حان الوقت لإبعاد لوحة الموناليزا من متحف اللوفر في باريس

تشكل خطراً على الأمن لكثرة المعجبين

جانب من معرض «نظرة إلى الوراء على أعمال الغريكو» (أ.ف.ب)
جانب من معرض «نظرة إلى الوراء على أعمال الغريكو» (أ.ف.ب)
TT

حان الوقت لإبعاد لوحة الموناليزا من متحف اللوفر في باريس

جانب من معرض «نظرة إلى الوراء على أعمال الغريكو» (أ.ف.ب)
جانب من معرض «نظرة إلى الوراء على أعمال الغريكو» (أ.ف.ب)

حتى في مدينة زاخرة وعامرة بالمعارض الفنية الرائعة من معرض «نظرة إلى الوراء على أعمال الغريكو» في القصر الكبير، إلى معرض لأعمال تشارلوت بيرياند تقيمه مؤسسة «لوي فيتون»، يظل عرض الموسم هنا «عقدا من أعمال ليوناردو دافنشي» المقام في متحف اللوفر، حيث نفدت تذاكره ذات الوقت المحدد خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بالكامل. يفند هذا العرض الجاد للغاية الأساطير المتعلقة بهذا الفنان الذي يعد من أقل فناني عصر النهضة البارزين من حيث عدد الأعمال. سوف تجد في المعرض نسخة أنظف وأكثر بريقاً من ليوناردو، أو على الأقل ستجده في المعرض المقام بالأسفل، والذي يضم أربع لوحات من بين خمس للفنان بعد نقلها، لكن يظل الوضع بالأعلى، حيث توجد أشهر أعمال ليوناردو، مخيباً للآمال.
يضم متحف اللوفر أعظم مجموعة فنية في أنحاء أوروبا داخل قصر يمثل في حد ذاته قطعة فنية رائعة، وهو كذلك أشهر متحف في العالم. وبلغ عدد زائري المتحف خلال 2018 عشرة ملايين زائر، كان ثلاثة أرباعهم من الأجانب، أي أكثر من الزائرين خلال العام الماضي بنسبة 25 في المائة، وأكثر من ثلاثة أمثال زائري مركز «بومبيدو»، أو متحف «أورسيه».
مع ذلك لا يزال اللوفر رهينة كيم كاردشيان القرن السادس عشر الإيطالية، التي تتسم بالجمال لكنها مثيرة للاهتمام بشكل متواضع. إنها ليزا غيرارديني، والتي تشتهر بلقب زوجها لا جيوكوندا، الذي طغت شهرته على أهميتها وقدرها بحيث لم يعد أحد يتذكر كيف اكتسبت شهرة في المقام الأول.
يأتي نحو 80 في المائة من الزائرين، بحسب أبحاث متحف اللوفر، من أجل مشاهدة الموناليزا، لكن يغادر أكثرهم دون الشعور بالرضا. لقد أصبحت الموناليزا، التي ارتضت أن تكون شهيرة فحسب خلال القرن العشرين، في عصرنا الحالي الذي تسوده السياحة الشعبية والنرجسية الرقمية، بمثابة ثقب أسود للفن المضاد تسبب في جعل المتحف رأساً على عقب.
خلال الصيف الماضي وفي ظل حرارة تزيد على 100 درجة بدأ متحف اللوفر عملية تجديد لصالة عرض الموناليزا وهي «صال دي زيتا» في جناح «دينون» بالمتحف، والذي كان يضم يوماً ما البرلمان الفرنسي. وقد جعلت اللوحة، التي تم تغيير مكانها ونقلها إلى جناح لوحة ريشيليو، المجموعة الفلمنكية بمثابة ورق حائط لحظيرة ماشية. وكان الازدحام شديداً مما اضطر المتحف إلى إغلاق أبوابه عدة أيام. وصرح اتحاد فريق الأمن بالمتحف قائلا: «اللوفر يختنق»، معلناً عن إضرابه عن العمل، حسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.
والآن بعد عودة الـ«موناليزا» إلى مكانها المعتاد على حائط قائم بذاته تم إعادة طلائه بدرجة أنيقة من اللون الأزرق، أخبرني لويس فرانك، واحد من أميني معرض «نظرة إلى الوراء على أعمال ليوناردو»، بأنه من المستحيل ضم الموناليزا إلى ذلك المعرض. ويبلغ العدد المسموح به من زائري ذلك المعرض خمسة آلاف شخص يومياً، في حين تتسع «صال دي زيتا» لنحو 30 ألف شخص.
وقد انضممت إلى حشود الزائرين مؤخراً، ولم أشهد أي تحسن في الحال، حيث على المرء الاصطفاف في صف طويل أفعواني من الحواجز الملتوية والتي تنتهي على بعد 12 قدماً تقريباً من لوحة ليوناردو، وهي مسافة بعيدة جداً لا تسمح بالتقاط صورة ذاتية جيدة مع لوحة طولها قدمان ونصف. يبدو أنه تم وضع اللوحة أسفل زجاج جميل جديد غير عاكس للضوء، لكن كيف لي أن أرى ذلك من النقطة التي أقف عندها؟ بالكاد تمكن الزائرون الآخرون من رؤية أي شيء، وتم إبعادنا بعد أقل من دقيقة. كل هذا من أجل لوحة لا تعد من أهم أعمال ليوناردو بحسب ما يوضح المعرض الحالي بالمتحف، وتشتت الانتباه بعيداً عن قطع فنية رائعة مهمة بمدينة فينيسيا معروضة في القاعة نفسها مثل «المرأة حاملة المرآة» لتيتيان أو «عرس قانا» لفرونزه. وقد اعترفت إدارة المتحف نفسها بذلك من خلال وضع لافتات إرشادية محيطة بلوحة الموناليزا مكتوب عليها «الموناليزا محاطة بقطع فنية رائعة أخرى، تجولوا في القاعة».
إذا كنت تعتقد أنني من محبي الاعتراض وقول كلمة لا، فاصغ إلى الحشود. في استطلاع للرأي بين سائحين بريطانيين في بداية العام الحالي، كانت الموناليزا «المعلم الأكثر إثارة للإحباط في العالم»، فهي أكثر إحباطاً من نقطة تفتيش تشارلي، ودرجات السلم الإسبانية، وذلك الصبي الذي يتبول في بروكسل. إذا كان أمناء المتحف يعتقدون أنهم يقدمون الإلهام إلى الجيل القادم من محبي الفنون، فهم يفعلون العكس تماماً، حيث يأتي الزوار بدافع الالتزام، ويغادرون مثبطي الهمة.
وقال جان لوك مارتينيز، مدير متحف اللوفر، إن المتحف ربما يتخذ المزيد من الخطوات لتخفيف حدة الهوس بلوحة الموناليزا خلال الأعوام المقبلة من خلال توفير مداخل جديدة، والتذاكر ذات الوقت المحدد. مع ذلك يمثل ذلك إساءة فهم للمشكلة الحقيقية، فالمتحف، الذي تزيد مساحة قاعات العرض به على أي مساحة قاعات عرض على سطح الكوكب، لن يكون مكتظاً ومزدحماً إذا تمكن الزائر من تجاوز الصفوف الأمنية، فعلى سبيل المثال لقد وجدت قاعات عرض الأعمال الإسلامية خلال آخر زيارة لي إلى المتحف شبه خاوية على عروشها. ولم يكن يمر بجناح اللوحة الفرنسية سوى بضعة زائرين، وحتى تمثال «فينوس دي ميلو»، ثاني أشهر عمل فني بالمتحف، لا يجذب سوى عدد قليل من الزائرين.
لا يواجه المتحف مشكلة ازدحام، بل مشكلة الموناليزا، حيث لا يوجد أي لوحة أخرى مهما بلغت أهميتها، مثل «ميلاد فينوس» لبوتيتشيلي في معرض «أوفيزي» بفلورنسا، ولا لوحة الـ«قبلة» في مبنى «بيلفيدير» بفيينا، ولا «ليلة مليئة بالنجوم» في متحف الفن الحديث بنيويورك، تحتكر المؤسسة التي تعرضها وتسيطر عليها كما تفعل الموناليزا. وإذا استمر عدد السائحين في الزيادة، وأصبح العشرة ملايين زائر أحد عشر أو اثني عشر مليونا خلال العام المقبل فسوف يتصدع المكان بالتأكيد. لذا على متحف اللوفر الاعتراف بالهزيمة، وبأنه قد حان وقت إبعاد الموناليزا عن بؤرة الضوء.
إنها تحتاج إلى مكانها الخاص؛ لذا يمكن بناء سرادق لها في قصر



مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)
رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)
رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم رأس تمثال من الجرانيت للملك رمسيس الثاني داخل معبده بمدينة أبيدوس بمحافظة سوهاج (جنوب مصر)، ضمن أعمال البعثة الأثرية الأميركية التابعة لجامعة نيويورك، في إطار التعاون العلمي القائم بين المجلس الأعلى للآثار وعدد من البعثات الأثرية الدولية العاملة في مصر.

وتأتي أعمال ترميم رأس تمثال الملك رمسيس الثاني ضمن استراتيجية الوزارة الرامية إلى صون التراث الأثري المصري وإبرازه بالصورة اللائقة أمام الزائرين. وصرّح وزير السياحة والآثار، في بيان صدر يوم الأربعاء، بأن «هذه الجهود تعكس نجاح التعاون العلمي مع البعثات الأثرية الدولية، بما يُسهم في إحياء مزيد من عناصر المواقع الأثرية، وتعزيز التجربة السياحية فيها، لا سيما في المواقع ذات القيمة التاريخية الكبرى، مثل أبيدوس بمحافظة سوهاج».

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن أعمال الترميم تمت تحت الإشراف الكامل للمجلس، ووفق أحدث الأساليب العلمية المتبعة عالمياً في مجال صون الآثار وترميمها؛ حيث نجح فريق العمل في إعادة تجميع الوجه والرأس بدقة بعد أن كانت منفصلة عن غطاء الرأس الملكي المعروف باسم «النمس»، موضحاً أنه «عقب الانتهاء من أعمال الترميم تم تثبيت الرأس فوق قاعدة حجرية عند مدخل الصرح الثاني للمعبد على ارتفاع مناسب يتيح للزائرين مشاهدتها بوضوح، بما يُسهم في تحسين التجربة السياحية بالموقع الأثري، وإبراز القيمة الفنية والجمالية له».

رأس تمثال الملك رمسيس في معبده في أبيدوس (وزارة السياحة والآثار)

وشيّد رمسيس الثاني معبده في أبيدوس بين عامي (1303 - 1214 قبل الميلاد) لتقديس الآلهة الثلاثة الرئيسية في المنطقة «أوزوريس، وإيزيس، وحورس» وليُخلّد فيه ذاته إلهاً. وفي وقت سابق، كشفت بعثة أثرية مصرية أميركية تابعة لجامعة نيويورك في محيط المعبد عن عدد من رؤوس الكباش المحنطة تعود للعصر البطلمي.

وحول ترميم رأس تمثال رمسيس الثاني، يلفت رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إلى أن وجه التمثال كان قد اكتشف عام 1994 داخل الفناء الأول للمعبد بواسطة فريق من الآثاريين بالمجلس الأعلى للآثار، وتم نقله إلى المخازن لإجراء أعمال الترميم والدراسة.

وبعد الفحص والدراسة، تبين أن الوجه يتطابق مع غطاء الرأس الملكي «النمس» الذي كان قد عُثر عليه سابقاً بالمعبد، الأمر الذي دفع البعثة إلى ترميم الوجه وإعادة تركيبه مع باقي الرأس.

ويبلغ قياس الوجه نحو 67 سم، ويزن نحو 300 كيلوغرام، وقد عُثر عليه في حالة جيدة من الحفظ، مع بقايا واضحة من الألوان الحمراء والصفراء، فيما لا يزال جزء من اللحية الملكية محفوظاً، وفق بديع.

ويزن غطاء الرأس الملكي «النمس»، نحو طن، ولا تزال به بقايا من اللون الأصفر الذي يحاكي طيات القماش المخطط أسفل التاج الملكي المفقود، كما لا تزال بقايا حية الكوبرا الملكية «الأورايوس» مثبتة في مقدمة «النمس»، وفق البيان.

تمثال رمسيس الثاني في معبده بسوهاج (وزارة السياحة والآثار)

في السياق، أوضح مدير بعثة جامعة نيويورك، الدكتور سامح إسكندر، أن أجزاء من التمثال كانت قد اكتُشفت بواسطة الفريق المصري خلال موسمي حفائر 1994–1995، وتشمل الساقين وقاعدة التمثال.

كما كشفت البعثة خلال مواسم سابقة عن أجزاء أخرى من التمثال، مع وضع خطة لاستكمال أعمال الحفائر بالموقع خلال المواسم المقبلة، أملاً في العثور على بقية أجزاء التمثال وإعادة تركيبه كاملاً.

وتولى الملك رمسيس الثاني الحكم في الدولة الحديثة في عمر يتراوح بين 25 و30 عاماً، خلفاً لوالده الملك سيتي الأول، وامتد حكمه الطويل لنحو 67 عاماً، ترك خلالها إرثاً كبيراً من الآثار والنقوش. ويعد معبده في أبو سمبل بأسوان من أشهر المعابد، وكذلك معبد زوجته نفرتاري.


علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
TT

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)

توصل باحثون من جامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية إلى نتائج وصفوها بـ«الواعدة»، لعلاج جديد يستهدف الساركوما العظمية، أكثر أنواع سرطان العظام شيوعاً لدى الأطفال والشباب.

وأوضح الباحثون أن هذا العلاج يُمثل خطوة مهمة بعد عقود من محدودية الخيارات العلاجية الفعالة ضد هذا المرض، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية (BMC Medicine).

والساركوما العظمية هي أكثر سرطانات العظام الأولية انتشاراً، ويصيب غالباً الأطفال والمراهقين خلال فترات النمو السريع. وينشأ هذا السرطان في الخلايا المسؤولة عن تكوين العظام، ويظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق أو الذراع.

وعلى الرغم من عدم وضوح أسبابه بدقة، فإنه يرتبط بتغيرات جينية في الخلايا، وأحياناً بعوامل وراثية نادرة. ووفق الباحثين، تكمن خطورته في قدرته على الانتشار إلى أعضاء أخرى، خصوصاً الرئتين، ما يجعل علاجه أكثر تعقيداً. ويعتمد العلاج حالياً بشكل رئيسي على مزيج من الجراحة والعلاج الكيميائي.

ويعتمد العلاج الجديد، المعروف باسم (OSM CAR-T)، على إعادة برمجة الخلايا المناعية لدى المريض لتتعرف على الخلايا السرطانية وتهاجمها وتدمرها بدقة.

ورغم نجاح تقنية هذه التقنية في علاج سرطانات الدم مثل اللوكيميا واللمفوما، فإن فاعليتها ضد الأورام الصلبة مثل الساركوما العظمية كانت محدودة بسبب تعقيد هذه الأورام وتنوع خصائصها.

وتمكن الفريق البحثي من تجاوز هذه العقبة عبر تصميم خلايا مناعية مُعدّلة تسمى (CAR-T) تستهدف بروتيناً يظهر على سطح خلايا الساركوما العظمية، ما يتيح للخلايا المناعية التعرف على عدة مستقبلات في وقت واحد ومهاجمة الورم بفاعلية أكبر.

وأظهرت التجارب المعملية وعلى النماذج الحيوانية نتائج إيجابية، إذ نجحت الخلايا المناعية المُعدّلة في القضاء على خلايا الساركوما العظمية في جميع العينات التي خضعت للاختبار، وقلصت حجم الأورام بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، وفق الفريق، أظهر هذا النهج قدرة العلاج على استهداف الخلايا السرطانية المنتشرة إلى أعضاء أخرى في الجسم، وهي من أخطر مراحل المرض وأكثرها مقاومة للعلاج.

وقالت الدكتورة ريشمي باراميسواران، الباحثة الرئيسية في الدراسة: «العلاجات التقليدية للساركوما العظمية، التي تعتمد على الجراحة والعلاج الكيميائي، لم تشهد أي تطور يُذكر منذ أكثر من 40 عاماً».

وأضافت عبر موقع الجامعة، أن النهج الجديد يفتح الباب أمام علاج موجه يستخدم جهاز المناعة لمهاجمة السرطان، مع احتمالية تحقيق نتائج أفضل وآثار جانبية أقل.

وأشارت إلى أنه من المتوقع أن يبدأ اختبار العلاج في تجارب سريرية خلال العامين المقبلين، وإذا أثبت نجاحه لدى البشر، فقد يوفر خياراً علاجياً جديداً يقلل الحاجة إلى الجراحة، ويمنح أملاً أكبر للمرضى، خصوصاً أولئك الذين يعانون من انتشار السرطان إلى أجزاء أخرى من الجسم.


«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
TT

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

لم تستسلم جوزيان بولس، مديرة «مسرح مونو»، أمام واقع حرب يلفّ لبنان من شماله إلى جنوبه. تحدَّت أصوات الصواريخ والانفجارات، ومشهد تشتُّت اللبنانيين، عبر مقاومة ثقافية وفنية، فدعت هواة المسرح إلى حضور العرض الأول من مسرحية «كذبة بيضا». لبَّى الدعوة جمهورٌ ملأ مقاعد صالة «مونو»، مشدوداً إلى مبادرتها، ومعبِّراً عن امتنانٍ لمساحة ضوءٍ تستحدثها وسط ظلمة حرب قاتمة.

وعلى مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً صاغه الكاتب ألكسندر نجار، وأدَّته على الخشبة مجموعة من الممثلين، من بينهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون، وغيرهم. وجاء العمل ضمن مشهدية بصرية لافتة، تتضمن ديكورات تتقاطع مع زمن الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي.

تفاصيل حرب السبعينات حضرت على الخشبة (مسرح مونو)

تتمحور قصة العمل حول الشاب العشريني «جينو» (أنطوني توما)، الضائع بين مصيرين: أحدهما مجهول والآخر موجع؛ فإما أن يغادر البلد لإكمال دراسته بعيداً عن وطأة الحرب، وإما أن ينخرط في ميليشيا تقاتل على الأرض.

وتطرح مخرجة العمل، لينا أبيض، الدوامة نفسها التي يعيشها شباب اليوم، مبرزة تأثير قرارات الأهل على أبنائهم، بما يزيد من ضياعهم، ومسلِّطة الضوء على القرارات المصيرية التي كثيراً ما تُفرَض عليهم من عائلاتهم. فيعيش الحضور تجربة مسرحية تتراوح بين الحنين إلى الوطن وفكرة الصمود رغم كل شيء.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول صالة المسرح، حرصت لينا أبيض على إشعار الجمهور بالحقبة التي يدور فيها العمل؛ فكانت أغنيات سبعينات القرن الماضي تصدح في الأرجاء. يخرج صوت كلود فرنسوا تارة، ليلاقيه نجم سبعيني آخر هو جان فرنسوا ميكايل، ما أيقظ مشاعر الحنين لدى الحضور من جيل الحرب، الذين أدركوا أنهم على موعد مع أيامٍ خلت.

موضوع المسرحية يعود إلى سبعينات القرن الماضي، لكنه يقيم مقاربة موضوعية بين ما حدث وما يجري اليوم؛ فالسلام لا يزال مفقوداً في بلد عانى الأمرَّين لأكثر من نصف قرن. وتأخذنا لينا أبيض في رحلة ذكريات تختلط فيها المتعة بالوجع، فتغمر المشاهد بأحاسيس متناقضة.

بالعربية والفرنسية تدور حوارات المسرحية، ناقلةً يوميات عائلة لبنانية تنتمي إلى طبقة رأسمالية؛ فالأب والأم يخططان لمستقبل ابنهما ليتسلَّم إدارة المصنع الذي يملكانه، فيما تحاول العمة تقريب وجهات النظر بينهما وبين الابن الشاب الذي يحلم بأن يصبح مغنياً. وفي نهاية المطاف، يتفق الجميع على أن سفره هو الحل الأفضل، إذ لا يرغبون في أن يقاتل ويعود إليهم في صندوق خشبي.

بطل العمل أنطوني توما أعاد الحضور بأغنياته إلى زمن السبعينات (مسرح مونو)

يوهم «جينو» والديه بأنه غادر إلى آسكوتلندا، لكنه في المقابل يلتحق بالمقاتلين في ثكنة تقع على خطوط التماس في منطقة السوديكو. هناك نتابع إيقاع يوميات المقاتلين وما يتعرضون له من مخاطر، كما نتعرَّف إلى القنَّاص الذي يتلذذ باصطياد الناس في بيوتهم من سكان الحي الغربي لمنطقتهم، وكذلك إلى الممرضة الفرنسية المتطوعة لمساعدة جرحى الحرب.

تستعيد مشاهد «كذبة بيضا» تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية، فتعود بنا إلى الألقاب التي كان يحملها المقاتلون لتكون أسماء تمويهية لهم، مثل: «راسبوتين»، و«أسبيرين»، و«العميد»، و«شاكوش»، إضافة إلى «أزنافور»، وهو الاسم الحركي للشاب «جينو».

كما تستحضر لينا أبيض متاريس الرمل، التي كانت تفصل بين شارع وآخر، وانقطاع التيار الكهربائي والأدوية، وتعيد إلى الذاكرة أسلوب التواصل مع المغتربين اللبنانيين عبر رسائل البريد والتسجيلات الصوتية، التي كانت تُرسل إلى بلاد الاغتراب لتشكِّل، آنذاك، صلة التواصل الوحيدة بين المقيمين والمغتربين.

وكما الانفجارات وأزيز الرصاص المنتشر في الأجواء، نستعرض خسائر الحرب البشرية والمادية. ويتردد في الآذان صوت المذيعة في نبأ إخباري: «مكتب التحرير في خبر جديد». كما يستمع الحضور إلى قصة أحد المقاتلين، وكيف خسر ابنه وزوجته في 26 يونيو (حزيران) عام 1975 على خطوط التماس، فقرَّر الانتقام لهما عبر التحاقه بإحدى الميليشيات، حيث صار يملك سلطة منع أي شخص من دخول منزله والدوس على ذكرياته المحروقة.

تضع المسرحية إصبعها على الجرح عندما يتحدث المقاتلون عن الإحباط، وعن عالمٍ نسي لبنان وتركه يواجه مصيره وحيداً من دون أي مساعدة.

يصدح صوت أنطوني توما بأغنيات السبعينات، منها «لا بوهيم» لشارل أزنافور، و«يسترداي» لفرقة البيتلز، و«Je lui dirai des mots bleus» للمغني الفرنسي كريستوف، موقظاً مشاعر مختلطة لدى الحضور، بعدما أعادهم إلى حقبة أليمة محفورة في ذاكرتهم.

«كذبة بيضا» من تأليف ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض (مسرح مونو)

يبقى شريط الذكريات حاضراً طوال العرض، ويستوقف الجمهور مشهد العمة «ريموند» التي نمَّت موهبة «جينو» عندما كانت تشتري له مجلة «Salut les copains»، فتعود بالذاكرة إلى جيلٍ كان يبني أحلامه الفنية على مجلات فرنسية لمواكبة تطورات الساحة الفنية بطريقته الخاصة.

في «كذبة بيضا»، لا يروي ألكسندر نجار قصة الشاب «جينو» فحسب، بل يفتح الباب على حكايات جيلٍ بأكمله تكسَّرت أحلامه، وبقيت جروح الحرب ندوباً في ذاكرته.

حاول نجار أيضاً تلوين القصة بمواقف مضحكة تخفف من وطأة الأحداث، إلا أنه حافظ في الوقت نفسه على إبراز شعب أتعبته الحروب، فبدا منهكاً وضائعاً بين خيارين لا يقلُّ أحدهما قسوة عن الآخر، ليُقنع نفسه في النهاية بأنه بخير، مكتفياً بما يشبه «كذبة بيضاء» لا أكثر.