بن برنانكي.. أهم خبراء الكساد الكبير يترك دفة الاقتصاد الأميركي

اتسم بهدوء خلال أسوأ الأزمات التي وصفها بمثابة قيادة سيارة متهالكة

بن برنانكي.. أهم خبراء الكساد الكبير يترك دفة الاقتصاد الأميركي
TT

بن برنانكي.. أهم خبراء الكساد الكبير يترك دفة الاقتصاد الأميركي

بن برنانكي.. أهم خبراء الكساد الكبير يترك دفة الاقتصاد الأميركي

كان بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، يبدو هادئا جدا خلال أسوأ فترات الأزمة المالية لعام 2008، مما جعل تيموثي غايثنر، وزير الخزانة الأميركي آنذاك، يصفه في وقت من الأوقات بأنه معبود النظام المصرفي في البنك المركزي.
وقال برنانكي، يوم الخميس الماضي، إنه كان يركز فقط على الحيلولة دون وقوع أي كارثة. ويقول برنانكي «إن الأمر كان بمثابة قيادة سيارة متهالكة مع محاولة تجنب الانحراف عن مسار الطريق، ثم تنتابك الدهشة بعد ذلك بسبب التعرض لمثل هذا الموقف».
وتحدث برنانكي - خلال ظهوره الذي ربما يكون الأخير على المستوى العام كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي - في مؤسسة بروكينغز مع لياقت أحمد، مؤلف أحد الكتب التاريخية، عن الدور الذي لعبته البنوك المركزية في أزمة الكساد الكبير خلال ثلاثينات القرن الماضي.
ومن المقرر أن يترأس برنانكي أكثر من اجتماع للجنة صناعة السياسات بمجلس الاحتياطي الفيدرالي أواخر يناير (كانون الثاني)، ثم يتنحى عن منصبه في نهاية هذا الشهر. وستخلفه في منصبه جانيت يلين، التي تشغل حاليا منصب نائبة رئيس مجلس الاحتياطي. وعلاوة على ذلك، يعد برنانكي، البالغ من العمر 60 عاما، أحد الخبراء الذين شاركوا خلال أزمة الكساد الكبير، وكان يعمل على تأليف أحد كتب التاريخ، وهو كتاب مشابه لأحد الكتب التي ألفها أحمد لاحقا، قبل أن يوافق على الانضمام إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وعوضا عن ذلك، وجد برنانكي نفسه يحاول منع حدوث كساد مرة أخرى. وفي هذا الصدد، يقول برنانكي «آمل أن نكون قد اتخذنا الإجراء المناسب».
وتحدث برنانكي أيضا عن تواصل جهود المجلس التي حققت القليل من النجاح بهدف إعادة إنعاش الاقتصاد وتقليل معدلات البطالة المستمرة. وقال برنانكي إنه ظل مقتنعا بأن الاقتصاد الأميركي سيعوض خسائره بالكامل في نهاية المطاف، مضيفا «بيد أنني لا أعتقد أننا سنعرف الإجابة عن هذا الأمر خلال فترة محددة من الوقت».
ومن جانبه، كان كينيث روغوف، عالم الاقتصاد بجامعة هارفارد، لديه رأي مشابه لهذا الرأي.
ويقول البروفسور روغوف «إننا نعيش وسط هذا العالم الذي يسوده الكثير من الشكوك، حيث لن نعرف إذا ما كانت السياسة النقدية تتماشى مع ذلك بالشكل المناسب أم لا». وأوضح أن أهم ما كتب لصياغة الفهم الحالي لأزمة الكساد الكبير كان مكتوبا من قبل برنانكي، بعد مرور نصف قرن على انتهاء الأزمة.
ولم تتضمن تصريحات برنانكي الكثير من الأمور الجديدة في حديثه يوم الخميس، وهو ما يعكس إرثه كواحد من أكثر رؤساء مجلس الاحتياطي الفيدرالي صراحة وتبصرا على المستوى العام. فقد سعى برنانكي لزيادة شفافية المجلس منذ أن صار رئيسه في عام 2006، كما أنه أجاب عن أسئلة مشابهة خلال العديد من المنتديات التي عُقدت في السنوات الأخيرة، بما في ذلك ما أجاب عنه في المؤتمرات الصحافية التي تعقد بانتظام للمرة الأولى في تاريخ المجلس.
وقال برنانكي مرة أخرى إنه لم يكن بإمكان مجلس الاحتياطي منع إخفاق «ليمان براذرز»، وهو الحدث الذي تسبب في بداية أسوأ الأزمات. وبالإضافة إلى ذلك، قال برنانكي إن استجابته للأزمة كانت متأثرة باقتناعه بحاجة الحكومة إلى منع إخفاق المؤسسات المالية. وعلاوة على ذلك، فإنه دافع مرة أخرى عن هذه السياسة، حيث إنها كانت تهدف بشكل رئيس إلى حماية المواطنين العاديين في الشارع الأميركي.
وأكد برنانكي على آماله بأنه في وقت من الأوقات «سيفهم الشعب أن ما فعلناه كان ضروريا، وسيقدّر ذلك، لأن هذا الإجراء يصب في مصلحة العامة بشكل أكبر». وأردف قائلا «إن ما فعلناه هو عبارة عن مجموعة من الخطوات تهدف إلى مساعدة الفئة المتوسطة من الأميركيين».
ودافع برنانكي أيضا عن محاولات مجلس الاحتياطي لإنعاش الاقتصاد، بما في ذلك عمليات شراء السندات الشهرية، كجزء من السياسة المعروفة باسم «التخفيف الكمي»، التي بدأت في الخفوت تدريجيا. ويرى بعض علماء الاقتصاد عدم وجود دليل قوي على فائدة عمليات الشراء هذه، بيد أن برنانكي قال إن هؤلاء النقاد يتجاهلون التأثير الواضح للمعدلات المنخفضة لأسعار الصرف. وأشار، مع ارتسام الابتسامة على وجهه، إلى أن «مشكلة سياسة التخفيف الكمي تتعلق بنجاحها عمليا، بيد أنها لا تفيد نظريا».
والجدير بالذكر أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قرر في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقليل عمليات شرائه الشهرية لسندات الخزانة والأوراق المالية الخاصة بالرهن العقاري من 85 مليار دولار أميركي إلى 75 مليار دولار، فضلا عن الاقتراح بأن ذلك سيؤدي إلى تقليل البرنامج تدريجيا على مدار العام المقبل. وقال برنانكي إن القرار كان يعكس ما توصل إليه مسؤولو مجلس الاحتياطي بأن البرنامج قد حقق المراد منه بما يتجاوز أي قلق بشأن التكاليف. وكان برنانكي رافضا بشدة لما يراه النقاد بأن عمليات شراء السندات تسبب التضخم. وأردف برنانكي قائلا «لا أعتقد أن هذا الأمر يسبب القلق. وأما بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا يقولون - طوال السنوات الخمس الماضية - إننا كنا على وشك التعرض لحالة تضخم كبيرة للغاية، فإنني أدعوهم إلى النظر إلى الأرقام الواردة في تقرير مؤشر أسعار المستهلك الصادر صباح هذا اليوم»، مشيرا إلى التقرير الحكومي الصادر صباح يوم الخميس والذي يوضح ارتفاع هذا المؤشر بنسبة 1.5 في المائة فقط في عام 2013. والجدير بالذكر أن هذه هي السنة الثانية على التوالي التي تشير فيها البيانات إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بما يقل عن اثنين في المائة.
وقال برنانكي إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي كان بحاجة إلى توجيه الانتباه نحو المخاطر التي ستسببها عمليات شراء السندات بما يؤدي إلى زعزعة استقرار الأسواق. وأوضح «إنني شخصيا أجد أن تلك الطريقة هي الوحيدة التي يمكن التعويل عليها من بين الأمور المتنوعة الخاصة بسياسة التخفيف الكمي». وأضاف أن مسؤولي المجلس لم يروا أن هناك أي دليل بشأن تحول هذه المخاطر إلى أمور واقعية، بيد أنه «دائما ما يكون الحظ سيئا للتنبؤ بأي شيء حيال ذلك».
ومن جانبه، قال دونالد كوهين، نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق والذي يعمل حاليا في مؤسسة بروكينغز - إحدى منظمات البحث الخاصة المستقلة - إنه بما أن المجلس بدأ في التخلي عن حملته التحفيزية، بما أدى في نهاية المطاف إلى زيادة معدلات الفائدة، فإنه من الممكن أن يواجه ضغوطا متزايدة من الكونغرس بما يعوق قدراته على التحكم في المخاطر مثل التضخم والاستقرار الاقتصادي، فضلا عن تعريض استقلالها للخطر.
ومن جانبها، ردت كريستينا رومر، الرئيسة السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين بإدارة أوباما، بأنها لم تر سببا للاعتقاد بأن النقاد الذين يريدون وجود معدلات فائدة منخفضة سيكونون أكثر قوة من هؤلاء الذين يدعون لوجود تحفيز أقل. وأضافت رومر، أستاذة الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بركلي، أن البنوك المركزية عرضت استقلالها للخطر عندما أخفقت في أداء مهامها، كما أن مسألة الاستقلال ليست غاية في حد ذاتها. وأوضحت قائلة إن «السبب المناسب لاستقلال البنك المركزي يتمثل في رغبتنا في وجود سياسة نقدية يضعها الخبراء».
ومن جانبه، تعامل برنانكي مع نفس القضية في تعليقاته، حيث يرى أيضا أنه يمكن للبنوك المركزية حماية استقلالها بشكل أفضل من خلال استخدام هذه الاستقلالية بحكمة. واختتم برنانكي حديثه قائلا «عندما يأتي اليوم الذي تدفعنا فيه هذه الضغوط السياسية قصيرة الأجل لفعل شيء ما غير مناسب للاقتصاد، حينها سيكون استقلالنا قد اختفى بالفعل».
* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في عام 2026، تحت وطأة ضعف الطلب الخارجي، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لما أعلنه صندوق النقد الدولي الذي أشاد بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان في مواجهة الصدمات العالمية، لكنه أوصى بنك اليابان بمواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو مستوى محايد، لكبح التضخم الأساسي. وتأتي هذه التوقعات في وقت أبقى فيه بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، مؤكداً أن تطبيع السياسة سيستمر إذا تحققت التوقعات الاقتصادية، والمالية، رغم المخاطر «الجديدة، والكبيرة» التي فرضتها الحرب على آفاق ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

وذكر المجلس التنفيذي للصندوق، في ختام مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2026، أنه ينبغي على بنك اليابان «مواصلة تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد»، لتحقيق مستهدف التضخم البالغ 2 في المائة، مؤكداً اتفاق أعضاء المجلس على أن البنك «يسحب سياسة التيسير النقدي بشكل مناسب».

وفي ظل حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن الأوضاع الخارجية، شدد أعضاء المجلس على دعمهم لنهج «مرن، وشفاف، ويعتمد على البيانات»، مع التنبيه إلى ضرورة حماية القوة الشرائية للأسر التي بدأت تتآكل جراء التضخم السنوي، رغم الارتفاع التاريخي في الأجور الاسمية.

وكان المدير التنفيذي لبنك اليابان، كوجي ناكامورا أشار يوم الجمعة إلى أن أثر ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن النزاع الإقليمي قد يكون أعمق من المرات السابقة؛ نظراً لاستعداد الشركات المتزايد لتمرير التكاليف إلى المستهلكين. وقد انعكست هذه التوترات الجيوسياسية مباشرة على قطاع الأعمال، حيث سجلت ثقة الشركات اليابانية في مارس (آذار) تدهوراً جماعياً شمل كافة القطاعات العشرة للمرة الأولى منذ عام 2023، متأثرة بقفزة تكاليف الشحن، والمدخلات اللوجيستية، وضعف الين بنسبة 2 في المائة منذ اندلاع الحرب، ما يضع طوكيو أمام اختبار صعب للموازنة بين التطبيع النقدي الذي يزكيه الصندوق، وحماية قطاع الخدمات الذي سجل أدنى نمو له في ثلاثة أشهر.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يحضر مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو (رويترز)

إشادة بمرونة الاقتصاد

وفي تقييمهم للمرحلة المقبلة، أشاد المديرون التنفيذيون بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان، لكنهم اتفقوا على أن الحرب في الشرق الأوسط تشكل مخاطر جديدة كبيرة على التوقعات، مؤكدين على ضرورة مواصلة إعادة بناء الاحتياطيات المالية، والمضي قدماً في تطبيع السياسة النقدية، ودفع إصلاحات سوق العمل لدعم مكاسب مستدامة في الأجور الحقيقية.

ورحب أعضاء مجلس الإدارة بجهود اليابان في ضبط أوضاعها المالية بعد الجائحة، مشددين على ضرورة اتباع موقف مالي أكثر حيادية على المدى القريب، وإجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مالي موثوق.

وبشأن خطة الحكومة اليابانية لخفض ضريبة الاستهلاك، شدد أعضاء المجلس على ضرورة أن «تستهدف أي إجراءات الأسر، والشركات الأكثر ضعفاً، وأن تكون مؤقتة، ومحايدة من حيث تأثيرها على الموازنة» لتجنب زيادة العجز المالي. كما دعا الصندوق إلى إصلاحات هيكلية تشمل إعادة تأهيل العمالة لمواجهة النزوح الوظيفي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لضمان استمرار نمو الأجور الحقيقية، وصمود الاقتصاد أمام صدمات العرض الخارجية العنيفة.

لوحة مؤشر الأسهم معروضة داخل مبنى بينما تمر حركة المرور عند تقاطع شارع في طوكيو (إ.ب.أ)

الدين العام

فيما يخص ملف الدين العام، حمل بيان صندوق النقد الدولي تحذيراً صريحاً من المسار المستقبلي رغم الأداء المالي الجيد مؤخراً. وأوضح الصندوق أنه رغم أن الأداء المالي الأخير لليابان قد تجاوز التوقعات، فإنه من المنتظر أن يتسع العجز في عام 2026.

وحذر المديرون التنفيذيون من أن استمرار الارتفاع في الإنفاق على الفوائد، وتصاعد تكاليف الرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل الموجهة للسكان الذين يعانون من الشيخوخة، سيؤديان في نهاية المطاف إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من عام 2035.

ولمواجهة هذا السيناريو، شدد الصندوق على النقاط التالية:

- الحذر المالي: ضرورة تبني خطة مالية حازمة تضمن وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار نزولي مستدام.

- إطار مالي موثوق: دعا الصندوق إلى إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار عمل يضمن الحفاظ على ثقة الأسواق في ظل ضغوط الإنفاق طويلة الأجل.

- كفاءة الإنفاق: أوصى المديرون بتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدابير تعبئة الإيرادات المستدامة لمواجهة «الفاتورة» المتزايدة لفوائد السندات، وتكاليف الرعاية الاجتماعية.


«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
TT

«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً، حيث تجد الأسواق المالية نفسها محاصرة بين فكي كماشة: من جهة، بيانات التضخم الأميركي المرتقبة التي تعكس أثر صدمة الطاقة، ومن جهة أخرى، مرونة سوق العمل التي أظهرت انتعاشاً قوياً فاق التوقعات، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة تاريخية في تحديد مسار الفائدة.

قبل صدور بيانات التضخم المحورية، تلقى المستثمرون جرعة من التفاؤل الحذر مع صدور أرقام الوظائف لشهر مارس (آذار). فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 178 ألف وظيفة، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى 65 ألفاً فقط، وهو ارتداد قوي بعد شهر فبراير (شباط) الذي تضرر بفعل الإضرابات والعواصف الشتوية.

ومع انخفاض البطالة إلى 4.3 في المائة، تبدو الصورة وردية، غير أن التفاصيل تشير إلى تركز التوظيف في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والضيافة، بينما تعاني قطاعات أخرى من حالة جمود.

ويرى المحللون أن هذا الانتعاش قد يكون مؤقتاً، حيث يهدد استمرار الصراع في الشرق الأوسط بدفع أصحاب العمل نحو سياسات تقشفية نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود وضغوط الربحية.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار المشارك في شركة «مانوليف جون هانكوك»، ماثيو ميسكين: «سيكون من الصعب صرف انتباه السوق عن الشرق الأوسط وأسعار النفط والمخاطر الناشئة، فالمستثمرون يركزون على التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة».

ساعة الحقيقة

تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى صدور مؤشر أسعار المستهلكين، حيث تشير التوقعات إلى قفزة حادة في التضخم الرئيسي ليصل إلى 3.4 في المائة، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة 2.4 في المائة المسجلة في فبراير الماضي. هذا الفارق يعكس بشكل مباشر الأثر الأولي لارتفاع أسعار الوقود والطاقة العالمية منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، مما ينهي فترة الاستقرار النسبي التي شهدتها الشهور السابقة.

عامل بناء يعمل في منزل جديد قيد الإنشاء في مدينة ألهامبرا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال بنك «بي إن بي باريبا» في مذكرة استباقية لتقرير مؤشر أسعار المستهلكين: «نتوقع أن تظهر تأثيرات أسعار النفط على الوقود بدءاً من مارس».

«العدوى» التي تخشاها الأسواق

لا يتوقف القلق عند أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة). فبعد أن استقر هذا المؤشر عند 2.5 في المائة في فبراير، تتوقع الأسواق ارتفاعه إلى 2.7 في المائة في مارس. هذا الارتفاع المستمر يشير إلى أن ضغوط التكلفة بدأت تتسرب إلى السلع والخدمات الأخرى، وهو ما يعزز من مخاوف «جمود التضخم» بعيداً عن مستهدفات «الاحتياطي الفيدرالي» (2 في المائة)، ويقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.

قبل صدور بيانات التضخم، سيحلل المستثمرون يوم الأربعاء محاضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأخير لفهم كواليس القرار وتوجهات صانعي السياسة بشأن أسعار الفائدة. وتشير بيانات مجموعة بورصة لندن إلى أن أسواق المال الأميركية تتوقع حالياً ثبات أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة، مع احتمال بنسبة 27 في المائة لخفضها بحلول نهاية عام 2026. وقال محللون إن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس «ستظهر التأثير الأولي لارتفاع أسعار الطاقة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة بمنأى نسبياً عن هذا التأثير نظراً لكونها مُصدِّراً صافياً للنفط والغاز». ورجحوا أن يُولى اهتمام كبير للرقم الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، لفهم ما إذا كان التضخم ينتشر على نطاق أوسع في الاقتصاد.

كما ستصدر بيانات أخرى مهمة تشمل مسح (ISM) للخدمات يوم الاثنين، وطلبات الإعانة الأسبوعية يوم الخميس. وفي سوق السندات، ستختبر وزارة الخزانة الأميركية شهية المستثمرين عبر مزادات لبيع نوتات وسندات لآجال (3 و10 و30 عاماً)، وهي اختبارات حاسمة للعوائد في ظل حالة عدم اليقين.

عامل يملأ خزان سيارة في محطة وقود بشنغهاي (أ.ف.ب)

الصين وآسيا

خارج الولايات المتحدة، تعيش القوى الكبرى حالة استنفار مماثلة. إذ تترقب الأسواق يوم الجمعة أول تقرير كامل للتضخم في الصين منذ اندلاع الحرب. وتشير التوقعات إلى خروج مؤشر أسعار المنتجين من المنطقة السالبة ليصل إلى 0.5 في المائة بعد ثلاث سنوات من الانكماش، وهو ما يعكس انتقال ضغوط التكلفة العالمية.

وفي اليابان، يراقب البنك المركزي نمو الأجور والإنفاق المنزلي، بينما تستعد كوريا الجنوبية ونيوزيلندا والهند لاجتماعات بنوكها المركزية وسط توقعات بتثبيت الفائدة، مع تبني نبرة «حذرة» لمواجهة ضعف العملات المحلية أمام الدولار القوي.

الحي المالي في مدينة لندن (رويترز)

أوروبا وبريطانيا

تبدأ الأسواق الأوروبية أسبوعاً قصيراً بعد عطلة الفصح، مع التركيز على بيانات الإنتاج الصناعي في ألمانيا وإيطاليا. وفي بريطانيا، يبرز مسح «RICS» لأسعار المنازل يوم الخميس؛ حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع معدلات الرهن العقاري - مدفوعاً بتوقعات رفع الفائدة - إلى كبح الطلب في سوق الإسكان الذي بدأ يعاني بالفعل.

وتكتمل الصورة مع صدور بيانات التضخم في الفلبين وتايلاند والنرويج، وهي دول تتأثر بشكل مباشر بتقلبات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وفي تايوان، رغم ضغوط التضخم، تظل صادرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هي صمام الأمان، مع توقعات بنمو صادراتها بنسبة قد تصل إلى 35.5 في المائة.


عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس (آذار)، مما عزز التوقعات بأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول ولن يخفضها قريباً.

وارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.3 نقطة أساس بعد صدور بيانات الوظائف، ليصل إلى 4.347 في المائة. ومع ذلك، انخفضت عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال الأسبوع بنحو 9.4 نقطة أساس، متجهةً نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ 23 فبراير (شباط)، وفق «رويترز».

كما صعد عائد السندات لأجل عامين، الذي يعكس توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 5.2 نقطة أساس ليصل إلى 3.85 في المائة. وحتى الآن هذا الأسبوع، انخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ أواخر فبراير.

انتعاش سوق العمل وتراجع البطالة

أظهرت البيانات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعش بأكثر من المتوقع الشهر الماضي، حيث أضيف 178 ألف وظيفة بعد انخفاض معدل التعديل نزولاً إلى 133 ألف وظيفة في فبراير، مدعوماً بانتهاء إضراب العاملين في مجال الرعاية الصحية وارتفاع درجات الحرارة. كما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.3 في المائة، مقارنة مع 4.4 في المائة في الشهر السابق.

مع ذلك، قال المحللون إن التقرير لم يكن بالقوة التي بدا عليها.

وأوضح زاكاري غريفيث، رئيس قسم الائتمان ذي الدرجة الاستثمارية في شركة «كريديت سايتس» بمدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية: «كان رد فعل سوق السندات أقل حدةً بعض الشيء. شهدنا مراجعات نزولية إضافية. بلغ مؤشر فبراير -133 ألف وظيفة، ما يشير بوضوح إلى وجود تقلبات كبيرة في هذه البيانات».

توقعات الأسواق المالية والسياسة النقدية

في آجال استحقاق أطول، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بمقدار 2.4 نقطة أساس لتصل إلى 4.914 في المائة. إلا أن هذه العوائد انخفضت هذا الأسبوع بمقدار 7 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ 23 فبراير.

وأشارت تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية يوم الجمعة توقعت انخفاضاً طفيفاً في أسعار الفائدة بمقدار نقطة أساس واحدة فقط هذا العام، بانخفاض عن 7 نقاط أساس في وقت متأخر من يوم الخميس و55 نقطة أساس قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.

وقال غريفيث: «إن عتبة أي تعديلات في السياسة النقدية من قِبَل (الاحتياطي الفيدرالي) مرتفعة للغاية في الوقت الراهن. ربما هم في وضع الترقب والانتظار، لا سيما بعد أن تجاوزت بيانات الوظائف المعلنة التوقعات بأكثر من 170 ألف وظيفة، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يتحدث عنه (الاحتياطي الفيدرالي) في ما يتعلق بمستوى التعادل للبطالة».