قصة روبرتو فيرمينو يرويها أحباؤه الأوائل في البرازيل

كرة القدم غيّرت حياة طفل بائس ذاق مرارة الفقر منذ طفولته

فيرمينو وأسرته وكأس دوري أبطال أوروبا  -  خاض فيرمينو 41 مباراة دولية مع منتخب البرازيل
فيرمينو وأسرته وكأس دوري أبطال أوروبا - خاض فيرمينو 41 مباراة دولية مع منتخب البرازيل
TT

قصة روبرتو فيرمينو يرويها أحباؤه الأوائل في البرازيل

فيرمينو وأسرته وكأس دوري أبطال أوروبا  -  خاض فيرمينو 41 مباراة دولية مع منتخب البرازيل
فيرمينو وأسرته وكأس دوري أبطال أوروبا - خاض فيرمينو 41 مباراة دولية مع منتخب البرازيل

في أحد أيام الاثنين من عام 2001، كانت أدريانا ليتي تجلس في فصلها الدراسي في مدينة ماسايو المطلة على الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل. وكالعادة، كان هناك صبي خجول لكنه لطيف يدعى روبرتو، يجلس على المكتب المجاور لها. وسألته ليتي كيف قضى عطلته في نهاية الأسبوع. وعندما قال روبرتو إن الكهرباء في منزله قد انقطعت طوال عطلة نهاية الأسبوع، كانت ليتي تشعر بالقلق، وسألت التلميذ البالغ من العمر عشر سنوات عما حدث لطعام أسرته.
ابتسم الطفل بطريقته المعهودة، وقال إنه لم يكن هناك أي شيء في الثلاجة، لذلك لم يكن من الممكن أن يفسد أي شيء! تتذكر ليتي ذلك اليوم قائلة: «عندما أخبرني بأنه لم يكن لديه شيء في الثلاجة في المنزل، شعرت بحزن شديد. لقد كان صغيراً للغاية، وكان دائماً خجولاً للغاية، وشعرت بالدهشة من إجابته. ما الذي كان يعنيه بأنه لا يوجد شيء في الثلاجة؟ كنت دائماً أتذكر روبرتو بسبب ذلك الموقف، ذلك الفتى الصغير النحيل الذي كان يجلس بجانب مكتبي ويتحدث دائماً عن كرة القدم».
ولم تكن ليتي، التي ما زالت تعمل في مجال التدريس، لديها أي فكرة عن أنها ستحكي هذه القصة بعد نحو 20 عاماً. لقد كانت معتادة في ذلك العام على الحديث مع هذا الصبي الخجول عن كرة القدم وعن دراساته، وكانت دائماً ما تطالبه بأن يركز على تعليمه؛ لكنه في بعض الأحيان لم يكن يستمع لنصائحها، وكان يتغيب عن المدرسة لكي يلعب كرة القدم على الملاعب الترابية الصغيرة المنتشرة حول حي ترابيشي.
وقد آتى التغيب عن المدرسة والإصرار على ممارسة كرة القدم ثماره؛ حيث انضم فيرمينو وهو في الثالثة عشرة من عمره لفريق الشباب في واحد من الناديين المحليين، وهو نادي «سي آر بي»، الذي يلعب حالياً في دوري الدرجة الثانية بالبرازيل. في البداية كان فيرمينو يرتدي القميص رقم 5، وهو الرقم المخصص في البرازيل للاعبين الذين يلعبون في مركز خط الوسط المدافع. وكان فيرمينو يلعب وقت الحاجة في مركز قلب الدفاع أيضاً.
وسرعان ما لمع نجم فيرمينو بسبب الطريقة التي يسدد بها الكرة؛ لكنه كان هادئاً جداً ونادراً ما يقيم علاقات اجتماعية مع زملائه. يقول مدربه السابق، جيلهيرم فارياس: «كان فيرمينو صبياً متواضعاً للغاية؛ لكنه كان موهوباً جداً. وبمجرد أن رأيته وهو يلعب، جعلته يوقع عقداً مع النادي؛ لأنني كنت أعلم أن لدينا جوهرة بين أيدينا. لقد كان ملتزماً للغاية، وكان يستمع لكل التعليمات بعناية فائقة، وكان الجميع يحبونه. كانت عائلته تواجه بعض الصعوبات المالية في ذلك الوقت، لذلك اجتمعنا سوياً لمساعدته وساعدناه على خوض التدريبات والسفر مع الفريق».
سافر اللاعب الشاب فيرمينو إلى شمال شرقي البرازيل، للمشاركة في بطولات تقام بين الولايات المختلفة، وذهب إلى ساو باولو للمشاركة في بطولة وطنية مهمة. وهناك قصة حدثت في تلك الرحلات، ويريد فارياس أن يرويها؛ لأن هذه القصة تعكس براءة هذا الصبي الخجول. يقول فارياس: «كنا جميعاً نلعب كرة القدم في الفندق، وكنا نتنافس على من يتلاعب بالكرة بين قدميه لأطول فترة ممكنة، من دون أن تسقط على الأرض، وسقطت الكرة على أقدام فيرمينو، الذي ارتكب خطأ. لقد سدد فيرمينو الكرة في النافذة وكسر الزجاج؛ لكنه قال إنه سيشتري زجاجاً على حسابه الخاص ويضعه في النافذة مرة أخرى. إنه سلوك رائع أشاد به الجميع، فإذا ارتكبت خطأ فيتعين عليك إصلاحه. وبالفعل، قام فيرمينو بشراء زجاج للنافذة وقمنا بتركيبه».
وحقق فيرمينو قفزة أخرى في مسيرته الكروية في عام 2008، عندما قام مدرب آخر في فريق الشباب بنادي «سي آر بي»، وهو تونينيو ألميدا، بالاتصال بصديقه – لاعب نادي أتلتيكو مينيرو، بيلو – وأخبره بأنه يتعين عليه أن يرى فيرمينو وهو يلعب. وأرسل تونينيو مقطع فيديو به بعض المباريات للاعب إلى بيلو، الذي أعجب كثيراً بقدرات وإمكانات فيرمينو. ومن خلال اتصالاته الواسعة، طلب بيلو من فيرمينو أن يجري اختبارات في نادي ساو باولو، الذي كان حاملاً للقب الدوري البرازيلي الممتاز في ذلك الوقت.
ولم ينجح فيرمينو في الاختبار في ساو باولو؛ لكنه أقام علاقة صداقة مع بيلو، الذي تمكن من ترتيب اختبار آخر لفيرمينو في أحد أنديته السابقة، فيغيرينسي. ونجح فيرمينو في هذا الاختبار، ولفت أنظار مسؤولي النادي. يقول بيلو عن ذلك: «لقد تم تقييمه بشكل سيئ للغاية في نادي ساو باولو؛ حيث لم يتدرب سوى وقت قصير للغاية بالكرة. صحيح أنه لم ينجح في اجتياز الاختبار؛ لكنني بعد ذلك أخذته إلى فيغيرينسي، الذي سبق وأن لعبت به، وكنت أعرف كثيراً من المسؤولين هناك. لذلك، تمكنت من إعطائه فرصة أخرى. وقد تألق فيرمينو هناك بشكل ملحوظ. لقد كان موهوباً بالفعل؛ لكن الخبرات التي حصل عليها من اللعب في دوري الدرجة الثانية بالبرازيل ساعدته كثيراً».
وكان بيلو مع فيرمينو عندما وقع على أول عقد احترافي له في فيغيرينسي. وقد لعبا سوياً عندما عاد بيلو إلى النادي عام 2010؛ وما زالا صديقين حتى يومنا هذا. يقول بيلو عن ذلك: «أنا الأب الروحي لبناته، وكنت أفضل رجل في حفل زفافه، ونتحدث باستمرار كل أسبوع. إنه شخص هادئ للغاية؛ لكنه يكون على طبيعته بصورة أكبر مع أصدقائه. إنه شخص لطيف للغاية، وقد تطور كثيراً. لقد لعب محور ارتكاز في خط الوسط وقلب دفاع، ثم لعب في خط الوسط معي، ويلعب الآن مهاجماً صريحاً. إنه شخص ذكي للغاية، وأعتقد أنه أكثر لاعب مثير للاهتمام في نادي ليفربول الآن». يذكر أن بيلو قد اعتزل كرة القدم ويعمل الآن مديراً فنياً.
واتضح أن انتقال فيرمينو إلى فيغيرينسي في جنوب البلاد كان مفيداً للغاية للاعب الشاب؛ حيث تشتهر هذه المنطقة بوجود كثير من الكشافين ووكلاء اللاعبين. وبعد أن لعب فيرمينو دوراً كبيراً في صعود فيغيرينسي إلى الدوري البرازيلي الممتاز، انتقل اللاعب إلى نادي هوفنهايم الألماني، لكي يصنع لنفسه اسماً في كرة القدم الأوروبية. وقد لمع نجمه منذ ذلك الحين.
وقد حصل فيرمينو على أول بطولة في مسيرته الكروية هذا العام، بعدما قاد ليفربول للحصول على لقب دوري أبطال أوروبا، كما قاد البرازيل للفوز بلقب كأس أمم أميركا الجنوبية. والآن، أصبح فيرمينو اللاعب البرازيلي من بين اللاعبين الأكثر تسجيلاً للأهداف في الدوري الإنجليزي الممتاز، كما خاض 41 مباراة دولية مع منتخب «السامبا».
أما بالنسبة للمُدرسة، ليتي، فقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تستوعب ما حدث؛ حيث لم تكن تعرف أن اللاعب الذي يتألق بقميص المنتخب البرازيلي بابتسامته المعهودة هو نفسه روبرتو، الذي كان يدرس في مدرسة «ماريا ريتا ليرا دي ألميدا» قبل عقدين من الزمان تقريباً. وقد التقيا بعد ذلك في مطار ماسايو، والتقط صوراً مع أطفالها؛ لكن ليتي لم تكن تعلم أن هذا هو الصبي الذي كانت تعلمه.
لكن خلال العام الماضي، وقبيل انطلاق كأس العالم في روسيا، تلقت مكالمة هاتفية من مدير المدرسة الذي سألها عما إذا كان لاعب كرة القدم روبرتو فيرمينو كان طالباً عندها. تقول ليتي: «لقد أجرينا بعض البحث واكتشفنا أنه هو روبرتو الذي كنت أعلمه. لم يكن أطفالي يصدقون أنه كان طالباً عندي، ولا يصدق كثير من الناس هذا الأمر. لقد بدأت أتذكر الحكايات التي حدثت معه، وشعرت بسعادة غامرة؛ لأنه نجح في التغلب على كل الظروف الصعبة لكي يغزو عالم الرياضة كما كان يتمنى».
وبعدما اكتشفت هذا الأمر، كانت تريد أن تسنح لها الفرصة لمقابلته مرة أخرى. وقد عرف صديق للابن الأكبر لليتي أن فيرمينو موجود في ماسايو، لذلك قرر البحث عنه. تقول ليتي: «لقد ذهبنا إلى هناك بشكل غير متوقع ومن دون ترتيب، وبالطبع لم يكن ليسمح لنا بالدخول إلى المنزل لمجرد التحدث مع روبرتو؛ لكن ابني الأصغر كان يريد حقاً أن يقابله، لذلك أخذ ابن عم فيرمينو ابني إلى داخل المنزل. وعندما رأى فيرمينو كان على وشك البكاء؛ لكن فيرمينو بدأ يمزح معه. وبعد ذلك، خرج روبرتو من المنزل واستقبلنا والتقط الصور معنا، وكان هذا يوماً عظيماً بالنسبة لنا».
وبالنسبة لفارياس، ذلك الرجل الذي أخذ فيرمينو لأول مرة إلى نادي «سي آر بي»، فإن رغبته في رؤية لاعبه السابق لم تتحقق بعد. ويعمل فارياس في مجال كرة القدم منذ أكثر من 30 عاماً، ويشعر بالفخر لأنه درب عدداً من اللاعبين الذين يحظون بشهرة كبيرة من ولاية ألاغواس، بما في ذلك مدافع ريال مدريد السابق بيبي، ومهاجم ريال سوسيداد ويليان خوسيه. لكنه يشعر بالأسف لأنه لم يلتقِ بأي منهم بعد ذلك. يقول فارياس: «أنا سعيد للغاية بالنجاح الذي حققه فيرمينو؛ لأنه ينتمي إلى هذا المكان. وعندما يلعب فيرمينو بشكل جيد، فإنني أشكر الله. إنه يستحق كل ما وصل إليه، وأتمنى أن أقابله وأتحدث معه قليلاً؛ لأن الأمور أصبحت صعبة الآن في البرازيل».



هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.