الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات

مشروع قانون حكومي بريطاني لم يشمل مخاطر التمويل الأجنبي للحملات

الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات
TT

الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات

الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات

بريطانيا على انتخابات عامة وشيكة في 12 ديسمبر المقبل
كما تدخل الولايات المتحدة دورة الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. ومع اقتراب هذه الانتخابات تزداد المخاوف من تدخل شركات التواصل الاجتماعي العملاقة، مثل غوغل وفيسبوك في التأثير على خيارات الناخبين سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق أطراف تدفع مبالغ هائلة في إعلانات على صفحات موجهة للمتابعين أو على صفحات المتابعين أنفسهم.
ولا يتعلق الأمر بتكهنات حول احتمال تدخل شركات التواصل الاجتماعي وإنما تستند المخاوف إلى وقائع فعلية في الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، وأيضا حملات خروج أو بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
المعادلة السابقة في بريطانيا كانت بسيطة. فكل حزب سياسي رئيسي تخصص له مدة تلفزيونية معينة قبيل الانتخابات يشرح فيها جوانب من برنامجه أو يوضح نقائص الأحزاب الأخرى. ثم يختار الناخب الحزب الذي يوافق توجهاته. وفي الغالب كان مشاهدو التلفزيون يتجنبون مشاهدة هذه الفترات الإعلانية التي تصيبهم بالملل، بتحويل المحطة إلى برامج أخرى.
الآن لا تعرف الأحزاب أو الحكومات كمية الإعلانات السياسية التي سوف تبث قبل وأثناء الانتخابات. والأهم من ذلك أنها لا تعرف من الذي يقف وراءها ويدفع تكلفتها. وسبب الغموض أن الإعلانات لا تنشر بوجه عام، مثل التلفزيون أو الراديو أو الصحف، وإنما تتوجه فقط للشريحة المعنية ولا يراها غير هذه الشريحة. ولذلك لا يستطيع الإعلام أو الجهات الرقابية معرفة إبعاد هذه الإعلانات أو إلى ماذا تهدف.
وفي الماضي كان التواصل الاجتماعي يقتصر على الشباب، ولكنه يصل الآن إلى جميع شرائح المجتمع بمن فيهم من كبار السن. وتطور الأمر في السنوات الأخيرة من إعلانات دعائية سافرة مثل «هيا نعطي الخدمات الصحية في بريطانيا مبلغ 350 مليون إسترليني ندفعها إلى الاتحاد الأوروبي كل أسبوع - صوت للخروج من أوروبا ولنستعيد السيطرة»، وهو إعلان فج ولكنه أتى بمفعوله ونتج عنه تصويت أغلبية صدقته لخروج بريطانيا من أوروبا.
واتضح من المعلومات أن حملات بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أنفقت أموالا أكثر من حملات «بريكست» للخروج من أوروبا. وأن الممول هو كاتب تلفزيوني أخرج حلقات ناجحة. ولكن الاعتقاد السائد هو أنه مجرد واجهة لجهات أخرى هي التي قامت بالتمويل.
ويقول النائب البرلماني البريطاني داميان كولينز عضو لجنة مكافحة الأخبار الكاذبة أن الروس تدخلوا في انتخابات دول أخرى عن طريق منظمات تبدو في ظاهرها وكأنها جهات دعاية محلية. وفي أميركا أنشأ الروس صفحات أميركية محلية ولكن إدارتها كانت من سان بطرسبرغ في روسيا. وطالب كولينز بتعديل القوانين من أجل منع مثل هذه الممارسات ومراقبة شركات التواصل خصوصا أن المبالغ التي تنفق في هذا المجال هائلة.
من ناحية أخرى طالب نائب برلماني بريطاني آخر اسمه إيان لوكاس بتنظيم عمل شركات التواصل وفرض رقابة عليها خصوصا فيما يتعلق بالانتخابات أو الآراء السياسية، وذلك لأن تأثيرها أصبح واضحا في توجيه الرأي العام. وأضاف أن أعنف المعارك الانتخابية الآن تدار من على منصات شركات التواصل الاجتماعي.
وأضاف لوكاس أنه يستخدم «فيسبوك» في التواصل لأنه لو لم يفعل ذلك فسوف يفقد المنافسة للآخرين. وكان لوكاس في الماضي يلجأ إلى الطرق التقليدية بالذهاب إلى المنازل وطرق الأبواب لكي يتحدث إلى الناخبين.
وتغير الوضع الآن حيث تجمع شركات التواصل الاجتماعي المعلومات عن متابعيها وترسم لهم صورة متكاملة ثم توجه إليهم الأفكار والرسائل التي تريد بها التأثير عليهم من دون أي رقابة على من يقف خلف هذه الدعاية أو حجم تمويلها. وتقليديا تخضع الانتخابات البريطانية إلى رقابة مشددة من حيث التمويل ومصادره.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي صرح متحدث من «فيسبوك» أن الشركة دشنت عدة أدوات جديدة من أجل زيادة الشفافية خصوصا فيما يتعلق بالأمور السياسة. وتشمل هذه الأدوات ذكر مصدر التمويل والطلب من المعلنين الإفصاح عن هويتهم وعن موقعهم الجغرافي. كما يحتفظ «فيسبوك» بمكتبة إعلانات في الأرشيف لمدة سبع سنوات.
وقال المتحدث إن الشركة اتخذت أفضل موقف في الصناعة حول الشفافية السياسية في بريطانيا، وتذهب إلى أبعد من المتطلبات القانونية. وقال السياسي البريطاني السابق نيك كليغ الذي يعمل الآن في «فيسبوك» إن الشركة سوف تقيم مركز عمليات في دبلن للتركيز على نزاهة الإعلانات السياسية، وذلك في محاضرة له ألقاها في بروكسل. وقال كليغ إن هذا التوجه يقع ضمن جهود الشركة لمكافحة الأخبار الكاذبة ويشارك فيها خبراء من جميع أقسام الشركة.
لكن على الرغم من جهود شركات مثل «فيسبوك» لتعزيز الشفافية والنزاهة في مجال الإعلانات السياسية، فإن لجنة برلمانية بريطانية حذرت من التساهل في عدم تعديل القانون لفرض رقابة على شركات التواصل الاجتماعي من أجل الالتزام بقواعد الحملات الانتخابية.
وترى اللجنة أن القوانين الحالية لم تعد كافية لأنها لا تغطي حملات الانتخاب الرقمية، ولا تحدد المبالغ التي يتعين الالتزام بها في الإعلانات الرقمية أو الجهات التي تنفق الأموال ومواقعها الجغرافية. وانتقد النواب مشروع تعديل قانوني تقدمت به الحكومة البريطانية في شهر أبريل (نيسان) الماضي لم يتضمن هذه الشروط.
ولم يشمل مشروع القانون الحكومي مخاطر التمويل الأجنبي للحملات الانتخابية أو تأثير مجموعات الدعاية سواء مدفوعة أو مجانية على توجهات الناخبين. وأضافت اللجنة البرلمانية «أن الخطوات التطوعية التي قامت بها إدارة (فيسبوك) من أجل تحديد الإعلانات السياسية والجهات الممولة لها، جاءت محدودة للغاية ولا تعالج المخاوف الشعبية».
من النقاط الأخرى التي أثارتها اللجنة البرلمانية ضرورة الحياد في تعيين المراقب العام على جهة الإشراف على شركات التواصل. وطالبت اللجنة بحق الفيتو على أي تعيين حكومي حتى يتم اكتساب ثقة الرأي العام بضمان اللجنة، مثلما هو الحال في لجان أخرى مالية وثقافية.
من ناحية أخرى قام صحافي من «بي بي سي» اسمه رامول راجان ببحث ميداني قبل شهرين للتحري عمن يراقب الإعلانات السياسية على الإنترنت. وكانت ردود الفعل متفاوتة بين ثلاث جهات إشراف. فمن ناحية قالت لجنة الإشراف على الانتخابات أن تركيزها هو على تمويل الحملات الانتخابية، وقالت لجنة أخرى إنها تهتم فقط بسرية المعلومات الشخصية وحماية الأفراد. وأكدت لجنة الإشراف على معايير الإعلانات أنها لا تتعامل مع الإعلانات السياسية.
وهنا تتضح الفجوة التي تنفذ منها حملات الدعاية السياسية الممولة سرا على مواقع الإنترنت. وأكد الصحافي راجان أن السبيل الوحيد لمراقبة مثل هذا التمويل غير المنضبط على مواقع التواصل الاجتماعي هو سن قوانين جديدة. وبعد مراجعة مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة البريطانية مؤخرا، وجد راجان أنه لا يوفر سلطات كافية لضبط التدخل في السياسة من أطراف غامضة عبر الإنترنت.
المطالب الحالية من عدة جهات رقابية تشمل جوانب واضحة: يجب أن توضح أي حملات رقمية سياسية على الإنترنت الجهات التي تقف وراءها وأن يمنع تماما تدخل جهات أجنبية خصوصا من جهة التمويل. وتضيف لجنة الانتخابات أن الغرامات يجب أن تكون أعلى مقارنة بما تحققه شركات التواصل من مكاسب هائلة، وأن تتمتع اللجنة بسلطات أعلى للحصول على المعلومات من شركات التواصل. وحتى الآن لا يغطي القانون البريطاني هذه الفجوات ولكن الوعي المتزايد بها قد يغير الوضع قريبا.

الآراء تختلف حول منع «تويتر» للإعلانات السياسية
> أثار قرار منصة «تويتر» للتواصل الاجتماعي الكثير من ردود الفعل المؤيدة والمعارضة لقرارها منع الإعلانات السياسية، وهو قرار يقول المعلقون إنه قرار اتخذ لأنه لن يكلفها كثيرا. المؤيدون يدعمون القرار على أساس أن ناشري الأخبار الكاذبة يجدون سهولة هذه الأيام في نشر الشائعات والادعاءات التي لا تستند إلى الصحة على منصات التواصل الاجتماعي ويحدث هذا بكم ضخم وبلا رقيب. والضمان الأساسي لعدم تسرب مثل هذه الأكاذيب إلى المجال السياسي هو منع الإعلانات السياسية بالمرة.
وتشير تقارير «تويتر» إلى أن المنصة حققت ثلاثة ملايين دولار فقط من إعلانات الانتخابات الأميركية النصفية في عام 2018 ولم يستخدمها إعلانياً سوى 27 جهة فقط في الانتخابات البرلمانية الأوروبية هذا العام.
المعارضون يأخذون هذه الحسابات كدليل على أن «تويتر» لا يسعى إلى الشفافية السياسية بقدر ما يسعى إلى تسجيل النقاط في مجال لا يحقق له الكثير من الأرباح. ويقول أصحاب هذا الموقف أن القرار الصحيح ليس في المنع أو السماح بنشر الإعلانات السياسية، بل باتخاذ قرار وسطي والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها إعلانيا.
كما يرى هؤلاء أن المسألة أكثر تعقيدا من مجرد المنع وأن الجوانب الأكثر خطورة هي استهداف الأفراد من ذوي الميول المعينة بالإعلانات السياسية، وهو جانب يستوجب المنع.
والاعتقاد السائد هو أن «تويتر» اتخذ هذا القرار بناء على قواعد مالية وليس آيديولوجية أو أخلاقية.

معركة الانتخابات البريطانية المقبلة تجري على مواقع التواصل الاجتماعي
> تقبل بريطانيا على انتخابات برلمانية حاسمة في الـ12 من شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وتجري الاستعدادات من الآن على خوض معركة عاتية لانتزاع أصوات الناخبين عبر التواصل معهم على وسائط التواصل الاجتماعي. فالمجالات الإعلامية الأخرى سواء في الصحف أو الراديو أو التلفزيون محدودة بفعل قلة الإقبال وعدم الاهتمام والقيود المفروضة على المحتوى الإعلاني، خصوصا في المجال الإلكتروني.
حزب المحافظين الحاكم استدعى خدمات عدد من خبراء الميديا من أجل إدارة حملة الحزب الإلكترونية خصوصا على «فيسبوك»، وذلك بعد أن تعلم الحزب الدرس من فشل حملته الإلكترونية السابقة في انتخابات عام 2017 التي تفوق فيها حزب العمال. وسبق لجهود هؤلاء الخبراء أنفسهم أن نجحت في أستراليا التي فاز فيها ائتلاف يميني ضد كل التوقعات بفضل حملات الإنترنت.
المؤشرات الأولية في بريطانيا تشير إلى أن الأحزاب اليمينية هي الأكثر إنفاقا حتى الآن على وسائل التواصل الاجتماعي مثل حزب «بريكست» الذي بلغ إنفاقه نحو 107 آلاف إسترليني (139 ألف دولار)، وحزب المحافظين الذي أنفق 100 ألف إسترليني (130 ألف دولار) في الأيام القليلة الماضية. ومن المتوقع أن تتضاعف هذه المبالغ في الأسابيع المقبلة حتى موعد الانتخابات وأن تلحق أحزاب أخرى بحملات الترويج الانتخابي على الإنترنت.
وعلى الرغم أن القوانين البريطانية ما زالت قاصرة في تنظيم عمل وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الشركات نفسها تبنت المزيد من الشفافية في الإفصاح عن نشاطها ومدخولها الإعلاني بناء على الضغوط العامة التي واكبت نشر الأخبار الكاذبة عليها، وظهور بعض الفضائح في عدم المحافظة على سرية معلومات مستخدمي الشبكة.
وما زالت المخاوف والشكوك تلاحق ما ينشر على وسائط التواصل الإلكتروني، خصوصا فيما يتعلق بالتدخل الأجنبي كما حدث في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة في عام 2016، وأيضا نشر الأخبار الكاذبة والشائعات.
وفي «فيسبوك»، أكبر شبكة تواصل في العالم، تحسنت وسائل ضبط المعلومات المنشورة عليها ولكن المؤسسة لم تمنع الإعلانات السياسية مثلما فعلت منصة «تويتر»، ولذلك فهي تتعرض لأكبر نسبة من النقد على معلومات مغلوطة تنشر عليها. ولا تقتصر الحملات الانتخابية على «فيسبوك» وحده بل يشمل مواقع أخرى متنوعة مثل إنستغرام وغوغل وتويتر وسنابتشات وواتساب.



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».