«فوريفر21»... دراما عائلية عن الصعود إلى المجد ثم السقوط من علٍ

تصفية الشركة في 40 دولة بعد 35 عاماً من العطاء

أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»
أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»
TT

«فوريفر21»... دراما عائلية عن الصعود إلى المجد ثم السقوط من علٍ

أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»
أحد فروع «فوريفر 21» في الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك تايمز»

عندما تقدمت شركة «فوريفر 21» بطلب إعلان الإفلاس الشهر الماضي، أعربت سلسلة متاجر الملابس والأزياء عن تاريخها عبر عدد من الوثائق التي يمكن في بعض الأحيان قراءتها كمقدمة لسيرة حياة أو فيلم يُعرض بصورة خاصة على شبكة «نتفليكس».
ظهرت صور الزوجين الذين أسسا الشركة، دو وون تشانغ وجين سووك تشانغ رفقة ابنتيهما أسفل عناوين من شاكلة «نضال شركة فوريفر: قصة من الآلام والإصرار والشغف». وأكد طلب الإفلاس على النجاح غير المتوقع أو المحتمل لعائلة تشانغ، الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة من كوريا الجنوبية في عام 1981 وعملا سوياً على بناء شركتهما التي تقدر بعدة مليارات من الدولارات من الصفر.
وهناك إشارات تتعلق بالدرجات الجامعية للبنات اللاتي يدرسن في جامعات «آيفي ليج» المرموقة، وكلاهما من كبار المديرات التنفيذيات في الشركة، مع الإجازات الصيفية التي كانت تُقضى بالكامل في متاجر الشركة. وكانوا يمثلون تعريفاً واقعياً وحياتياً لما يعنيه الحلم الأميركي على نحو ما وصفهم به موقع «إنفستوبيديا» المعني بشؤون الاستثمار في مقالة واحدة ظهرت على صفحات الموقع.
كانت عائلة تشانغ تمثل قصة من قصص النجاح الفريدة والمتميزة، وكانت شركة «فوريفر21» أبعد ما تكون على الأساليب التقليدية التي تعمل بها الشركات العائلية في أي مكان. وفي ذروة نجاحها، حققت سلسلة متاجر التجزئة أكثر من 4 مليارات دولار من المبيعات السنوية وكانت توظف لديها أكثر من 43 ألف موظف وعامل في جميع أنحاء العالم موزعين على مئات المتاجر. أما الآن، تواصل الشركة تصفية أعمالها في 40 دولة مع إغلاق ما يقرب من 199 متجراً، أو ما يزيد على 30 في المائة من متاجرها، في الولايات المتحدة وحدها في جزء من إعلان الإفلاس، في حين يشير الموظفون السابقون رفقة خبراء الصناعة إلى أسلوب الإدارة المنعزلة الذي كانت تنتهجه عائلة تشانغ كأحد أهم أسباب الانهيار. كما يلفتون الأنظار إلى الصفقات العقارية ذات الآثار الكارثية، واستراتيجية التسويق والتوزيع المتسمة بالفوضى الواضحة خلال السنوات الأخيرة.
يقول إريك غوردون، خبير الإدارة لدى كلية روس لإدارة الأعمال في جامعة ميشيغان: «من ناحية المؤسس، فإن هذا النوع من الصلف والغطرسة وارد وشائع للغاية، ولكن آثاره مهلكة بصورة خاصة إذا تمكنت من تحقيق النجاح لفترة طويلة. لم يكن هناك مجلس لإدارة الشركة يُملي عليهم التقارير الواقعية للأمور، كما لم يكن هناك محللون للأسهم يمنحونهم تفصيلاً واقعياً لمجريات الشركة. ومن ثم، يمكنك الاستمرار داخل الفقاعة ذاتية التكوين لفترة طويلة، ولكن كل الفقاعات مصيرها الانفجار في لحظة من اللحظات».
يعكس طلب إعلان الإفلاس لمحة نادرة على شركة مبيعات التجزئة التي ظلت تعمل بصورة سرية وشديدة التحفظ منذ عقود. ولقد تحدث ستة من الموظفين السابقين، ومن بينهم ثلاثة من المديرين التنفيذيين، إلى صحيفة «نيويورك تايمز» عن تجاربهم الشخصية والمهنية في شركة فوريفر21 شريطة حجب هويتهم لتوقيعهم على اتفاقيات عدم الإفصاح مع الشركة.
-عثرات فوريفر 21:
من شأن عثرات شركة فوريفر21. فضلاً عن التغييرات التي شهدتها صناعة الملابس مع التحولات التي طرأت على أذواق المستهلكين وعادات التسوق، أن تكون لها تأثيرات بعيدة المدى على آلاف الأشخاص الذين يعملون لدى الشركة، وعلى البائعين، وعلى مراكز التسوق كذلك. تقول الشركة إنها لا تزال تشرف على إدارة المئات من متاجر البيع، إلى جانب الموقع الإلكتروني الرسمي للشركة. رغم أن الناطقة الرسمية باسم عائلة تشانغ قد رفضت التعليق على هذا المقال.
شُيدت شركة «فوريفر21» - وجاء الاسم لأن السيد دو وون تشانغ اعتقد أن سن 21 عاماً هو السن الأكثر غبطة وسعادة في عمر الإنسان - على فكرة تحديد اتجاهات الملابس، ثم العمل مع البائعين لجلب هذه المنتجات إلى المتاجر بسرعة وبأسعار منخفضة. ومنذ أيام العمل الأولى، كان السيد تشانغ، وهو لا يزال الرئيس التنفيذي للشركة حتى الآن، يشرف بنفسه على العلاقات بين المُلاك والبائعين، في حين كانت زوجته السيدة جين سووك تشانغ تشرف على التصميمات والتسويق.
يقول الموظفون السابقون في الشركة إن الطابق العلوي من مقر الشركة في لوس أنجليس كان يُعتبر البرج العاجي الخاص بالسيد تشانغ، حيث تُطرح استراتيجية الشركة للمناقشة العائلية في حين يظل بقية الناس خارج المكتب، وكان الطابق السفلي حيث تباشر السيدة تشانغ أعمال المشترين والمخططين، الذين كان لزاماً عليهم ترك حقائبهم للفحص الأمني في كل مرة يغادرون مقر الشركة. وقال ثلاثة من الموظفين السابقين، في وقت متأخر من العام الجاري، إن السيد تشانغ كان يوقع بنفسه على نفقات الموظفين، ويستجوب بنفسه المديرين التنفيذيين بشأن قسائم وجبات الغذاء أو الاستعانة بخدمات «أوبر» أثناء الانتقال.
وانضمت بنات الزوجين في نهاية المطاف إلى المستوى التنفيذي من إدارة الشركة. وكانت الابنة الكبرى ليندا تشغل منصب نائبة الرئيس التنفيذي، وهي تعتبر خليفة السيد تشانغ على رئاسة الشركة، ثم الابنة الصغرى استير، والتي شغلت منصب نائبة الرئيس التنفيذي لشؤون التسويق.
ولم تفكر عائلة تشانغ في طرح أسهم شركة «فوريفر21» للاكتتاب العام، على عكس المعتاد لدى كبار المنافسين الآخرين في مجال الملابس والأزياء، مما أدى إلى انحسار الفرص التي من شأنها توليد المزيد من الثروات عبر الأجيال، كما ورد في طلب إعلان الإفلاس.
وكانت الدائرة الداخلية للعائلة تضم عضوين أميركيين آخرين من أصول كورية جنوبية، وهما: أليكس أوك، رئيس شركة فوريفر21 والمورد الأسبق، مع زوجته السيدة سيونغ إيون كيم، التي عملت في مجال التسويق. وعلى الصعيد الداخلي بالعائلة، كان البعض يفضل إطلاق لقب «السيدات» على كل من جين سووك تشانغ وسيونغ إيون كيم، على اعتبارهما السيدتين القويتين اللتين كانتا توجهان دفة الأمور بشأن عشرات الآلاف من التصاميم التي وجدت طريقها إلى متاجر الشركة العامرة بالموظفين والعملاء. وعكس طلب إعلان الإفلاس كذلك أن عائلة تشانغ كانت تمتلك نسبة 99 في المائة من أسهم سلسلة المتاجر حول العالم، في حين أن السيد أليكس أوك كان يملك نسبة الواحد في المائة المتبقية فقط.
-توسع «فوريفر21»:
ومع توسع أعمال الشركة، عانت عائلة تشانغ ضد رغبتها في تعيين المديرين التنفيذيين من أصحاب الخبرات إثر عدم ثقتهم في الغرباء، على حد تصريح خمسة من الموظفين السابقين. وخلال السنوات الأخيرة، عمدت شركة «فوريفر21»، على مضض بالغ، إلى الاستعانة بالخبراء بهدف إصلاح أجزاء منهكة من أعمال الشركة، ثم بالغت الشركة في تجاهل توصياتهم اللاحقة بشأن كل شيء من أعمالها من اعتماد التقنيات الحديثة إلى أساليب التسويق المتقدمة.
ولقد جرى تذكير البعض في الشركة بتلك الأمور، سيما بعد أن رفعت المغنية الأميركية أريانا غراند دعوى قضائية ضد شركة «فوريفر 21» في سبتمبر (أيلول) الماضي. ولقد حض مسؤولو التسويق لدى الشركة على إقامة شراكة مع المغنية الشهيرة لحملة العطلة لعام 2014. وذلك وفقاً لاثنين من الموظفين السابقين، غير أن إدارة الشركة فضلت إبرام الشراكة مع المغنية الأسترالية إيغي أزيليا بدلاً من ذلك. والآن، صارت المغنية الأميركية غراندي تحظى بشعبية هائلة للغاية، وشرعت شركة «فوريفر 21» في الدفاع عن موقفها ضد المزاعم التي تقول إنها استخدمت نموذجاً يشبه المغنية الأميركية الشهيرة في إعلانات إلكترونية من دون إذنها.
كما لعبت العقيدة الدينية لعائلة تشانغ دوراً مهماً في تشكيل الطريقة التي أدارت بها الشركة. فقد كانت حقائب التسوق الصفراء الزاهية التي اشتهرت بها الشركة مطبوعاً عليها عبارة «يوحنا 3:16»، في إشارة إلى إحدى آيات الكتاب المقدس. وقال السيد تشانغ إن تلك الآية تحديداً تعكس مدى محبة الرب القدير لعباده، وكان يأمل أن يدرك الآخرون ماهية هذه المحبة. وقال الموظفون السابقون بالشركة إن نسخ الكتاب المقدس كانت في مواضع ظاهرة للعيان داخل قاعات المؤتمرات، وعلى مكتب السيد تشانغ أيضاً. وقال الموظفون إنه من المعتاد لرؤساء الأقسام أن تكون لهم روابط عائلية أو دينية مهمة ولكن لم تكن لديهم خبرات كافية في العمل مع تجار التجزئة الآخرين في ميادين العمل.
تقول مارغريت كوبلينتز، مديرة التسويق الإلكتروني السابقة لدى شركة «شارلوت روس» لمبيعات الملابس بالتجزئة «بين الحين والآخر، عندما نعين موظفاً كان يعمل لدى (فوريفر 21)، كنا نعلم منه أنهم غير مسموح لهم على الإطلاق الاطلاع على إجمالي أداء أعمال الشركة، وكان مسموحاً لهم فقط بالاطلاع على تقارير مجتزأة عن قطاع العمل الخاص بهم فحسب». وأضافت السيدة كوبلينتز أن المنافسين اعتبروا إدارة شركة «فوريفر 21» شديدة التوحد والتحفظ وغامضة بصورة غريبة.
-دخول «فوريفر 21» قطاع العقارات:
بيد أن شركة «فوريفر 21» ارتكبت أكبر أخطائها قاطبة بدخولها في عالم العقارات. ففي السنوات التي سبقت ثم لحقت فترة الركود الاقتصادي، توسعت الشركة بضراوة وقررت افتتاح متاجر ضخمة للمبيعات، حيث دخلت وبقوة في نفس المجال الذي كانت تحتله قبلها شركة «ميرفين»، التي كانت قد أعلنت إفلاسها، وكذلك شركات أخرى مثل «بوردرز»، و«سيرز»، و«ساكس». وصرح رئيس شؤون العقارات السابق بالشركة لشبكة بلومبرغ الإخبارية في عام 2011 أن امتلاك المتاجر الكبيرة كان من أهم أحلام السيد تشانغ.
أصبح من الصعب ملء المتاجر الكبيرة الجديدة بالسلع والمنتجات الجديدة، ثم انقلبت الأوضاع على شركة «فوريفر 21» وصارت مثقلة بعقود الإيجار طويلة الأجل في الوقت الذي بدأت فيه التقنيات الحديثة في العصف الفوضوي بمراكز التسوق الأميركية الكبيرة. وكانت هناك سبعة تعاقدات للإيجار في متاجر شركة «ميرفين» السابقة مستمرة حتى عام 2027 أو 2028، وهي الفترة الأطول من أي عقد إيجار نموذجي معروف، وفقاً للمستندات الداخلية التي تمكنت صحيفة «نيويورك تايمز» من الحصول عليها.
وفي مقابلة أجريت الشهر الماضي، أثناء تقدم الشرطة بطلب إعلان الإفلاس، اعترفت ليندا تشانغ بمشاكل الشركة مع المتاجر الكبيرة المستأجرة: «كان لزاماً علينا ملء تلك المتاجر بالمنتجات والبضائع، علاوة على ضرورة التعامل مع تعقيدات التوسع التجاري في الخارج تلك التي أرهقت إدارتنا التجارية بصورة كبيرة».
كما أشارت السيدة ليندا تشانغ إلى التحولات الواضحة في حركة العملاء داخل مراكز التسوق مع ارتفاع تحديات التجارة الإلكترونية، وقالت إن إعلان الإفلاس يعد بمثابة خطوة مهمة من الناحية الاستراتيجية بالنسبة إلى الشركة.
كان السيد دو وون تشانغ، الذي احتكر توقيع كافة عقود الإيجار بنفسه، وتصميم كل متجر من المتاجر كما يروق له، حتى مع ارتفاع عدد المتاجر متجاوزاً 500 متجر حول العالم، كان يكره وبشدة إغلاق المتاجر حتى الضعيف والمنهك منها، وفي بعض الأحيان، كان ينقل موقع المتجر إلى مكان آخر في نفس المركز التجاري بدلاً من إغلاقه تماماً، كما صرح بذلك اثنين من الموظفين السابقين في الشركة.

- خدمة «نيويورك تايمز» خاص «الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

باول: توقعات التضخم «مستقرة» رغم صدمة الطاقة

الاقتصاد باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)

باول: توقعات التضخم «مستقرة» رغم صدمة الطاقة

قال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، يوم الاثنين، إن توقعات التضخم على المدى الطويل تبدو «مستقرة وراسخة» حتى الآن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الفيدرالي يواجه «هشاشة الثقة»... صدمة الطاقة تهدد استقرار توقعات التضخم

يواجه مسؤولو البنك الاحتياطي الفيدرالي تحدياً مع ارتفاع توقعات الأسر التضخمية بالتوازي مع ارتفاع أسعار البنزين وانتقال الشك إلى أسواق السندات

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«مورغان ستانلي» تخفض تصنيف الأسهم العالمية لصالح «النقد» والسندات الأميركية

خفَّضت «مورغان ستانلي» تصنيفها للأسهم العالمية، بينما رفعت تصنيفها للنقد وسندات الخزانة الأميركية، في ظل اتجاه المستثمرين إلى الأصول الآمنة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية ستكشف حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران على القطاعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.


الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ أكثر من 17 عاماً مع تلاشي آمال خفض الفائدة

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)
امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)
TT

الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ أكثر من 17 عاماً مع تلاشي آمال خفض الفائدة

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)
امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات (إ.ب.أ)

ارتفعت أسعار الذهب، الثلاثاء، وسط آمال بخفض التصعيد في الصراع بالشرق الأوسط، لكنها تتجه نحو أسوأ أداء شهري لها منذ أكثر من 17 عاماً، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع الآمال بخفض أسعار الفائدة الأميركية هذا العام.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.1 في المائة إلى 4561.68 دولار للأونصة، حتى الساعة 04:27 بتوقيت غرينتش. وارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.7 في المائة إلى 4590 دولاراً.

وقد تراجع الدولار، مما جعل السلع المقومة به في متناول حاملي العملات الأخرى.

وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تايستي لايف»: «تشهد أسعار الذهب انتعاشاً في بداية التداولات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بعد أن صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمساعديه بأنه مستعد لإنهاء الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران... وقد أدى ذلك إلى استجابة إيجابية من الأسواق المالية».

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الاثنين، أن ترمب أبلغ مساعديه بأنه مستعد لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير، وأن إعادة فتحه عملية معقدة ستتم في وقت لاحق.

وأضاف سبيفاك: «يشهد الذهب استقراراً منذ نحو أسبوع، مع ارتفاع ملحوظ يوم الجمعة الماضي. وقد تزامن ذلك مع انخفاض في عوائد سندات الخزانة، مما يشير إلى أن الأسواق بدأت تنظر إلى الحرب الإيرانية على أنها خطر ركود اقتصادي».

وانخفض سعر الذهب بأكثر من 13 في المائة هذا الشهر، ما يجعله على مسار تسجيل أكبر انخفاض له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، متأثراً بقوة الدولار وتراجع التوقعات بخفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة بنحو 5 في المائة خلال الربع الحالي.

وقد استبعد المتداولون تقريباً أي احتمال لخفض سعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، نظراً لتهديد ارتفاع أسعار الطاقة بتغذية التضخم العام.

ويميل الذهب إلى الازدهار في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة لكونه أصلاً غير مدر للدخل.

وقبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، كانت التوقعات تشير إلى خفضين لسعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وأشار بنك «غولدمان ساكس»، في مذكرة له، إلى أنه لا يزال يتوقع أن يصل سعر الذهب إلى 5400 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، مدفوعاً بتنويع البنوك المركزية وتيسير الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 2.9 في المائة إلى 72.04 دولار للأونصة، وزاد سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 1911.15 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 2 في المائة إلى 1434.23 دولار.


الدولار يتأهب لأكبر مكاسب شهرية منذ يوليو وسط اشتعال توترات الشرق الأوسط

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)
TT

الدولار يتأهب لأكبر مكاسب شهرية منذ يوليو وسط اشتعال توترات الشرق الأوسط

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)

اتجه الدولار نحو تحقيق أكبر مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، الثلاثاء، وبرز كأقوى الأصول الآمنة، حيث أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة مخاطر الركود العالمي.

وخلال الليل، واصل الدولار مكاسبه على نطاق واسع، باستثناء الين، حيث دفعت التهديدات المتجددة بالتدخل من طوكيو المتداولين إلى الحذر من بيع الين بما يتجاوز 160 يناً للدولار.

وبعد أن لامس الين أدنى مستوى له منذ يوليو 2024 في اليوم السابق، تم تداول الدولار عند 159.81 ين، صباح الثلاثاء، في آسيا، بانخفاض نحو 2.4 في المائة على أساس شهري، وذلك بسبب اعتماد اليابان على واردات الطاقة التي تشهد ارتفاعاً حاداً في أسعارها. ولم تشهد البيانات تغيراً يُذكر، إذ أشارت إلى تباطؤ طفيف في معدل التضخم في طوكيو هذا الشهر.

وانخفض اليورو بنسبة 0.3 في المائة خلال الليل، ويتجه نحو انخفاض شهري بنحو 3 في المائة، بينما تراجع الدولار الأسترالي والنيوزيلندي إلى أدنى مستوياتهما في عدة أشهر.

وبعد صموده طوال معظم الشهر، بدأ الدولار الأسترالي بالتراجع بشكل ملحوظ في الجلسات الأخيرة، مع تحول تركيز الأسواق من التضخم إلى النمو العالمي.

وسجلت العملة أدنى مستوى لها في شهرين عند 0.6834 دولار أميركي خلال الليل، وتداولت عند 0.6844 دولار أميركي صباح اليوم في آسيا. كما تراجع الدولار النيوزيلندي بشكل حاد، مسجلاً أدنى مستوى له في أربعة أشهر عند 57 سنتاً، الاثنين، وتداول آخر مرة عند مستوى قريب من 0.5716 دولار أميركي.

وسجلت قيمة الوون الكوري الجنوبي أدنى مستوى لها منذ عام 2009.

وبلغ مؤشر الدولار الأميركي أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي، الاثنين، عند 100.61، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2.9 في المائة خلال شهر مارس (آذار)، وهو أكبر ارتفاع شهري له منذ يوليو الماضي.

وحذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، من أن الولايات المتحدة ستدمر محطات الطاقة وآبار النفط الإيرانية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز، وذلك بعد أن وصفت طهران مقترحات السلام الأميركية بأنها «غير واقعية» وأطلقت صواريخ على إسرائيل.

وأفادت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا)، الثلاثاء، أن ناقلة نفط كويتية محملة بالكامل تعرضت لهجوم إيراني أثناء رسوها في دبي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

وقال كريس تيرنر، رئيس قسم الأسواق العالمية في بنك «آي إن جي»: «ما لم تصدر أي رسائل واضحة ومصالحة من الجانب الإيراني، فمن الصعب توقع تراجع الدولار عن مكاسبه التي حققها هذا الشهر في أي وقت قريب».

من جهته، قلّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الاثنين، من احتمالية رفع أسعار الفائدة قريباً، مؤكداً نهج البنك المركزي الأميركي القائم على الترقب والانتظار، ومشيراً إلى أن توقعات التضخم تبدو مستقرة على المدى البعيد.

وأدى ذلك إلى انخفاض عوائد السندات قصيرة الأجل، وألغى التوقعات برفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة هذا العام، لكنه لم يؤثر بشكل ملحوظ على الدولار، لأنه يميل إلى الاستفادة من الإقبال عليه كملاذ آمن عندما تكون توقعات النمو العالمي سلبية.

وشهدت الملاذات الآمنة الأخرى، كالسندات والذهب، أداءً ضعيفاً منذ اندلاع الحرب، ومع فشل الين في تحقيق مكاسب، أدت تهديدات البنك الوطني السويسري بكبح قوة العملة إلى عزوف المستثمرين عن الفرنك السويسري كملاذ آمن.

وارتفع الدولار بنحو 4 في المائة مقابل الفرنك خلال الشهر، ليصل إلى 0.80 فرنك. ومن المقرر صدور بيانات التضخم لشهر مارس في وقت لاحق من الجلسة في أوروبا، إلى جانب مؤشرات مديري المشتريات الصينية.