سجالات في ذكرى سقوط جدار برلين حول «خطأ غورباتشوف التاريخي»

روسيا عادت إلى المسرح الدولي بقوة... لكن جيوش «الأطلسي» باتت على حدودها

نحو مليون متظاهر توافدوا على ساحة ألكساندر في برلين الشرقية للاحتجاج ضد القمع في 4 نوفمبر 1989 (أ.ب)
نحو مليون متظاهر توافدوا على ساحة ألكساندر في برلين الشرقية للاحتجاج ضد القمع في 4 نوفمبر 1989 (أ.ب)
TT

سجالات في ذكرى سقوط جدار برلين حول «خطأ غورباتشوف التاريخي»

نحو مليون متظاهر توافدوا على ساحة ألكساندر في برلين الشرقية للاحتجاج ضد القمع في 4 نوفمبر 1989 (أ.ب)
نحو مليون متظاهر توافدوا على ساحة ألكساندر في برلين الشرقية للاحتجاج ضد القمع في 4 نوفمبر 1989 (أ.ب)

شهدت موسكو سجالات واسعة أخيرا، حول تداعيات خطوات الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتي المنحل ميخائيل غورباتشوف التي أسفرت قبل ثلاثة عقود عن انهيار جدار برلين وفتح الطريق أمام وضع حد للحرب الباردة، وصولا إلى تقويض النظام ثنائي القطبية في العالم وتفكيك الدولة السوفياتية بعد أقل من عامين على انهيار الجدار الفاصل بين الشرق والغرب.
وتعرّضت السياسة التي انتهجها غورباتشوف قبل ثلاثين سنة إلى انتقادات قاسية في الأسابيع الماضية، خلال التحضيرات للاحتفال بمرور ثلاثة عقود على هدم جدار برلين. وبعدما كانت الشعارات التي رفعها في ذلك الوقت مدعاة للفخر والاحتفال، وعزّزت الآمال بإحلال السلام والانفتاح والتعاون بين الشرق والغرب، مكان خطاب «الحرب الباردة» وسباق التسلح وأفكار التمترس خلف جدران عازلة، فتحت الأوساط السياسية الروسية الدفاتر القديمة، ورأت تصريحات أن القيادة السوفياتية ارتكبت أخطاء فادحة في تعاملها مع الغرب في ذلك الوقت. واعتبرت أنها أظهرت «سذاجة» في التعامل مع الوعود الغربية، وفقا لكلمات الرئيس فلاديمير بوتين، الذي لم يسبق له أن وجّه انتقادات مماثلة إلى أداء غورباتشوف.

انتقادات قاسية لغورباتشوف
ورأى الرئيس الروسي أن الزعيم السوفياتي السابق «أخطأ بعدم مطالبته بضمانات مكتوبة بعدم توسيع حلف الأطلسي شرقاً عبر ضمّ بلدان دخلت تحت نفوذ الدولة السوفياتية». وقال إن السذاجة التي تعامل بها الاتحاد السوفياتي مع الوعود البرّاقة من جانب الغرب، فتحت الطريق لتوسيع الأطلسي والسعي إلى تطويق روسيا عسكريا.
ويشارك كثيرون في روسيا هذا الرأي. ومثل هذه الانتقادات برزت على لسان أكثر من مسؤول روسي أخيرا. وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف في مقابلة صحافية قبل أسابيع، إن «روسيا (السوفياتية) لعبت دورا أساسيا في إعادة توحيد أوروبا وهدم الجدران، وهم (الغرب) يبنون الآن جدرانا جديدة».
ووفقا لقسطنطين كوساتشيف، رئيس لجنة مجلس الاتحاد للشؤون الخارجية، فإن انعدام الثقة في الغرب والشركاء المحتملين من ناحية أخرى لا تزال موجودة بعد مرور 30 سنة على هدم الجدار، معتبرا أن «الضرر الذي لحق بروسيا لا يمكن تعويضه». ولفت معلّقون روس إلى أن «الغرب حقّق خلال توحيد ألمانيا ما كان يريده دائما، وهو طرد القوات السوفياتية والروسية من وسط أوروبا».
ونقلت وكالة «نوفوستي» الحكومية عن رئيس ألمانيا الاشتراكية السابق أن الغرب «لم يفكّر أبداً بجدية في إزالة حقيقية للتوتر». وكانت نتيجة هذه السياسة، وفقاً لإيغون كرينز، هي أن «قوات الأطلسي اليوم باتت على حدود روسيا». وأضاف أن ألمانيا الاشتراكية السابقة شعرت بالخيانة و«لقد وثقنا في غورباتشوف لفترة طويلة».
ويلفت البعض الأنظار إلى نقطة أساسية تتعلق بانهيار جدار برلين، كون هذا الحدث أسهم في «منح الحرية لجميع الدول الاشتراكية لتحديد سياساتها الخاصة» وفقا لتعليق غورباتشوف قبل أيام، الذي ردّ عليه معلّقون بالإشارة إلى أن «البولنديين والمجريين والتشيكوسلوفاكيين والبلغاريين والرومانيين قد يعتقدون بذلك. ولكن هذا لم يكن هو الحال مع جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي تم تأسيسها بفكرة وقرار من الاتحاد السوفياتي، وشكل قيامها جزءا من انتصار الاتحاد السوفياتي على الفاشية الألمانية».
في مقابل هذا الهجوم القوي، رد غورباتشوف في مقابلة أجريت معه أخيرا مع هيئة الإذاعة البريطانية عشية الذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين، بأنه ما زال «يرحب بالتغيير الديمقراطي في ألمانيا الشرقية ودول أخرى في الكتلة السوفياتية، لكنه لم يفترض أن الجدار سوف يسقط بهذه السرعة». وقلّل الزعيم السوفياتي من أهمية الاتّهام بأنّه تجاهل طلب «اتفاق مكتوب» يضمن عدم توسيع الأطلسي لاحقا، مشيرا إلى أن هذا المطلب «كان ليبدو عبثيا في ذلك الوقت»، لأن «هذا كان بمثابة إعلان مبكر عن وفاة التحالف العسكري بقيادة الاتحاد السوفياتي (حلف وارسو) قبل حله رسمياً في يوليو (تموز) 1991».

كيف تعاملت موسكو مع انهيار الجدار؟
في صباح اليوم التالي لسقوط جدار برلين، عقد غورباتشوف اجتماعاً للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي لمناقشة رد الفعل الممكن من جانب الاتحاد السوفياتي.
وقرّر المكتب السياسي بالإجماع أنه سيتم استبعاد أي نوع من إجراءات رد الفعل العنيف، ولفت خبراء إلى أنه «برزت بالتأكيد مواقف في البداية تدعو إلى التصرف بحزم وزج الدبابات والسيطرة على الموقف»، لكن هذه الآراء لم يؤخذ بها وتم اتخاذ قرار بالإجماع في المحصلة.
ونقلت وسائل إعلام عن بافل بالازشينكو، الذي كان مترجما لغورباتشوف في ذلك الوقت، أن «أي قرار آخر كان يمكن أن يكون له عواقب وخيمة للغاية وخطيرة للغاية، وقد يكون بداية لكارثة». ويذكر خبراء روس أنه كان في ألمانيا الشرقية في ذلك الوقت أكثر من 300 ألف جندي من القوات السوفياتية، وأكثر من 12 ألف دبابة وعربات مدرعة أخرى.
وقال أحد الخبراء إنّه «كان بإمكانهم إغلاق الحدود بالكامل، لكن الجنود ظلوا في الثكنات». وأدركت القيادة السوفياتية أن «حقبة جديدة قد بدأت اليوم». عموما، رأى خبراء أن نقاشات كثيرة قد تدور حول الخيارات التي كان يجب على غورباتشوف أن يتخذها لضمان مصالح روسيا الحيوية في المستقبل؛ خصوصاً أن حقيقة انهيار «حلف وارسو» لاحقا، واستمرار حلف الأطلسي في توسيع مناطق نفوذه قرب الحدود الروسية، تشكل حاليا أحد أهم عناصر التوتر بين روسيا والغرب. لكن في المقابل، لا يخفي كثيرون أن «روسيا تعلمت من دروس تلك المرحلة»، وأن الإصرار الروسي حاليا على أن تكون أي اتفاقات متعلّقة بالأمن الاستراتيجي مع الغرب «شاملة»، بمعنى أنّها تستند إلى رزمة متكاملة من الاتفاقات التي تنظم الرقابة على التسلح، وتضع قيودا على نشر معدات وأسلحة على طرفي الحدود، وتأخذ في الاعتبار دخول لاعبين دوليين جدد في المنافسة وسباق التسلح.
وتعكس المواقف الروسية الحالية مدى شعور النخبة الروسية بخيبة الأمل، لأن «الاتحاد السوفياتي كان يعاني من أزمات في ذلك الوقت، ولم يكن قادرا على خوض مفاوضات شاقة تضمن مصالحه الاستراتيجية» خلافا لمعطيات المشهد السياسي الروسي حاليا، بعدما «استعادت روسيا مكانة قوية على المسرح الدولي، ولم يعد ممكنا التعامل مع أي ملف دوليا أو إقليميا بمعزل عنها».



بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.