سيرة سياسة... سيرة عنف

فاروق مصطفى رسول راوياً لتحولات العراق العنفية

سيرة سياسة... سيرة عنف
TT

سيرة سياسة... سيرة عنف

سيرة سياسة... سيرة عنف

يعتبر رجل الأعمال الكُردي، والسياسي السابق فاروق مصطفى رسول، راوياً نادراً للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي مرّ بها العراق منذ أوائل النصف الثاني من القرن العشرين. فهو بالإضافة إلى البيئات الاجتماعية الدينية والثقافية إلى نشأ فيها في مدينة السليمانية بكُردستان، عاش وواكب التحولات العنيفة التي اتسم بها العراق في فترته الملكية، وجمهورياته المتعاقبة «المتوارمة» حيث أصبحت الانقلابات فيها ثباتها الدائم. في البدء أراده والده الشيخ مصطفى رسول في بداية الخمسينات وريثا لمكانته الدينية والاجتماعية، كما أراد أن يُسمَع صوته عبر مُكبرات مآذن السليمانية، إنما جذبته السياسة وأدخلته في قلب الحركة اليسارية التي تميز بها مشهد العراق السياسي والثقافي.
بعد العام الأول من النصف الثاني من القرن العشرين كما يرويه في كتاب «ذكرياتي» الصادرة عن الدار العربية للعلوم ملايين/بيروت، كان يطلب منه والده البقاء بالقرب منه في الجامع، وهو لا يزال شاباً يافعاً يركض وراء أي فكرة جديدة في حياته؛ ويحضر الجلسات حول الشعر والأدب والدين في جامع أبيه من جانب، فيما كانت توجهه بيئات المدرسة والأصدقاء والحارّة نحو عالم السياسة الساخن من جانب آخر. وهذا ما حصل مع أخيه الأكبر الراحل البروفسور عز الدين مصطفى رسول، حيث قدم للدراسة في كلية الشريعة ببغداد في بداية الخمسينات نزولاً عند رغبة الأب، حيث آثر أن يصبح أحد أبنائه أو أبناء إخوانه رجلاً يخدم الدين. بيد أنه لم يكمل السنة الأولى في الدراسة وعاد إلى السليمانية محملاً بأفكاره الشيوعية.
في ذات الفترة، جمعت علاقة الصداقة فاروق بالشاعر الكُردي الراحل شيركو بيكَس وانتميا للاتحاد العام لطلبة العراق. كان ذلك في مدينته، السليمانية؛ حيث جمعه فيها النشاط السياسي اليساري في أعوام لاحقة بالكتاب والشعراء الكرد المعروفين مثل الشاعر الحداثي عبد الله كوران الروائي حسين عارف والقاص رؤوف بيكَرد وجلال ميرزا كريم. ولئن كان الكاتب فاعلاً سياسياً في المشهدين الكُردي والعراقي ناهيك بعمله في فترة دراسته الجامعية في وزارة المعاريف والصحافة الكُردية الصادرة في بغداد، إلا أنه يلقي الضوء من خلال الكتاب على الكثير من جوانب المجتمع العراقي ووجوهه الثقافية، الأدبية والاجتماعية، ويتذكر في هذا السياق كيف تعرّف على المفكر العراقي الراحل هادي العلوي في وزارة المعاريف. وكان العلوي يعمل في صفوف الإخوان المسلمين قبل أن يصبح يسارياً ومفكراً نادراً في نقد التاريخ والفلسفة الإسلاميين.
تعد رواية فاروق رسول للأحداث الاجتماعية والثقافية والسياسية مصدراً مهماً من مصادر كتابة تاريخ البلاد، فهو حين يكتب عن طفولته في مدينة السليمانية، إنما يلج في تفاصيل حياة المدينة بوجوهها وشخصياتها ونطاق نشاطها اليومي. ويتطرق في سياق سرده للأحداث والأنماط الثقافية السائدة عهدئذ إلى دور الجامع في نشأة أجيال من الكتاب والشعراء والمثقفين الكُرد: «بعد عصر كل يوم كان عدد من المثقفين والشعراء؛ خصوصاً نخبة من رجال دين وأصدقاء آخرين لوالدي يؤمون مضيفه في الجامع.. ورغم توقي الشديد إلى اللعب مع أصدقائي، إلا أن أبي كان ينصحني أن أبقى معهم في الجامع لأستفيد من أحاديثهم الدائرة أغلبها حول الشعر والأدب والدين والثقافة ومواضيع جديدة وطرية». وفي الجامع أيضاً، اجتذبته غرف طلبة العلوم الدينية (الفقهاء) ودرس (القواعد والبناء) رغم أنه كان ملتحقاً بالمدرسة الحكومية.
تم تأسيس صالات للسينما لعرض الأفلام في بدايات النصف الثاني من القرن بمدينة السليمانية، الأمر الذي أضاف مصدراً آخر لمعارفه الثقافية والفنية إلى جانب المدرسة والجامع. إنما لم تدم تلك الصور السينمائية التي شاهدها في الصالات الحديثة في مشهد المدينة الثقافي، ذاك أن العراق قد أدخل مرحلة جديدة لم تهدأ فيها عناوين السياسة والحكم. وما يمكن استنتاجه في سرد الراوي للأحداث حيث تتغير اهتماماته من مشاهدة الأفلام السينمائية وجمع طوابع البريد والحضور في الجلسات الأدبية الدينية إلى ناشط في الحراك السياسي، هو طغيان العنوان السياسي على كل شيء في الحياة الدراسية والاجتماعية. ويتبدى ذلك في مرحلة الدراسة الإعدادية، إذ يروي كيف كانت تتحول الرحلات المدرسية إلى مناسبة للخطابات السياسية. كان الروائي الكُردي المعروف حسين عارف واحداً من الذين يلقون الخطابات في تلك السفرات المدرسية. أما في مرحلة الحياة الجامعية ببغداد، بعد حكم النظام الملكي تحديداً، إذ كان يهيمن النشاط اليساري على النشاط الجامعي والأكاديمي، فكانت تلوح في النظام الجمهوري علائم حصول تغيير دموي، ويبدو ذلك من خلال خصائص تلك المرحلة التي أزيحت فيها الملكية دون إزاحة الخوف من القادم، فتفجرت طاقة عنفية نتجت عنها بسنوات قليلة فيما بعد، ثقافة صناعة «قطار الموت».
الصورة الاجتماعية والثقافية التي تركها الشاب المتحمس خلفه في السليمانية، إن كانت تنم عن شيء، فهي تنم عما يمكن تسميته بصورة «المجتمع اللاهث» وراء الأحداث السياسية العنيفة التي أبقت الجميع في حالة الترقب لقادم مجهول غير واضح الملامح. كان الجميع يبحث عن شيء يساعد على تفريغ الحمولة السياسية، فيما كانت بغداد في تلك المرحلة توفر مساحة للانطلاق والوقوف على عتبة الأحداث أو بالقرب منها. هذا ما نلاحظه في صورة يعود تاريخها إلى 1958 ويظهر كاتب هذه السيرة في وسط المتظاهرين.
على رغم ثباته السياسي داخل الحزب الشيوعي العراقي، يصبح الكاتب مع دخوله إلى كلية التجارة عام 1959، جزءاً من حالة الترقب ذاتها. ونستنتج من خلال سرده للحياة الجامعية الممتزجة بالسياسة والصراعات الآيديولوجية، بأن الاستثمار البشري في تلك المرحلة التي انتهت بانقلاب البعثيين الدموي عام 1963، اقتصر على نزاعات واصطدامات بين الشيوعيين وبين القوميين والإخوان المسلمين. وبدا عبد الكريم قاسم ميالاً إلى جانب البعثيين والإخوان المسلمين تاركاً حلفاء الأمس (الشيوعيين) لمصير مأساوي لم ينج منه هو نفسه فيما بعد.
في سياق روايته للتحولات السياسية والثقافية والاجتماعية في عراق العهد الملكي، وعهود الجمهوريات العسكرية بطبيعة الحال، يخصص الكاتب مساحة وافية للحديث عن قطار الموت كصناعة بعثية بامتياز. فبعد نجاح انقلاب 1963 ووصول البعثيين إلى السلطة، تمخضت فكرة القضاء على الضباط والمثقفين والناشطين الشيوعيين واليساريين عبر شحنهم كحقائب بشرية حية في قطار شحن سُدت منافذه بالزفت وتم دفعهم في قيظ شهر تموز إلى مدينة السماوة الجنوبية ومنها إلى سجن نقرة سلمان السيئ الصيت. وكان يأمل البعثيون بأنهم سيموتون بلا شك من الحرّ ولا ينجو منهم أحد. ويذاع الخبر لاحقاً كحدث من الأحداث المدرجة ضمن القضاء والقدر، فيتخلصون وتخلصوا بذلك من فكرة قتل كل تلك الأعداد بالرصاص الحي تجنباً لإثارة العام العالمي. وكان البعثيون قد أعلموا السائق عبد عباس المفرجي بأن القطار مُحمّل بقضبان حديدية وعليه إبطاء السرعة وإطالة الزمن، لكنه اكتشف في وسط الطريق بأنه يقود أعداد كبيرة من البشر داخل «تنور حديدي متحرك» نحو موت محتم.
فأوقف القطار في أقرب محطة، وهرع الناس بالماء والطعام لينقذوا مئات السجناء.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً