كشمير تهدد العلاقات الاقتصادية الهندية ـ التركية

كشمير تهدد العلاقات الاقتصادية الهندية ـ التركية

من أحلام الـ10 مليارات دولار... إلى خانة العقاب
الجمعة - 11 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 08 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14955]
بعد أن كانت العلاقات الاقتصادية بين الهند وتركيا في أوجها خلال السنوات القليلة الماضية تتجه الآن إلى مسار العقوبات والمقاطعة (رويترز)

من المرجح للهند أن تتخذ إجراءات اقتصادية صارمة بشأن تركيا بسبب موقفها المزعوم المناهض للهند فيما يتصل بإقليم كشمير في الاجتماعات الأخيرة للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، بعد أن ألغت الهند الوضعية الدستورية الخاصة بالإقليم.
ومن المحتمل توجيه أولى الضربات إلى شركة «أناضولو شيبيارد» التركية، والتي كانت في معرض مشروع ضخم بقيمة تبلغ 2.3 مليار دولار لبناء سفينة دعم الأسطول من سعة 45 ألف طن بالتعاون مع شركة «هندوستان شيبيارد ليمتد» بالقطاع العام الهندي. ومن المعلوم أنه من المرجح للهند أن تعصف بشركة «أناضولو شيبيارد» التركية خارج المشروع الضخم. وكانت الشركة التركية قد اختيرت بواسطة الشركة الهندية المذكورة في يناير (كانون الثاني) من العام الجاري لتوفير التصميمات، وغير ذلك من المساعدات الفنية المعهودة في بناء خمس سفن دعم للأسطول.
وصرح أحد المسؤولين الكبار في الحكومة الهندية لمراسلة صحيفة «الشرق الأوسط» في هذا الصدد قائلا: «في حين أن التعاقد لم يبلغ حد التوقيع عليه بعد، فمن الواضح تماما أن شركة (أناضولو شيبيارد) التركية لم تعد شريكا مباشرا لنا في هذا المشروع. والحكومة الهندية واضحة للغاية في أن التعليقات التركية لدى الدورة الرابعة والسبعين من اجتماعات الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة غير مقبولة تماما، ولا هي تعزز بناء العلاقات الثنائية الأفضل بين البلدين. ومن ثم فإن البدء في المشاريع المشتركة الكبيرة في هذه المرحلة الراهنة لم يكن من الأمور المقبولة لدينا بحال».
وتلك هي المرة الأولى التي تتخذ فيها الحكومة الهندية الإجراءات الاقتصادية العقابية ضد إحدى الشركات الأجنبية خارج البلاد، والتي قد تسفر عن حظر شركة «أناضولو شيبيارد» التركية من ممارسة كافة الأعمال التجارية في الهند. وفي حين أنه من غير الواضح إلى أي مدى سوف يؤثر هذا القرار على دفتر أعمال الشركة التركية، إلا أن الحكومة الهندية قد علقت كافة أشكال التعاون المستقبلي بصورة فعالة حتى تتراجع الحكومة التركية عن موقفها المتخذ.
هذا وقد بلغت قيمة التجارة الثنائية بين الهند وتركيا في السنة المالية 2018 ما قيمته 8.7 مليار دولار. وكان الجانبان يواصلان العمل لبلوغ مستوى 10 مليارات دولار من التجارة الثنائية بحلول السنة المالية المقبلة. وقد بلغت قيمة الاستثمارات الثنائية بين البلدين نحو 60.5 مليون دولار في عام 2018، ارتفاعا من مبلغ 10.03 مليون دولار فقط في عام 2016. وكانت تركيا قد استثمرت بكثافة ملحوظة في قطاع البناء والتشييد الهندي، في حين بلغ إجمالي الاستثمارات التركية في الهند نحو 42.3 مليون دولار في عام 2018، وهو أعلى مستوى مسجل في خمس سنوات. كما بلغت قيمة استثمارات الشركات الهندية في تركيا نحو 18.26 مليون دولار خلال عام 2018.
وفي الآونة الراهنة، هناك تسع شركات تركية كبرى تعمل في مجال البنية التحتية تباشر عملها في الهند، ويشارك معظمها في قطاعات تشييد خطوط الأنابيب والأنفاق في البلاد. ووفقا للمعلومات الواردة على موقع السفارة الهندية، فإن من بين الشركات التركية العاملة في الهند هناك: «ليماك للتشييد والبناء»، و«فرناس للتشييد والبناء»، و«سارار غييم»، و«سوكتاس»، و«كينغسبان أيزوبولي»، و«هيدروماس». وفاز ائتلاف تجاري يضم شركة «ناس لخدمات الطيران الهندية ليمتد» مع شركة «سيليبي التركية للخدمات الأرضية بالمطارات» بتعاقد لتوفير الخدمات الأرضية لمدة عشر سنوات كاملة في مطار «تشاتراباتي شيفاجي الدولي» في مومباي، وكذلك مطار «أنديرا غاندي» في العاصمة نيودلهي.
كما فازت شركة «فرناس التركية للتشييد والبناء» والعاملة في مجال البنية التحتية وقطاع خطوط الأنابيب، بتعاقد هندي لتركيب وتشغيل قسم من خط أنابيب (GAIL) في ولاية غوجارات الهندية. ووفقا إلى المصادر المطلعة، هناك جانب من الشركات التركية تعمل بالفعل داخل عدة مواقع من إقليم جامو وكشمير، والذي يحظى بالأهمية الاستراتيجية الكبيرة في البلاد. كما أنه من الواضح أن الميل التركي صوب باكستان في الآونة الأخيرة أسفر عن دق نواقيس الإنذار لدى المسؤولين في وزارة الداخلية الهندية.
وصرح مصدر مسؤول في وزارة الداخلية الهندية: «هناك ما يصل إلى 16 مشروعا كبيرا تحت التشغيل في البلاد تشارك فيها شركات المقاولات التركية بصفة مباشرة نظرا للخبرة التركية في قطاع الأنفاق وقطاع خطوط الأنابيب، ومن ثم أبدت الشركات الهندية اهتماما كبيرا في التعاون مع الشركات التركية. بيد أن تصريحات الرئيس التركي الأخيرة قد خلقت نوعا من المخاوف في أذهان أصحاب الشركات الهندية التي كانت تسعى للتعاون مع الشركات التركية، كما أنها أثارت انتباه المسؤولين الأمنيين في الوزارة».
واستطرد المصدر المسؤول نفسه قائلا: «يكمن السبب وراء اهتمام وزارة الداخلية الهندية بالأمر أن الشركات التركية تعمل في مشاريع الأنفاق قيد الإنشاء حاليا والتي تحمل أهمية كبيرة من حيث تأمين البلاد. ومع ذلك، تُعنى وزارة الداخلية بأعلى درجات التيقظ والانتباه مع بذل كافة الجهود المستمرة لضمان حماية المصالح الأمنية للبلاد. وتتخذ الوزارة التدابير المزيدة للحيلولة دون وقوع أي مخاطر من أي جانب».
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد تعمد إثارة قضية إقليم كشمير مع انتقاد المجتمع الدولي باللامبالاة وعدم الاهتمام بالأوضاع هناك.
يمثل التعاون الاقتصادي والتجاري بين الهند وتركيا بعدا مهما للغاية في العلاقات الثنائية بين البلدين. وتشكل الكثير من الاتفاقيات والآليات المؤسساتية الثنائية، على المستويين الحكومي والتجاري، الأطر المطلوبة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، بما في ذلك اللجنة الهندية التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتقني، ومجلس الأعمال الهندي التركي المشترك بين اتحاد الغرف التجارية والصناعية الهندي ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي.
وأبرم بنك الدولة الهندي مع بنك أكبانك التركي اتفاقية للتعاون لتعزيز التجارة الثنائية والاستثمارات بين الجانبين. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016 وقع البنك المركزي الهندي على مذكرة تفاهم بشأن «التعاون الإشرافي وتبادل المعلومات الرقابية» مع هيئة التنظيم والرقابة المصرفية في الجمهورية التركية.
وفي الأثناء ذاتها، تنظر الحكومة الهندية أيضا في تخفيض عدد الرحلات الجوية للخطوط الجوية التركية من الهند، والتي تنقل أعدادا كبيرة للغاية من الهنود إلى المناطق السياحية التركية البارزة مثل مدينة إسطنبول. وهذا من بين الخيارات الكثيرة المتاحة لدى نيودلهي والرامية إلى البعث برسالة إلى أنقرة مفادها أن الأعمال بين الجانبين ليست على النحو المعهود أو المعتاد.
الشركات الهندية العاملة في تركيا
هناك أكثر من 150 شركة برؤوس أموال هندية لديها أعمال مسجلة في تركيا في صورة مشاريع مشتركة ومكاتب تمثيل تجاري. ومن بينها بعض الشركات الرائدة في الهند مثل شركة تاتا موتورز، وريلاينس، وماهيندرا، وويبرو، ودابور آند إيسبات، وبوليبليكس، وجي إم آر للإنشاءات، وأديتيا بيرلا غروب، وشركة الجرارات والمعدات الزراعية المحدودة، وجين لأنظمة الري، والتي تعمل إما بأسلوب الاستثمار المباشر وإما تأسست كمشاريع مشتركة في تركيا.
وكانت شركة بوليبليكس الهندية قد أنشأت مصنعا لتصنيع أفلام البوليستر ذات الاستخدامات الصناعية باستثمار إجمالي بلغ 60 مليون دولار في مدينة تشورلو بشمال غربي تركيا. كما أقامت شركة الجرارات والمعدات الزراعية المحدودة مصنعا لصناعة الجرارات في تركيا. واستثمرت شركة جين لأنظمة الري في وحدة للصناعة التحويلية في مدينة أضنة التركية. وأبرمت شركة دهانوس التقنية الهندية اتفاقية للاستحواذ على شركة بوروسان تيليكوم والتي تعتبر أول مشغل للاتصالات البديلة في تركيا برخصة من المستوى الأول وبإجمالي استثمارات بلغت 77 مليون دولار.
واستحوذت شركة دابور إنديا ليمتد على شركة هوبي كوزميتيك التركية العاملة في منتجات العناية الشخصية مقابل 69 مليون دولار. واستحوذت شركة «أو إن جي سي فيديش ليمتد» على نسبة 2.72 في المائة من أسهم شركة غونيشلي فيلدز التركية فضلا عن نسبة 2.3 في المائة من الأسهم في مشروع خط الأنابيب باكو - تبليسي - جيهان التركي. كما استثمرت شركة سيكوينت ساينتيفيك للأدوية، وهي فرع عن شركة أليفيرا أنيمال هيلث، في شركة توبكيم التركية للأدوية. وتعمل شركة بونغ لويد الهندية مع شركة ليماك التركية القابضة في الآونة الراهنة على مشروع إنشاء قسم من خط أنابيب الأناضول. كما أبرمت مختبرات دكتور ريدي الهندية في اتفاقية تعاون مع شركة تي أر فارم بهدف تصنيع وتسويق مجموعة من الأدوية الحيوية في الأسواق التركية. وحازت شركة إيسار ستيل على تعاقد لتوريد ألواح الصلب الفولاذية في مشروع إنشاء مطار إسطنبول الجديد.
واستحوذت شركة تريفيترون لتكنولوجيا الرعاية الصحية على حصة في شركة بومي ساناي أورونليري التركية. كما وقعت شركة زايدوس كاديلا الدوائية الهندية على اتفاق تعاون استراتيجي مع شركة أجزاجباشي للرعاية الصحية التركية بهدف تسويق المنتجات الدوائية الحيوية في تركيا. وهناك تعاون تجاري قائم بين شركة «آي أو تي للبنية التحتية وخدمات الطاقة»، وهي مشروع مشترك بين المؤسسة النفطية الهندية وبين شركة أويل - تانكينغ الألمانية لخدمات الطاقة، مع شركة فيتو إنريجي للاستثمار التركية لإنشاء مجمع للمصافي النفطية المشتركة ضمن مصفاة ستار النفطية التركية بالقرب من مدينة إزمير. وأعلنت شركة «ماهيندرا آند ماهيندرا» الهندية الرائدة عن دخولها إلى تركيا في يناير 2017 من خلال الاستحواذ على 75.1 في المائة من أسهم شركة هيسارلار التركية.
وشهد التعاون الاقتصادي الهندي التركية زخما قويا خلال السنوات الأخيرة. وتحتل الهند المرتبة السادسة من إجمالي الواردات التركية في عام 2018، بينما ارتفعت التجارة الثنائية بين البلدين إلى نسبة 22 في المائة وصولا إلى 8.6 مليار دولار في عام 2018.
ومن جملة المنتجات الهندية المصدرة إلى تركيا هناك النفط، والمنتجات النفطية، والمواد ذات الصلة، ومكونات وقطع غيار السيارات، والغزل اليدوي، والأقمشة والمنسوجات، والتركيبات، وقطع غيار الطائرات والمركبات الفضائية، والمواد البلاستيكية الخام، ومنتجات الكيمياء العضوية، والأصباغ، والماكينات الصناعية، وما إلى ذلك. في حين تستورد الهند من تركيا الذهب، والخامات المعدنية، والحديد الخردة، والأسمدة الخام، والمعادن الخام، والمعادن غير الحديدية، وآلات ومعدات توليد الطاقة، والآلات الصناعية، والبذور الزراعية، والمنتجات الكيميائية غير العضوية، واللؤلؤ، والأحجار الكريمة، والأحجار شبه الكريمة.


الهند اقتصاد الهند

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة