اللجنة الدستورية تحقق «اختراقين» رغم «الخلافات وانعدام الثقة»

بيدرسن يعلن اتفاق الحكومة السورية والمعارضة على «مدونة سلوك» واللجنة المصغرة

المبعوث الأممي غير بيدرسن بين رئيسي وفدي المعارضة هادي البحرة (يمين) والحكومة أحمد الكزبري في جنيف (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي غير بيدرسن بين رئيسي وفدي المعارضة هادي البحرة (يمين) والحكومة أحمد الكزبري في جنيف (أ.ف.ب)
TT

اللجنة الدستورية تحقق «اختراقين» رغم «الخلافات وانعدام الثقة»

المبعوث الأممي غير بيدرسن بين رئيسي وفدي المعارضة هادي البحرة (يمين) والحكومة أحمد الكزبري في جنيف (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي غير بيدرسن بين رئيسي وفدي المعارضة هادي البحرة (يمين) والحكومة أحمد الكزبري في جنيف (أ.ف.ب)

حقق المبعوث الأممي غير بيدرسن في ختام الأسبوع الأول من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية «اختراقين»؛ تضمنا الاتفاق على وثيقة «مدونة السلوك» يلتزم بها المشاركون، وتشكيل اللجنة المصغرة لبحث الإصلاح الدستوري، وذلك رغم «الاختلافات العميقة وانعدام الثقة» في أول اجتماع من نوعه منذ 2011.
وكان لافتاً أن خطابات وفود الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني الـ150، لم تتضمن حديثاً مباشراً على الرئيس السوري بشار الأسد. إذ ركز «وفد الحكومة»، الذي طلب أن يسمى «وفداً مدعوماً من الحكومة»، على سيادة سوريا ودعم مؤسسات الدولة والجيش مع المطالبة برفع العقوبات الغربية، في حين أشار متحدثون من المعارضة إلى أهمية الإصلاح الدستوري والتغيير وبحث المبادئ الدستورية واللامركزية.
ووصل ممثلو الأطراف الثلاثة إلى جنيف بداية الأسبوع الماضي، حيث جرت لقاءات تمهيدية من الفريق الأممي مع رئيسي وفدي الحكومة أحمد الكزبري و«هيئة التفاوض» المعارضة هادي البحرة، قبل افتتاح الاجتماعات الأربعاء بجلسة علنية جلس بيدرسن خلالها بين الكزبري والبحرة في صورة رمزية، وصف فيها الاجتماعات بأنها «لحظة تاريخية». وتركزت الاجتماعات يومي الخميس والجمعة، على فتح المجال لـ150 مشاركاً بتقديم مداخلات رسمية والاتفاق على الوثيقة واللجنة.
وقال بيدرسن في باحة الأمم المتحدة مساء الجمعة في ختام الأسبوع الأول، إن المحادثات كانت «جيدة جداً. نعلم جميعاً أنه بعد 8 سنوات ونصف السنة من النزاع، هناك اختلافات عميقة، وكثير من الشكوك وانعدام الثقة». وأضاف: «لكن حقيقة أن 150 سورياً كانوا يجلسون معاً، يحترم بعضهم بعضاً ويتحدث بعضهم مع بعض ويتناقشون وفقاً لجدول الأعمال الذي اتفقنا عليه بشأن مستقبل سوريا، أعتقد أن ذلك كان مثيراً للإعجاب».

مدونة سلوك
وكان بيدرسن عمل جاهداً لإحداث اختراق أول، تمثل بالاتفاق على «مدونة السلوك» التي أقرت سياسياً ثم إجرائياً. وتضمنت خطوات محددة لعمل اللجنة. ونصت: «يلتزم أعضاء اللجنة الدستورية باتباع المعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية والعمل في إطار اللجنة، وتجاه كل المسائل المرتبطة بها، بروح التزام وحسن نية وبشكل تعاوني من أجل إنجاز عمل اللجنة الدستورية بقيادة وملكية سورية وبتيسير من الأمم المتحدة».
وتضمنت الوثيقة، التي تسلمت «الشرق الأوسط» نسخة منها، التزام المشاركين بـ«التحاور باحترام متبادل، وفي مناخ هادئ مناسب لمناقشات بناءة وإبداء الاحترام واللباقة إزاء الأعضاء والامتناع عن الخطاب التحريضي أو الهجوم الشخصي»، إضافة إلى «احترام هيبة ووقار اللجنة، والامتناع عن أي عمل قد يضر بالأعضاء الآخرين، أو أي تصرف غير أخلاقي أو إخلال بالآداب العامة».
وفرضت على المشاركين «الامتناع عن توزيع أي وثائق أو منشورات في غرفة الاجتماعات كأوراق رسمية والامتناع عن أي فعل يمكن عدّه استفزازياً والكلام فقط عندما يتم منح الكلمة من قبل رئيس الجلسة وتوجيه الكلام إليه أو إلى اللجنة، وعدم مقاطعة أي عضو أثناء حديثه واحترام سرية مداولات اجتماعات اللجنة والامتناع عن استخدام الحسابات الشخصية على وسائط التواصل الاجتماعي، وسيلة للتواصل مع اللجنة».
كما تضمنت المدونة مهمات رئيسي الوفدين؛ بينها «رئاسة اجتماعات اللجنة بشكل مشترك مع التناوب على الإدارة الفعلية للجلسات يومياً والحرص على تعزيز المساواة في الحقوق والمشاركة الفعالة بين النساء والرجال وتعليق الاجتماعات في حالة الإخلال بنظام الجلسة، وفي حالة استمرار الإخلال ترفع الجلسة إلى يوم العمل».

اللجنة المصغرة
تمثل الاختراق الثاني بتشكيل «اللجنة المصغرة» التي تضم 45 عضواً من أصل الـ150، بحيث يكون هدفها اعتباراً من الاثنين المقبل البدء في مناقشة الدستور. وتضمنت اللجنة المصغرة 15 من كل وفد. وشملت قائمة الحكومة: أحمد عرنوس، وأحمد كزبري، وأشواق عباس، وأمجد عيسى، وأمل يازجي، وجمال قادري، وجميلة الشربحي، ودارين سليمان، ورياض طاوز، وعبد الله السيد، ومحمد أكرم العجلان، ومحمد العكام، ومحمد عصام هزيمه، ونزار السكيف، وهيثم الطاس (وهم قانونيون، ودبلوماسيون، ونواب، ونقابيون، ورجال دين). وشملت قائمة المعارضة 15 شخصاً بينهم: هادي، والبحرة، وأحمد، والعسراوي، وبسمة قضماني، وصفوان عكاش، وجمال سليمان. وكان بين الأسماء في قائمة المجتمع المدني: صباح الحلاق، وعزيز حلاج، ومازن غريبة، وميس الكريدي.
وبموجب وثيقة «القواعد الإجرائية» التي تم التوصل إليها بين الحكومة و«الهيئة» المعارضة برعاية الأمم المتحدة، ستقوم اللجنة المصغرة بإعداد وصياغة المقترحات وتقوم الهيئة الموسعة بإقرارها، «لكن يمكن عقد الهيئة الموسعة بشكل دوري أو موازٍ في الوقت الذي تواصل فيه الهيئة المصغرة أعمالها، وذلك لمناقشة وإقرار المقترحات».
ولم تحدد الأمم المتحدة إطاراً زمنياً لإنجاز عمل اللجنة. وسيحكم عمل اللجنة «التوافق» بغية تحقيق الاتفاق العام لأعضائها، الأمر الذي سيمكّن مخرجاتها من التمتع بأوسع قبول ممكن من الشعب. وستمارس اللجنة عملها وتعتمد قراراتها بالتوافق كلما أمكن، وإلا فالتصويت بـ75 في المائة. وكي لا يحصل أي لغط جرى تأكيد أن «تكون نسبة الـ75 في المائة نسبة ثابتة».
وتأمل الأمم المتحدة والقوى الدولية أن يمهّد عمل اللجنة المكلفة إجراء مراجعة للدستور، الطريق أمام تسوية أوسع للنزاع، رغم اعترافهم بأن المهمة صعبة. وبحسب «قواعد العمل»، يعود للجنة أن «تراجع دستور 2012 وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد»، على أن يتم بموجب الدستور الجديد الذي يقرّه الشعب عبر استفتاء، إجراء انتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة.
وكان رئيس النظام السوري بشار الأسد قال للتلفزيون الرسمي الخميس، إن الانتخابات «ستكون بشكل كامل من الألف إلى الياء تحت إشراف الدولة السورية». وأضاف أن الحكومة «ليست جزءاً» من مفاوضات جنيف الجارية، وأن وفد دمشق «يمثل وجهة نظر الحكومة».
وانبثقت فكرة تشكيل اللجنة عن مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي بداية العام الماضي، في إطار محادثات آستانة التي ترعاها مع إيران الداعمة بدورها لدمشق وتركيا الداعمة للمعارضة. وأكد الأسد أن «كل ما يحصل هو جزء من سوتشي»، عادّاً أن «جنيف غير موجودة».

تلاسن
ولم يخلُ اجتماع اللجنة الموسعة من تشنجات وتلاسن بين وفدي الحكومة والمعارضة جراء تباين وجهات النظر وتبادل الاتهامات، لكنهم تمكنوا من إنجاز الاختراقين السابقين. وقال الكزبري إن «الأجواء بشكل عام كانت جيدة». وآمل أن «يكون عقد الاجتماعات في دمشق»، موضحاً أن «كل من يقترب بآرائه من الفريق الوطني، سنفتح له ذراعنا، لكن البعيد عن أي من ثوابتنا الوطنية، فبالتأكيد لن نلتقي معه في أي مكان».
من جهته، شدد البحرة على أن «إجراءات بناء الثقة مهمة وأساسية للدفع بالعملية السياسية والدستورية قدماً»، معدداً من أبرزها: «وقف نار دائم وشامل في سوريا، وإطلاق سراح المعتقلين ومعرفة مصير المغيبين».
ووزع معظم ممثلي المعارضة والمجتمع المدني خطاباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما اكتفى وفد الحكومة بتقديم بيانات مقتضبة بثت في «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا). وبحسب مشاركين في الاجتماعات، فإن خطابات ممثلي الحكومة تركزت على نقاط محددة، بينها: التأكيد أن الوفد ليس حكومياً، بل هو «مدعوم من الحكومة»، ما يعني أن نتائج العمل ليست ملزمة، والتأكيد على دعم الجيش العربي السوري ودوره في محاربة الإرهاب، والتمسك بمؤسسات الدولة، ووحدة سوريا وسيادتها، والدعوة لإدانة العدوان التركي، ودستور عام 2012 ممتاز وبالإمكان مناقشة تطويره. ولاحظ مشاركون عدم الإشارة المباشرة مطلقاً إلى الرئيس الأسد.
في المقابل، قدم ممثلو «هيئة التفاوض» خطابات تضمنت عناصر، بينها: الإصلاح الدستوري بوابة للإصلاح العام، ووحدة سوريا وسيادتها، والحفاظ على مؤسسات الدولة مع إصلاحها، وتوفير البيئة المحايدة، واقتراح اللامركزية، والاعتراف بمكونات الشعب السوري، واستقلال القضاء، وحيادية الجيش والأمن. كما ألقى ممثلو «الجيش الحر» في الشمال والجنوب وفصائل إسلامية أول من أمس خطابات، تضمنت الالتزام بالقرارات الشرعية الدولية والقرار 2254، ورفض الإرهاب والعلاقة مع التنظيمات الإرهابية، ثم حمل السلاح دفاعاً عن الذات والناس.



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».