصدرت في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عدداً خاصاً بالثورة تضمن ملحقاً خاصاً عنونته «نهارك»، توجهت به إلى العنصر النسائي المشارك في «لبنان ينتفض» بعد أن لعب دوراً بارزاً فيها. وتصدرت صور نساء ثائرات من مختلف الأعمار يحملن العلم اللبناني الصفحات الـ8 التي يتألف منها هذا الملحق. وكتبت على الصفحة الأولى منه تحت عنوان «نهارك» مقطعاً من النشيد الوطني اللبناني. وتميز بإدخال تعديل بسيط على النسخة الأصلية منه التي تتضمن مقطع «سهلنا والجبل منبت للرجال» ولتصبح «سهلنا والجبل منبت للنساء والرجال»، في إشارة من الصحيفة إلى أهمية دور المرأة في بناء الوطن، ولونتها بالأحمر في نص كتب بالأسود على خلفية بيضاء، ليأخذ حيزاً كبيراً عبر تعليقات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن أثنوا عليها.
أما جريدة «نداء الوطن» فقد خصصت لأخبار الثورة في مختلف المناطق اللبنانية أعداداً كاملة منذ انطلاقة الشرارة الأولى لثورة «لبنان ينتفض» وعلى مدى 15 يوماً متتالياً منها. ويؤكد رئيس تحريرها بشارة شربل في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الصحيفة وضعت جميع كادراتها في سبيل تغطية الثورة على المستوى المطلوب. وغابت الملاحق الخاصة بالثورة عن الصحف الأخرى نظراً لتردي أحوالها الاقتصادية، كما ذكر بعضها لـ«الشرق الأوسط» من ناحية، أو لموقف سياسي مضاد من الثورة يضعها في المقلب الآخر منها.
«الفكرة لم ترد من أساسها في صحيفة (الجمهورية)، لأننا كنا نغطي أخبار الثورة يومياً بشكل شامل لتحتل نحو 12 صفحة من أصل 32 تتألف منها صحيفتنا المعروفة صفحاتها بحجم (تابلويد)، أي أصغر من تلك السائدة في صحف محلية أخرى»، يقول طارق ترشيشي مدير تحرير صحيفة «الجمهورية».
وكما «اللواء» و«الشرق» وغيرهما، كذلك جريدة «الديار» غاب عنها تخصيص ملحق يحكي فقط عن الثورة اللبنانية طيلة أيامها منذ انطلاقها وحتى الساعة.

الإعلام والحراك في الجزائر من التمجيد إلى التجاهل
في بداية الحراك الشعبي في الجزائر، 22 فبراير (شباط) 2019، صوبت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة كامل مادتها لـ«الحدث التاريخي»، فكان النقل المباشر للمظاهرات بالفضائيات والمواقع الإلكترونية الإخبارية، وخصصت الجرائد غالبية صفحاتها له. وانخرط الإعلام بشكل كامل في الاحتجاجات، بل أصبح جزءاً منها حينما نظم صحافيو التلفزيون العمومي مظاهرة بمقره للاحتجاج على التكميم والغلق الذي طاله خلال 20 سنة من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وشعر الصحافيون بنشور الحرية لأول مرة منذ الانفتاح السياسي والإعلامي، الذي أتاحه «دستور التعددية» الذي أصدره الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد عام 1989. وأصيبت حرية الإعلام في مقتل مع بداية الإرهاب الذي اغتال أكثر من 100 صحافي وعامل في المؤسسات الإعلامية. واستمر القهر مع وصول بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 وإعلانه صراحة أن الصحافيين هم أحد خصومه. وتم تشغيل الأجهزة الأمنية بكل طاقتها لتطويع الإعلام لسياسات الرئيس، وبالخصوص مشاريع السلم والوئام التي اعتمدها، لإسكات لغة السلاح.
وعرفت وسائل الإعلام في بداية الحراك، تنافساً على نقل جوانبه الاستثنائية، وسارعت القنوات الإذاعية والتلفزيونية الحكومية، لاستضافة معارضين كانوا ممنوعين من الظهور بسبب معارضتهم بوتفيلقة، وأشهرهم وزير الإعلام سابقاً عبد العزيز رحابي، ورئيس حزب «جيل جديد» سفيان جيلالي، والباحث الكبير في الاجتماع ناصر جابي. وتم إطلاق برامج حوارية في الفضائيات الخاصة، وكانت تدار بنبرة حرية غير عادية. واعتقد الكثيرون أن التضييق على الإعلام ولّى إلى غير رجعة.
وواكب الإعلام بشكل لافت المتابعات القضائية التي طالت وجهاء النظام في عهد بوتفليقة، بما فيها شقيقه وكبير مستشاريه. فبعضهم سجن بتهم الفساد، والبعض الآخر بتهم التآمر على الجيش. واللافت أن غالبية وسائل الإعلام لم تبدِ اهتماماً بالبحث عن الأدلة التي بنى عليها القضاة التهم الموجهة لهؤلاء، ولا بالوقائع التي على أساسها قامت التهم، وذلك لعلمهم أن ملفات المتابعة يقف وراءها الجيش، وبالتالي يصبح الخوض فيها مجازفة قد تجر الصحافي إلى التعرض لتهمة «إفشاء أسرار التحقيق».
وظن الجيش أن الحراك الشعبي سيتوقف بعد سجن رموز بوتفليقة، فما وقع بعد مرور الأشهر الأولى من الأحداث، أن المتظاهرين تطورت مطالبهم إلى إحداث تغيير شامل للنظام برحيل قائد الجيش قايد صالح والرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح ورئيس الوزراء نور الدين بدوي. وتغير تعامل قائد الجيش مع المتظاهرين، فاتهمهم بـ«التنكر له»، بحجة أنهم «ما كانوا يحلمون برحيل العصابة عن الحكم»، التي يعود له الفضل، حسبه، في إبعادها عن السلطة.
وأمام استمرار الهجومات المتتالية الحادة لقايد صالح ضد الحراك، بدأ اهتمام الإعلام بالمظاهرات يتراجع وغاب النقل المباشر للموجات البشرية وهي تجوب شوارع العاصمة والمدن الكبيرة، يوم الجمعة بالنسبة للحراك، ويوم الثلاثاء الذي تجري فيه مظاهرات طلاب الجامعات، إلى أن اختفت التغطية نهائياً.
وتلقت كبرى الصحف والفضائيات ضغوطاً شديدة من السلطة لدفعها إلى «العدول عن تمجيد الحراك»، وقد أذعنت لها بسبب ظروفها المالية الصعبة، في حين يقول مراقبون إن غالبية الصحافيين اليوم لم يسبق لهم النضال من أجل حرية الصحافة، ولذلك استسلموا للخوف بسهولة، حسبهم.
وبسبب نقص اهتمام الإعلام بالحراك، أصبح الصحافيون هدفاً للمتظاهرين الذين منعوا بعضهم من تغطية الاحتجاجات الأسبوعية، ووصفوهم بأنهم «جزء من العصابة».



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».