لو ضم غوارديولا لاعبين بشخصيات قوية لحقق المزيد من النجاح

كان من الممكن أن يفوز مدرب سيتي بعدد أكبر من البطولات إذا تعاقد مع نجوم مثل كومباني

افتقد غوارديولا شخصية كومباني القوية
افتقد غوارديولا شخصية كومباني القوية
TT

لو ضم غوارديولا لاعبين بشخصيات قوية لحقق المزيد من النجاح

افتقد غوارديولا شخصية كومباني القوية
افتقد غوارديولا شخصية كومباني القوية

تتمثل واحدة من الكثير من المآسي التي تعاني منها الإنسانية في أن الأشياء التي نحبها في الآخرين - وحتى في أنفسنا - ترتبط بقوة بالأشياء التي لا نحبها. لذلك عندما نثني على رؤية ودقة ومثالية المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، الذي ساعدته هذه الخصال على تقديم واحدة من أجمل كرة القدم عبر العصور، فيتعين علينا أيضا أن نشير إلى حماسته ونرجسيته، التي أدت إلى بعض الإخفاقات التي كان من السهل تجنبها.
وفي أول مواسمه في عالم التدريب - موسم 2008 - 2009 - قاد غوارديولا نادي برشلونة للفوز بالثنائية المحلية (الدوري والكأس) والوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا. وفي ظل غياب رافائيل ماركيز وداني ألفيش وإريك أبيدال، وفي الوقت الذي كان سيفكر فيه أي شخص عادي بالدفع بمارتين كاسيريس أو مارك مونيسا – وكلاهما مدافع – لتعويض النقص الواضح في خط الدفاع، قرر غوارديولا الدفع باللاعب الإيفواري يايا توريه – وهو لاعب خط وسط – في خط الدفاع، وقاد الفريق للفوز على مانشستر يونايتد بهدفين مقابل هدف وحيد.
وعندما رحل يايا توريه في عام 2010، استبدل به غوارديولا خافيير ماسكيرانو، الذي سرعان ما غير غوارديولا مركزه ليلعب في خط الدفاع. وكان السبب وراء ذلك واضحا للجميع؛ حيث كان غوارديولا يرغب في أن يكون مدافع الفريق يتميز بالقدرة على تمرير الكرة بسرعة ودقة كبيرة، وبناء الهجمات من الخلف. وفي كرة القدم، كما هو الحال في جميع الألعاب الرياضية، فإن السرعة هي التي تتفوق دائما في أي مواجهة. وقاد غوارديولا برشلونة للفوز بلقب الدوري الإسباني للعام الثالث على التوالي، ثم كون بعد ذلك واحداً من أفضل الفرق في تاريخ الساحرة المستديرة وأذل مانشستر يونايتد في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2011.
وفي عام 2013، تولى غوارديولا قيادة بايرن ميونيخ الألماني. وعلى الفور، أعاد خافي مارتينيز إلى خط الدفاع، ومرة أخرى فاز بلقب الدوري المحلي ثلاث مرات متتالية، كما قاد العملاق البافاري للفوز بلقبين لكأس ألمانيا. لكن في دوري أبطال أوروبا، لم يتمكن بايرن ميونيخ من تجاوز عملاقي الكرة الإسبانية ريال مدريد وبرشلونة واهتزت شباكه بخمسة أهداف أمام كل منهما، قبل أن تتم الإطاحة به من البطولة أمام أتليتيكو مدريد.
وفي مانشستر سيتي، استمرت الأمور على نفس المنوال؛ حيث كان غوارديولا يشتري المدافعين وحراس المرمى الذين يجيدون اللعب بالقدمين وبناء الهجمات من الخلف، وقاد النادي للحصول على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، بالإضافة إلى عدد من بطولات الكأس المحلية وتحطيم الكثير من الأرقام القياسية. لكن في بطولة دوري أبطال أوروبا؛ حيث تكون الضغوط أكبر وهامش الخطأ المقبول أقل، لم يحقق الفريق النتائج المتوقعة؛ حيث ودع مانشستر سيتي البطولة بعد الخسارة أمام أندية تبدو على الورق أقل منه في المستوى في ثلاثة مواسم متتالية، على الرغم من أن مانشستر سيتي كان أفضل فريق في أوروبا في اثنين من هذه المواسم الثلاثة، وبفارق كبير عن أقرب منافسيه.
وفي مثل هذا السياق، أصبح من المألوف أن نسمع كثيرين يقولون إن غوارديولا فشل في الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا من دون النجم الأرجنتيني العبقري ليونيل ميسي. قد يكون هذا صحيحا، لكن الحقيقة قد تكون مختلفة بعض الشيء، لأنه في عامي 2009 و2011، لو كان هجوم مانشستر يونايتد يضم ميسي ومارادونا وأقوى المهاجمين في تاريخ كرة القدم فإن الفريق الإنجليزي كان سيخسر أيضا، لأنه لم يكن يستحوذ على الكرة من الأساس في ظل امتلاك برشلونة لخط وسط مرعب يضم كلا من سيرجيو بوسكيتس وتشابي وأندريس إنييستا.
وتقول الحقيقة إن المنتخب الإسباني الذي كان يضم هذا الثلاثي الاستثنائي قد نجح – من دون ميسي – في الفوز بكأس العالم وكأس الأمم الأوروبية من دون أن يستقبل أي هدف في مباريات خروج المغلوب؛ وفي المقابل فإن المنتخب الأرجنتيني قد فشل – رغم وجود ميسي – في الفوز بأي شيء! إنه دليل غير كامل، لكن الشيء الواضح والذي لا جدال فيه هو أن كرة القدم لم تشهد ثلاثيا بهذه الروعة في خط وسط أي فريق من قبل، ولا نرى خط وسط مثل هذا في الوقت الحالي، ولن نرى مثله في المستقبل أيضا. ومع ذلك، رفض غوارديولا، الذي يعرف هذه الحقيقة أكثر من أي شخص آخر، تغيير طريقته وفلسفته في التدريب.
ولا تكمن مشكلة غوارديولا في أنه لا يريد أن يفهم ما يحدث ما حوله، لأنه انضم إلى برشلونة وهو في الثالثة عشرة من عمره وتشرب بأخلاقيات النادي، ثم عاش بهذه الأخلاقيات والقواعد في كل يوم من الأيام التي كان يلعب خلالها مع الفريق، كما أنه تولى تدريب الفريق الذي كان يضم عددا من أعظم المواهب في العالم، ويرى كثيرون أن برشلونة في ذلك الوقت يعد أعظم فريق عبر كل العصور. وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن أن يكون الهدف الذي يسعى لتحقيقه أقل مما تربى ونشأ عليه؟
لكن الأمر لا يتعلق بالأمور الخططية والتكتيكية فقط. ودائما ما يريد غوارديولا من اللاعبين الذين يتولى تدريبهم أن يلعبوا بشكل سريع وقوي ومرن للدرجة التي تجعل المشاهد يشعر بأن الفريق يتحرك مثل الآلات التي تعرف كل منها دورها بمنتهى الدقة، وهو الأمر الذي يفسر قدرة الفريق على الفوز في عدد كبير من المباريات المتتالية وتجميع عدد قياسي من النقاط. لذلك، لا يمكن لأي فريق أن يجاري مانشستر سيتي إذا كان في حالته الطبيعية. لكن عندما لا يكون الفريق في حالته المعتادة - وعندما تجبر الظروف لاعبي الفريق على اللعب بطريقة مختلفة - فإن الفريق يكون معرضا للانهيار.
وأمام ليفربول في عام 2018، تلقت شباك مانشستر سيتي ثلاثة أهداف في تسع دقائق في الدوري الإنجليزي الممتاز، وثلاثة أهداف في 19 دقيقة في دوري أبطال أوروبا. وأمام مانشستر يونايتد، وبينما كان الفريق يسعى لحسم لقب الدوري الإنجليزي الممتاز على حساب غريمه التقليدي، تلقت شباك الفريق ثلاثة أهداف في غضون 16 دقيقة. وأمام توتنهام في دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، اهتزت شباك مانشستر سيتي مرتين في غضون ثلاث دقائق. ويعود السبب في ذلك بصورة جزئية إلى ضعف خط دفاع الفريق، لكن هذا الأمر يرجع أيضا إلى عدم امتلاك الفريق للاعبين من أصحاب الشخصيات القوية الذين لا يمكن التحكم بهم مطلقا.
وعلى مدار العقد الماضي، دخل غوارديولا في خلافات مع يايا توريه وزلاتان إبراهيموفيتش وصامويل إيتو، وعلى الرغم من وجود مبررات لذلك داخل أرض الملعب، فإن العامل المشترك بين هؤلاء اللاعبين الثلاثة هو قوة الشخصية. ربما تكون هناك انتقادات تتسم بالعاطفية في هذا الشأن – كمال كرة القدم التي يقدمها غوارديولا لا يتفق مع شخصيات اللاعبين الذين يلعبون بشكل حماسي وفردي – لكن الحقيقة هي أن أي فريق يرغب في الفوز بالبطولات والألقاب يجب أن يضم مجموعة مختلفة من اللاعبين والشخصيات، وهو ما يساعد الفريق على التعامل مع الاحتمالات المختلفة التي يمكن أن تتكشف أثناء المنافسات القوية. ولو تخلى غوارديولا بعض الشيء عن القواعد التي يلتزم بها في عمله التدريبي، فكان من الممكن أن يحقق نجاحا أكبر.
في الحقيقة، هناك جزء من غوارديولا يقدر هذا الأمر، والدليل على ذلك أنه اعتمد في الجولة الأخيرة من الدوري الإنجليزي الموسم الماضي على المدافع البلجيكي فينسينت كومباني، الذي كان أقوى شخصية داخل الفريق. لكن عندما رحل كومباني في فترة الانتقالات الصيفية الماضية، لم يبحث غوارديولا عن مدافع بديل، لكنه أنفق الأموال المخصصة للدعم على التعاقد مع لاعب خط الوسط الإسباني رودري، الذي يتميز بالذكاء والمهارة، وكأن غوارديولا لا يتحمل أن يرى لاعبا بهذه القدرات في ناد آخر غير مانشستر سيتي!


مقالات ذات صلة

ريال مدريد يضم برناردو سيلفا بعد رحيله عن السيتي

رياضة عالمية برناردو سيلفا (أ.ف.ب)

ريال مدريد يضم برناردو سيلفا بعد رحيله عن السيتي

أعلن نادي ريال مدريد، المنافس في دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم، اليوم (الأربعاء)، تعاقده مع لاعب الوسط الدولي البرتغالي برناردو سيلفا.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية رودري نجم وقائد منتخب إسبانيا (أ.ب)

رودري يتحسر على إهدار الفرص بعد تعادل إسبانيا مع الرأس الأخضر

تحسر رودري نجم وقائد منتخب إسبانيا على الفرص الضائعة في مباراة الرأس الأخضر التي انتهت بالتعادل السلبي، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عالمية المهاجم النرويجي إرلينغ هالاند (رويترز)

هالاند يستعد لانطلاقة المونديال بممارسة الغولف وألعاب الفيديو

يستغل المهاجم النرويجي إرلينغ هالاند وقته قبل المباراة الافتتاحية لفريقه في كأس العالم لكرة القدم ضد العراق في لعب الغولف وألعاب الفيديو.

«الشرق الأوسط» (غرينسبورو)
رياضة عالمية البرتغالي برونو فرنانديز لاعب مان يونايتد مرشح لجائزة أفضل لاعب بإنجلترا (إ.ب.أ)

ثلاثي آرسنال ينافس فرنانديز على جائزة لاعب العام بإنجلترا

تم ترشيح ديكلان رايس، وغابرييل، وديفيد رايا، ثلاثي فريق آرسنال، للحصول على جائزة لاعب العام في إنجلترا، المقدمة من رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
TT

بعد 20 عاماً من ليلة برلين... كيف يقود كانافارو أحلام أوزبكستان المونديالية؟

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)
فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (رويترز)

أعاد الإيطالي فابيو كانافارو رسم ملامح مسيرته المهنية بالعودة إلى الواجهة المونديالية بعد مرور عقدين كاملين على ليلته التاريخية في برلين عام 2006، ولكن هذه المرة من المقعد الفني مديراً فنياً لمنتخب أوزبكستان في كأس العالم 2026. لم يكن جلوس كانافارو على المقاعد الفنية لمنتخب أوزبكستان مجرد حدث عابر في أروقة المونديال الحالي، بل هو تلاقٍ تاريخي بين جيلين وثقافتين يفصلهما عقدان من الزمان وعامران بالأمجاد الكروية، المدافع الذي قاد كتيبة «الأزوري» للتتويج بالذهب العالمي في برلين عام 2006، والذي ارتدى قميص بلاده في 136 مباراة دولية تاريخية، يعود اليوم إلى المعترك العالمي متسلحاً برصيد أسطوري يضعه كآخر مدافع في التاريخ يجمع بين الكرة الذهبية وجائزة أفضل لاعب في العالم في عام واحد.

فابيو كانافارو يحتفل بتتويج إيطاليا بكأس العالم 2006 (أ.ف.ب)

هذا الحصاد الكروي الهائل الذي بناه كانافارو عبر محطات عملاقة في نابولي، وبارما، ويوفنتوس، وريال مدريد تحول اليوم إلى مادة تعليمية دسمة وتكتيك صارم يلقنه للاعبي أوزبكستان، بهدف كسر رهبة الظهور الأول في التاريخ للذئاب البيضاء في نهائيات كأس العالم

هذه المفارقة الزمنية تعزز من القيمة التكتيكية والإعلامية التي تبحث عنها أوزبكستان لإثبات حضورها بين كبار اللعبة، معتمدة على عقلية بطل عالم سابق يعرف جيداً كيف تُدار المعارك الاستراتيجية الكبرى فوق المستطيل الأخضر.

ظهور تاريخي فوق العشب المكسيكي

فابيو كانافارو يوجه لاعبيه خلال المباراة (أ.ب)

سجل كانافارو ظهوره التدريبي الأول على خط التماس المونديالي في مواجهة مثيرة جرت على أرضية ملعب «أزتيكا» العريق بالمكسيك، واصطدم المنتخب الأوزبكي بطموح ونضج نظيره الكولومبي، لينتهي اللقاء بخسارة أوزبكستان بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد لحساب المجموعة الحادية عشرة. ورغم الفارق الفني الواضح الذي أظهره الجناح الكولومبي لويس دياز، فإن بصمة المدافع الإيطالي ظهرت جلياً في التنظيم الدفاعي الصارم، حيث اعتمد على طريقة ثلاثة مدافعين في الخلف لتطبيق دفاع الخط العالي والحد من خطورة خاميس رودريغيز ومنع الاختراقات العميق لوسط الميدان.

لغة الأرقام التكتيكية... تفاصيل الملحمة الافتتاحية لـ«الذئاب البيضاء»

فابيو كانافارو مدرب أوزبكستان (إ.ب.أ)

أظهرت إحصائيات المباراة الافتتاحية لمنتخب أوزبكستان تحت إشراف كانافارو ملامح أسلوبه الذي يحاول غرسه في عقول لاعبيه، حيث اعتمد الفريق على إغلاق المساحات والارتداد السريع، مما جعل نسبة الاستحواذ تميل للمنافس الكولومبي بسبع وستين في المائة مقابل ثلاثة وثلاثين في المائة للذئاب البيضاء، وعلى مستوى التمرير، نجح لاعبو أوزبكستان في إكمال مائتين وأربع وستين تمريرة ناجحة من أصل ثلاثمائة وثلاثين محاولة، بنسبة دقة بلغت ثمانين في المائة، مع القيام بسبع تسديدات كاملة نحو المرمى أسفرت إحداها عن تسجيل النجم الشاب عباس بيك فايزولاييف الهدف التاريخي الأول لبلاده في المونديال.

حسابات المجموعة... رهان التأهل قائم في الجولات المقبلة

كانافارو (رويترز)

لم تُغلق خسارة الجولة الأولى باب الآمال أمام المنتخب الأوزبكي في حسابات التأهل عن المجموعة؛ إذ تظل الفرصة سانحة للتعويض والتمسك بحظوظ العبور إلى الأدوار الإقصائية بناءً على النظام الحالي للبطولة. وينتظر منتخب أوزبكستان اختبارين مصيريين في قادم الأيام، حيث يواجهون منتخب البرتغال المدجج بالنجوم في مدينة هيوستن يوم الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) الحالي، قبل الانتقال إلى مدينة أتلانتا في السابع والعشرين من الشهر ذاته لخوض المواجهة الحاسمة ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية لتحديد الترتيب النهائي للمجموعة.


«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً
TT

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

«نادي الأربعين» يكسر قيد الزمن في المونديال الأكبر تاريخياً

يشهد التاريخ الرياضي المعاصر كتابة فصول استثنائية فوق الملاعب الأميركية، حيث لم يعد التقدم في السن حائلاً دون معانقة المجد المونديالي، إذ فتحت بطولة كأس العالم 2026 أبوابها الحصرية لتدشين حقبة كروية غير مسبوقة يتصدرها «نادي الأربعين». لعقود طويلة، ظل الأسطورة الكاميروني روجيه ميلا محتفظاً بلقب «الظاهرة النادرة» بوصفه لاعب الساحة الوحيد الذي تجاوز هذا الحاجز السني في نهائيات كأس العالم، إلا أن هذه الهيمنة الفردية تلاشت تماماً في المونديال الحالي بعد انضمام ثلاثة من أبرز عمالقة العصر الحديث، ليتحول الصراع التقليدي بين الأجيال إلى استعراض علني لصلابة الجسد والالتزام الاحترافي، متجاوزاً حسابات الزمن الجافة وصعوبة المنافسة في أعلى المستويات العالمية.

روجيه ميلا... الأب الروحي لـ«المعجزة الأفريقية» وصاحب الرقصة الخالدة

الكاميروني روجيه ميلا (ويكيبيديا)

لا يمكن الحديث عن صمود الأربعين دون العودة إلى الجذور التي غرسها القناص الكاميروني روجيه ميلا، الذي يظل الأيقونة الكلاسيكية الملهمة لهذا النادي التاريخي. ففي مونديال الولايات المتحدة عام 1994، وفوق الملاعب ذاتها التي تستضيف الحدث الحالي، نجح ميلا في هز شباك المنتخب الروسي وهو بعمر 42 عاماً و39 يوماً، مرتدياً قميصه الأخضر الشهير رقم 9 ومتوجاً بلقب أكبر هداف في تاريخ كأس العالم. رقصة ميلا الشهيرة عند راية الركنية لم تكن مجرد احتفال عابر، بل كانت إعلاناً رسمياً لولادة مفهوم جديد للياقة البدنية عند المهاجمين الأفارقة، وشرارة الأمل الأولى التي أثبتت للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والعالم أجمع أن الشغف باللعبة قادر على ترويض أحكام الشيخوخة الرياضية.

رونالدو في النسخة السادسة... حضور قيادي يزن ذهباً

المخضرم كريستيانو رونالدو قائد منتخب البرتغال (إ.ب.أ)

رغم شح التهديف تتجه الأنظار بالدرجة الأولى نحو البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي بات يمثل واجهة هذا النادي الاستثنائي بظهوره التاريخي في نسخته المونديالية السادسة، محققاً رقماً قياسياً كأكبر لاعب ساحة يشارك أساسياً بعمر 41 عاماً و132 يوماً، ورغم أن ظهوره في الملحمة الافتتاحية لمنتخب بلاده أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، كشف عن تراجع نسبي في مساهماته التهديفية المعتادة باكتفائه بلمس الكرة 25 مرة داخل الملعب منها 5 لمسات فقط في منطقة الخصم، فإن وجود القائد صاحب القميص رقم 7 يظل ثقلاً تكتيكياً ونفسياً لا غنى عنه في حسابات المدرب والجماهير البرتغالية على حد سواء.

لوكا مودريتش... مهندس «التمرير المثالي» الذي لا يشيخ

المخضرم لوكا مودريتش قائد منتخب كرواتيا (رويترز)

في وسط الميدان وفي السياق نفسه من الإبهار الكروي، يقف الساحر الكرواتي لوكا مودريتش علامة فارقة أخرى تتحدى أحكام السنين. قاد مودريتش، البالغ من العمر 40 عاماً و9 أشهر و8 أيام، خط وسط كرواتيا بقميصه رقم 10 في مواجهة عاصفة ضد إنجلترا انتهت بخسارة فريقه بأربعة أهداف مقابل هدفين. وعلى مدار 58 دقيقة أمضاها فوق العشب الأخضر قبل استبداله، قدم النجم المخضرم درساً بليغاً في هندسة التمرير محققاً نسبة دقة بلغت 100في المائة في تمريراته، ومثبتاً للجميع أن الرؤية الكروية الفذة والقدرة على التحكم بالإيقاع لا تفقدان بريقهما، بل تزدادان نضجاً وعمقاً مع تقدم الأعمار والخبرات المتراكمة.

إدين دجيكو يكمل المربع الذهبي

إدين دجيكو قائد منتخب البوسنة المخضرم (د.ب.أ)

واكتملت أركان هذا المربع الذهبي النادر بالهجومات البدنية الشرسة التي خاضها البوسني المخضرم إدين دجيكو، ليصبح الاسم الرابع في هذا المحفل المونديالي الموقر. دجيكو، الذي ارتدى قميصه رقم 11 مدافعاً عن ألوان البوسنة والهرسك أمام سويسرا في اللقاء الذي انتهى بخسارة فريقه بأربعة أهداف لهدف، ظهر فوق أرضية الملعب لمدة 63 دقيقة كاملة. ورغم نيل الهداف البوسني بطاقة صفراء نتيجة التنافس البدني القوي، فإن دقة تمريراته ومحاولاته المستمرة أعادت للأذهان الروح التاريخية لميلا.


أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً
TT

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

أكبر المدربين سناً في تاريخ كأس العالم: أدفوكات يحطم الرقم القياسي بعمر 78 عاماً

يمثل مونديال 2026 محطة تاريخية استثنائية كُسرت فيها المفاهيم التقليدية حول السن المناسبة للعطاء في عالم التدريب، حيث نجح أربعة مدربين مخضرمين في تحطيم الرقم القياسي لأكبر المديرين الفنيين سناً في تاريخ كأس العالم خلال الأيام الأولى فقط من انطلاق البطولة.

وأثبت هذا الحرس القديم أن حنكة السنين والتمرس التكتيكي يتفوقان أحياناً على حماس الشباب، ليعيدوا صياغة التاريخ الرياضي على الملاعب الأميركية بمدارس كروية متنوعة وقصص ملهمة للجيل الحالي.

وفيما يلي رصد شامل وتفصيلي لهؤلاء الأساطير الأربعة الذين قادوا منتخباتهم بخبرة العقود:

ديك أدفوكات... العراف الهولندي وعميد مدربي المونديال التاريخي

مدرب كوراساو ديك أدفوكات يحيي الجماهير بعد المباراة (رويترز)

تربع المدير الفني لمنتخب كوراساو، الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، على عرش المدربين الأكبر سناً في تاريخ كأس العالم منذ تأسيسها، حيث يخوض غمار البطولة الحالية بعمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً وثمانية أشهر. وحطم أدفوكات بهذا العمر الرقم القياسي السابق الذي كان مسجلاً باسم الألماني أوتو ريهاغل في مونديال 2010.

ولا يقتصر إنجاز الأسطورة الهولندي عند حدود السن، بل يمتد إلى نجاحه في قيادة منتخب الجزيرة الكاريبية الصغيرة لتأهل إعجازي غير مسبوق في تاريخهم، ليسجل مشاركته المونديالية الثالثة مع ثلاثة منتخبات مختلفة بعد مسيرته السابقة مع هولندا عام 1994 وكوريا الجنوبية عام 2006.

ميروسلاف كوبيك... الصرامة التشيكية في الهرم التدريبي

مدرب منتخب جمهورية التشيك ميروسلاف كوبيك (إ.ب.أ)

يأتي المدرب التشيكي ميروسلاف كوبيك في المرتبة الثانية مباشرة ضمن قائمة حكماء المونديال، حيث يقود منتخب بلاده التشيك في محفل كأس العالم الحالية بعمر يبلغ أربعة وسبعين عاماً وتسعة أشهر. ويعد كوبيك نموذجاً حياً للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ نجح في بناء توليفة فنية قوية تمزج بين الاندفاع البدني والتوازن الدفاعي المنظم. وحفر كوبيك اسمه في السجلات التاريخية كونه تخطى أيضاً الرقم السابق لريهاغل، ليثبت للشارع الرياضي العالمي أن العطاء الفكري والقدرة على إدارة المجموعات داخل غرف الملابس لا يرتبطان بتقدم العمر.

هوغو بروس... ثعلب القارة السمراء وقائد نهضة بافانا بافانا

مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس (إ.ب.أ)

سجل البلجيكي هوغو بروس حضوراً لافتاً في النسخة الحالية من المونديال وهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً وشهرين، متولياً القيادة الفنية لمنتخب جنوب أفريقيا. ونجح بروس في إعادة منتخب «الأولاد» إلى الواجهة العالمية بعد غياب طويل من خلال فرض أسلوب لعب يتسم بالهدوء البناء والتحولات السريعة على أرضية الملعب. وافتتح بروس مشواره بالبطولة برسم ملامح شخصية قوية لفريقه مستفيداً من كاريزمته العالية وخبرته الطويلة في الملاعب الأفريقية والدولية، مما جعله أحد أبرز الوجوه التدريبية التي تحظى باحترام واسع من وسائل الإعلام والجماهير.

كارلوس كيروش... الخبير البرتغالي وملك الأرقام القياسية

كارلوس كيروش (أ.ب)

دَوّن البرتغالي كارلوس كيروش اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة بعد أن أصبح أكبر مدرب يحقق فوزاً في مباراة بتاريخ كأس العالم، وذلك إثر قيادته لمنتخب غانا في الجولة الأولى بعمر ثلاثة وسبعين عاماً. ويعتبر كيروش ظاهرة تدريبية فريدة من نوعها كونه يخوض المونديال الخامس في مسيرته الاحترافية، بعدما قاد سابقاً منتخب البرتغال في نسخة 2010 ومنتخب إيران في ثلاث نسخ متتالية بين عامي 2014 و2022. ويتميز البرتغالي بقدرته الفائقة على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات، وهو ما ظهر بوضوح في إدارته التكتيكية للمباراة الافتتاحية لغانا بالبطولة الحالية.