اتفاق مصري ـ ليبي لتعزيز التعاون الأمني وتدريب الجيش يثير قلق «المتطرفين»

مصادر لـ {الشرق الأوسط} : يشمل إعادة تأهيل المؤسسات الاستخباراتية

الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع المصري يستقبل عبد الله الثني رئيس الوزراء الليبي وزير الدفاع بالقاهرة أمس (وزارة الدفاع المصرية)
الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع المصري يستقبل عبد الله الثني رئيس الوزراء الليبي وزير الدفاع بالقاهرة أمس (وزارة الدفاع المصرية)
TT

اتفاق مصري ـ ليبي لتعزيز التعاون الأمني وتدريب الجيش يثير قلق «المتطرفين»

الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع المصري يستقبل عبد الله الثني رئيس الوزراء الليبي وزير الدفاع بالقاهرة أمس (وزارة الدفاع المصرية)
الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع المصري يستقبل عبد الله الثني رئيس الوزراء الليبي وزير الدفاع بالقاهرة أمس (وزارة الدفاع المصرية)

كشفت مصادر ليبية رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» النقاب عن اتفاق مصري - ليبي مشترك على ضبط الحدود وتعزيز التعاون الأمني والعسكري، وقيام مصر بالمساعدة في رفع الكفاءة القتالية لوحدات من الجيش الليبي، وهو الأمر الذي أثار قلق الجماعات المتطرفة في ليبيا.
وأوضحت المصادر المرافقة لعبد الله الثني رئيس الحكومة الانتقالية في ليبيا، الذي يزور مصر حاليا، أن الاتفاق شمل أيضا مساعدة مصر في إعادة تأهيل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الليبية، على نحو يمكّنها من مواجهة الجماعات المتطرفة، التي تدعو إلى العنف وإثارة الفوضى في ليبيا.
وأجرى الثني، أمس، محادثات مهمة، في ثاني أيام زيارته إلى القاهرة، حيث بحث مع الفريق أول صدقي صبحي القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي، تعزيز التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب بين مصر وليبيا، بينما أجرى وزيرا الخارجية والداخلية الليبيان المرافقان له محادثات مماثلة مع نظيريهما المصريين.
وكان وزير الدفاع المصري قد خص الثني بمراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع المصرية، قبل أن يعقدا جلسة محادثات بحضور الفريق محمود حجازي رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسة، وعدد من كبار قادة القوات المسلحة المصرية، تناولت سبل دعم وتعزيز التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة لكلا البلدين في مختلف المجالات، خاصة في مجالي مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود المشتركة.
وأكد الفريق صبحي على العلاقات الراسخة التي تجمع بين الشعبين المصري والليبي اللذين يرتبطان بوحدة الأرض والمصير، مؤكدا على حرص القوات المسلحة المصرية على «دعم الجيش الليبي الشقيق».
وقال بيان لوزارة الدفاع المصرية إن الثني قدم في المقابل التهنئة باسم الشعب والحكومة الليبية إلى الشعب المصري وقواته المسلحة، بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، التي كانت رمزا لانتصار الإرادة العربية.
ونقل البيان عن الثني تأكيده على المواقف المصرية الداعمة للحكومة الليبية في ظل ما يواجهها من تحديات كبيرة، لاستعادة وحدة الصف، وتحقيق الأمن والاستقرار لأبناء الشعب الليبي.
وعرضت مصر تدريب قوات موالية للحكومة تقاتل جماعات مسلحة منافسة في ليبيا، للمساعدة في مواجهة ما قالت إنه تهديد لاستقرارها، وقال مسؤولو أمن مصريون إن انعدام القانون في شرق ليبيا مكّن المتشددين من إقامة مراكز تدريب مؤقتة لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن الحدود مع مصر.
وأعلن بعض المتشددين الإسلاميين بمدينة درنة على ساحل ليبيا ولاءهم لتنظيم «داعش»، الذي سيطر على مساحات كبيرة من العراق.
في غضون ذلك، أعرب عمر السنكي وزير الداخلية الليبي، لدى اجتماعه مع نظيره المصري محمد إبراهيم، عن تطلع بلاده إلى المزيد من الدعم والتعاون الأمني مع مصر لمواجهة ما تفرضه المرحلة الراهنة من تحديات ومخاطر.
وبعدما أكد على ضرورة تكثيف التعاون بين البلدين في مجال ضبط المنافذ الحدودية، أعرب عن رغبته في الاستفادة من خبرات وزارة الداخلية المصرية في مجال تدريب كوادر الأمن الليبية ورفع كفاءتهم، مشيرا إلى ضرورة استمرار التواصل بين وزارتي الداخلية المصرية والليبية لتبادل المعلومات المتصلة بمكافحة الإرهاب وتحديد عناصره، وذلك بهدف إحباط مخططاتهم الرامية لزعزعة الأمن والاستقرار في البلدين.
في المقابل، أعرب وزير الداخلية المصري عن أهمية تنسيق الجهود بهدف السيطرة على الحدود وضبط المنافذ الشرعية لكلا البلدين، للحد من عمليات التهريب التي تضر بالأمن القومي للجانبين.
كما أكد أهمية تبادل المعلومات بشأن العناصر الإرهابية التي تتخذ من بعض المناطق الحدودية ملاذا وقاعدة انطلاق لتنفيذ عملياتها الإرهابية، لافتا إلى ترحيب وزارة الداخلية المصرية بتدريب كوادر الشرطة الليبية على مختلف مجالات العمل الشرطي، انطلاقا من العلاقات الأخوية التي تربط بين شعبي البلدين.
وشدد الوزير المصري على ضرورة توطيد ودعم علاقات التعاون مع وزارة الداخلية الليبية، في إطار التواصل والتنسيق المستمر لمساعدة الشعب الليبي الشقيق على تجاوز الأزمة الحاليـة.
من جهته، أكد سامح شكري وزير الخارجية المصري، لدى لقائه مع نظيره الليبي محمد الدايري، دعم مصر الكامل لتطلعات وإرادة الشعب الليبي ولمؤسساته الشرعية المنتخبة، وعلى رأسها مجلس النواب والحكومة الليبية التي أقرها المجلس.
كما لفت (بحسب بيان رسمي للخارجية المصرية) إلى عزم بلاده تقديم جميع أشكال الدعم الممكنة لبناء مؤسسات الدولة وبناء القدرات وتوفير التدريب اللازم، بما يسهم في تحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق، ويصون وحدة الدولة الليبية وسلامة أراضيها، فضلا عن تعميق التعاون في جميع القطاعات، خاصة في مجالات البنية التحتية، وتمكين الحكومة الليبية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية.
وقال البيان إن شكري شدد على أهمية عقد اجتماع للمبعوثين الدوليين إلى ليبيا في القاهرة، لمقابلته ووزير خارجية ليبيا، لمناقشة الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والتشاور بشأنها، والاستماع إلى رؤية الوزير الدايري في هذا الشأن.
ورغم أن المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية فترة ولايته وحكومة عمر الحاسي، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، التزما لصمت حيال الزيارة، فقد عنونت غرفة عمليات ثوار ليبيا، عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) صورة لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الثني، أول من أمس، بحضور الوفد المرافق له، بالإضافة إلى رئيس وأعضاء الحكومة المصرية، بأنه «رئيس لحكومتين».
من جهته، قال محمد صوان رئيس حزب العدالة والبناء الذي يُعد الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، إن مصر لن يكون لها أي دور فعال وإيجابي يجمع الشمل أو يُقبل بوصفه وسيطا بين الأطراف الليبية.
وعدّ صوان في تصريحات صحافية له أن الدور المصري لن يكون مقبولا في المدى القريب إلا من طرف واحد، وهو من استدعاها للتدخل العسكري ومن أيده، على حد زعمه.
إلى ذلك، دعا المكتب الإعلامي لما يُسمى بعملية فجر ليبيا، التي تضم قوات من مصراتة وحلفائها المتشددين، وتسيطر على مقاليد الأمور في العاصمة الليبية طرابلس منذ الشهر الماضي، إلى استمرار التظاهر وتنظيم الوقفات الاحتجاجية في مختلف المدن الليبية لدعم العملية.
وعدّ أن عملية فجر ليبيا نجحت نجاحا مبهرا في مسارها العسكري والسياسي، مشيرا إلى أن بعض من وصفهم بـ«أصحاب الولاءات الحزبية الضيقة» تسللوا بحجة الحوار والتوافق.
وأضاف في بيان له أمس عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك): «عليه، نطالب أبناء شعبنا الكريم بالاستمرار بنفس ذلك الزخم وأكثر في ميادين وساحات الحرية في المدن الكبرى، لإيصال أصواتهم للداخل والخارج ولقطع الطريق أمام المتسلقين.. نحن نعدهم بمواصلة الطريق إلى نهايته».
وفى مدينة بنغازي بشرق البلاد، هدأت حدة المواجهات العنيفة بين قوات الجيش الوطني والمتطرفين، بعد مقتل قيادي إسلامي بارز واثنين من مرافقيه، في معارك اندلعت بمحيط مطار بنغازي، بينما لقي 14 عسكريا مصرعهم في الأيام الـ3 الماضية خلال الاشتباكات مع المسلحين الإسلاميين.
وأعلنت مصادر طبية وعسكرية أن سليم نبوس القائد الميداني في مجلس شورى ثوار بنغازي واثنين آخرين من مقاتلي المجلس لقوا حتفهم، في المعارك الدائرة بمحيط مطار بنينا الدولي.
وقال متحدث باسم القوات الخاصة والصاعقة التي يقودها العقيد ونيس بوخمادة، إن 13 عسكريا آخرين لقوا حتفهم في الأيام الـ3 الماضية، بينما جُرح أكثر من 30 آخرين في معارك الدفاع عن المطار الذي يتقدم نحوه المقاتلون الإسلاميون.
لكن المتحدث أكد سيطرة الجيش على المطار والمنطقة المحيطة به، مشيرا إلى أن غارات المقاتلات والمروحيات والقصف المدفعي نتجت عنها إصابات دقيقة في عتاد وآليات الإسلاميين المتقدمين باتجاه المطار، جنوب شرقي بنغازي.
وكثف سلاح الجو الليبي طلعاته الجوية في سماء مدينة بنغازي ومناطق متفرقة في شرق البلاد، حيث حلقت عدة مقاتلات على ارتفاع منخفض، وسُمع إطلاق نار من المضادات الأرضية في أنحاء متفرقة من مدينة بنغازي.
وتتقدم قوات مجلس شورى ثوار بنغازي باتجاه المطار الذي يضم مدرجا للطائرات المدنية وقاعدة جوية، حيث تسعى، منذ مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، للسيطرة عليه.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.